بو باسين - روز هيل، موريشيوس - بعد أسبوعين تقريبًا من جنوح السفينة المملوكة لليابان «إم في واكاشيو»، التي ترفع العلم البنمي، قبالة ساحل موريشيوس في أواخر الشهر الماضي -مما أدى على الفور إلى تدمير أكثر من 548.6 مترًا من الشعاب المرجانية الهشة- بدأت ناقلة البضائع السائبة تُسرِّب نفطها في البحيرات الزرقاء البكر بالجزيرة الواقعة في المحيط الهندي. هدد هذا التسرب النفطي بإيقاع أضرار أكبر بكثير مما سببته السفينة نفسها.

في غضون ساعات من التسرُّب، سارع أكثر من 5 آلاف متطوع محلي وعشرات العاملين في مجال المحافظة على البيئة إلى اتخاذ إجراءات لإنقاذ الحياة البرية الفريدة والنابضة بالحياة في بلدهم النائي، وذلك بمحاولتهم السيطرة على تسرُّب النفط ونقل بعض الأنواع بعيدًا عن نطاق الخطر.

وعلى غرار غيرها من الجزر المعزولة، شهدت موريشيوس نشأة نُظُم إيكولوجية غنية ومتنوعة. لكن منذ نحو 400 عام، تسببت المستوطنات الهولندية والفرنسية والبريطانية المتتالية في تدمير الموائل الطبيعية، ولم يتبقَّ سليمًا سوى 2% فقط من الغطاء النباتي الأصلي، إضافةً إلى إبادة طائر الدودو الشهير. منذ حصولها على الاستقلال عن المملكة المتحدة قبل أكثر من 50 عامًا، بذلت موريشيوس جهودًا دؤوبةً لاستعادة نُظُمها الإيكولوجية. تجدر الإشارة إلى أن موريشيوس تتمتع باقتصاد مرتفع الدخل، كما تتميز بالتعدد الثقافي لسكانها، وهي واحدة من أكثر دول العالم سلمًا، وتشتهر بشواطئها الساحرة.

على هذه الشواطئ، بالقرب من قريتي مايبوغ وبوانت ديسني الساحليتين الخلابتين، تجمَّع المتطوعون لبناء "حواجز ماصة" عائمة، تتألف من سلاسل مصنوعة من شباكٍ مرنة مُلئت بأوراق قصب السكر المجفف لتشكل حواجز تعمل على إبطاء انتشار النفط. أظهرت الأبحاث أن المواد الطبيعية (مثل أوراق أو قش قصب السكر المجفف) مفيدة في احتواء النفط داخل أليافها المتداخلة والمتقاطعة. احتشد متطوعون آخرون في مراكز التسوق والأماكن العامة في جميع أنحاء الجزيرة لبناء الحواجز، ونشروا ما يتجاوز 365.7 مترًا من الحواجز بالقرب من موقع الحطام في جراند بورت لاجون، قبالة الساحل الجنوبي الشرقي للجزيرة.

نباتات من جزيرة إيل أوزيجريت موضوعة في أُصص ليجري إجلاؤها بالقوارب. Credit: Nik Cole Mauritian Wildlife Foundation

إلا أن الحواجز وحدها لن تنقذ الموقف، خاصةً حين تعصف بها الأمواج العالية والتيار القوي المسؤولان عن انتشار أغلب النفط المتسرب، والذي سرعان ما طوَّق الجزيرة المرجانية الصغيرة المهيبة إيل أوزيجريت. ظلت الجزيرة التي تبلغ مساحتها 67 فدانًا محميةً طبيعيةً لعقود؛ إذ جرت استعادة 80% من غاباتها عقب حملات إزالة الغابات التي شنها المستعمرون الأوروبيون. تُعد هذه الجزيرة ملاذًا لمئات الطيور والزواحف والنباتات المهددة، التي لا توجد إلا في موريشيوس وما حولها من جزر.

بدأ العاملون في مجال المحافظة على البيئة لدى مؤسسة موريشيوس للحياة البرية بالاستعداد لاحتمال انتشار النفط فور جنوح السفينة، ونفذوا سريعًا خطةً سبق أن تدربوا عليها جيدًا لإجلاء بعض الحيوانات والنباتات الأكثر عرضةً للخطر. يقول فيكاش تاتايا، مدير برنامج المحافظة على البيئة في المؤسسة: "كان علينا أن نبدأ أولًا بنقل الأنواع المهددة بشدة بالانقراض، ثم الالتفات إلى الأنواع المهددة". في غضون ساعات، نجحت الفرق في نقل 4 آلاف نبات من 40 نوعًا، من ضمنها نبات Aerva congesta النادر، وهو عشب مستوطن موجود على مساحة 2000 فدان فقط من الكوكب بأكمله. لم تكن الحملة الاستثنائية للإنقاذ لتصير ممكنةً إلا بمساعدة العمال المحليين؛ إذ حملوا النباتات التي وضعها موظفو المؤسسة في أُصص وأجْلَوها بالقوارب. يأمل العاملون في مجال المحافظة على البيئة أن يمكن إعادة معظم النباتات إلى جزيرة إيل أوزيجريت متى كان من الآمن فعل ذلك.

كان نقل بعض الطيور النادرة بالجزيرة الصغيرة أكثر صعوبة؛ إذ استغرق الإمساك بثمانية عشر طائرًا يومين، وتطلَّب ستةً من موظفي المؤسسة الذين كافحوا للتغلب على الأدخنة السامة الناجمة عن تسرُّب النفط. يقول تاتايا: "إنها عملية بطيئة للغاية. نستخدم الشباك السديمية أو ننتظر حتى تأتي الطيور لتتناول طعامها في محطات التغذية". (تعيش الطيور في البرية، لكن العاملين في مجال المحافظة على البيئة أنشأوا محطات تلقيم؛ لمساعدتها على استكمال نظامها الغذائي في أثناء عملية استعادة جزيرة إيل أوزيجريت).

يُعَد الإمساك بالطيور ونقلها إلى الجزيرة الرئيسية أمرًا بالغ الأهمية لتأمين مجموعاتها في حال أدى التسرُّب النفطي إلى تراجُع كبير في ​​أعدادها. من الجدير بالذكر أنه من بين ثمانية عشر طائرًا أمسك بها موظفو المؤسسة، ستة منها كانت من طيور فودي موريشيوس (Mauritius fodies)، وهو نوع مستوطن نادر، أما الاثنا عشر طائرًا الباقون فكانوا من نوع طائر موريشيوس الزيتوني أبيض العينين (Mauritius olive white-eyes)، وهو طائر زيتوني رمادي مهدد بالانقراض بشدة، وله حواف بيضاء مميزة حول عينيه، ولا يتجاوز طوله إصبع السبابة. يُعد طائر موريشيوس الزيتوني أبيض العينين أكثر الطيور المتوطنة في البلاد ندرةً؛ إذ تشير أطروحة بحثية صدرت عام 2016 إلى أنه قد ينقرض في غضون 50 عامًا. لكن بعد جهود الحماية المكثفة، التي شملت عمليات مثل الحضانة الاصطناعية للبيض، وتغذية الفراخ بأطعمة تضم يرقات النحل والبيض المخفوق والببايا، وسنوات من الإطلاق والمراقبة، عاش 73 فردًا من الطائر الزيتوني أبيض العينين في جزيرة إيل أوزيجريت قبل الإجلاء الطارئ.

وبعد مرور أكثر من أسبوعين على التسرب النفطي، ومع إزالة أغلب النفط المتسرب إلى البحر والذي فاقت كميته ألف طن، لا يزال هناك قدرٌ كبيرٌ من عدم اليقين بشأن مدى الضرر الذي سيتسبب فيه، وبالأخص تحت سطح البحر. يخشى البعض وقوع أسوأ الاحتمالات؛ فحتى قبل واقعة التسرب، كان برامود كومار تشومون -وهو متخصص في علم البيئة ويعمل لدى منظمة محلية غير حكومية معنية بالمحافظة على البيئة تسمى «إيكو-سود»- وفريقه يشهدون مؤخرًا ابيضاضًا متزايدًا في الشعاب المرجانية، كما وثَّقوا تقلُّصًا في الغطاء المرجاني وتنوُّعه في مناطق محددة من جراند بورت لاجون. عمل الباحثون لأكثر من عامين على زراعة الشعاب المرجانية من البقايا المتكسرة نتيجة ارتطام القوارب بها ونقلها إلى بعض تلك المناطق المتدهورة. كان الباحثون يأملون نشر نحو ألف مستعمرة مرجانية، لكن تسرُّب النفط أجبرهم على التوقف مؤقتًا، تاركين البراعم المرجانية في المشاتل دون رعاية بشرية. يقول تشومون: "لست متيقنًا مما سيحدث لمشاتل الشعاب المرجانية التي أقمناها، لم نتمكن من الاهتمام بها في أثناء الإغلاق ]في أثناء كوفيد-19[ ومات بعض منها. هذا التسرب النفطي زاد الوضع سوءًا".

ترسم بعض الأبحاث السابقة حول تأثيرات التسربات النفطية صورةً قاتمةً للوضع العام. على سبيل المثال، وجد تقييمٌ طويل المدى لآثار حادثة تسرب نفط خام وقعت عام 1986 في ميناء بايّا لاس ميناس ببنما زيادةً في معدلات فقدان الشعاب المرجانية في البحر الكاريبي. قُتِلت تقريبًا جميع الشعاب المرجانية المتفرعة في المنطقة المتضررة، دون أي دليل على تعافيها حتى بعد مرور خمس سنوات على التسرب. علاوةً على ذلك، وجد فريق من الباحثين الأمريكيين أن التعرُّض للنفط يؤثر في نمو قلوب الأسماك المفترسة الأكبر حجمًا، بما في ذلك أسماك التونة، التي تتوافر بكثرة في مياه موريشيوس، كما يتسبب أيضًا في حدوث عيوب في الفك، وصغر حجم العيون، إضافةً إلى تشوهات أخرى.

لكن كل حادثة تسرُّب نفطي تختلف عن غيرها. هناك الكثير من المتغيرات، مثل نوع النفط المتسرب ومزيجه. فضلًا عن ذلك، فإن للنُّظُم الإيكولوجية البحرية تعقيداتها الخاصة، لذا فالمقارنات في هذه الحالة قد تكون قاصرة.

لفهم الأضرار التي تعرضت لها جزيرة موريشيوس بصورةٍ أفضل، تقول جاكلين سوزييه، رئيسة جمعية موريشيوس للمحافظة على الحياة البحرية: "إننا بحاجة إلى مسح الساحل وفحص ما هو أبعد من منطقة التسرب النفطي لمعرفة ما إن كانت هناك أي تغييرات قد طرأت على النظام الإيكولوجي للمنطقة". حينها فقط سيعرف المعنيون بالمحافظة على البيئة ما يتطلبه الأمر لمعالجة الأضرار الواقعة.