الجاذبية المتناهية الصغر، أو الجاذبية الضعيفة للغاية، بالمحطة الفضائية الدولية International Space Station (ISS) هي ما يجعل رواد الفضاء ينزلقون ويتشقلبون هنا وهناك بلا عناء في أثناء دورانهم حول الأرض. كما أنها بيئة مفيدة في اكتساب معرفة دقيقة بصحة الإنسان من حيث الآثار التي تُحْدثها الرحلات الفضائية الطويلة، وتوفير منظورات جديدة للأمراض التي تصيب الناس على كوكبنا.

كانت أبحاث الطب الحيوي التي تُـجرى في الفضاء أحد الموضوعات المهمة التي نوقشت في الأسبوع الماضي في مؤتمر المحطة الفضائية الدولية للبحث والتطوير الذي انعقد في أتلانتا. سلط الباحثون الضوء على بعض الأعمال الجارية على متن المحطة الفضائية، فإلى جانب المزيد من الدراسات التي تتطلع ناسا والمختبر الوطني للمحطة الفضائية الدولية إلى إجرائها في أثناء السعي لاستغلال المدار الأرضي المنخفض تجاريًّا، يهدفان أيضًا إلى استخدام المحطة الفضائية الدولية كنقطة انطلاق نحو الهبوط على القمر مرةً أخرى، وفيما بعدُ على المريخ.

بصفتها طبيبة حاصلة على شهادة في كلٍّ من الطب الباطني والفضائي، فإن لدى رائدة الفلك سيرينا أونيون شانسلر اهتمامًا شديدًا بهذا العمل. ساعدت أونيون في إجراء العديد من تجارب الطب الحيوي بوصفها مهندسة طيران على متن المحطة الفضائية الدولية لمدة 197 يومًا في أثناء البعثتين 56 و57 في عام 2018، وهي تجربة وصفتها للحاضرين في المؤتمر. أجرت مجلة "ساينتفك أمريكان" لقاءً مع أونيون شانسلر؛ للتحدث بشأن الأبحاث التي أجرتها، وخبراتها بشأن آثار الجاذبية المتناهية الصغر على جسم الإنسان.

(فيما يلي نص محرر للمقابلة).

ما آثار الجاذبية المتناهية الصغر التي مررتِ بها؟

التجربة ذات تأثير يختلف من شخصٍ إلى آخر. كانت هذه هي رحلتي الأولى، وقد درست لأعوام جميع الأشياء المختلفة التي تحدث للجسم، غير أنك لا تعرف بِمَ ستشعر حتى تصعد إلى هناك بنفسك. لذا عندما تصعد إلى هناك – بالطبع ستستكشف أن معدتك لن تكون في أفضل حال خلال الأيام القليلة الأولى. ستشعر فقط أنك لا تريد تناوُل الطعام بنفس القدر. وتشعر وكأن كل شيء بداخلك يطفو. عندما تدير رأسك سريعًا من اتجاه إلى آخر، سيتأخر الدماغ قليلًا في إدراك ذلك. ولكن ذلك سرعان ما يتضاءل بعد الأسبوع الأول تقريبًا من بقائك هناك، فتبدأ في التفكير قائلًا لنفسك: "حسنًا، بدأت أشعر أني طبيعي مرة أخرى".

نلاحظ جميعًا حدوث تغيرات في الجهاز المناعي، ونرى ما يسمونه تنشيط الفيروسات الكامنة [عندما تبدأ الفيروسات غير النشطة في التكاثر]، ويقاس ذلك عن طريق اللعاب. حصلنا على عينات من كل شيء تقريبًا واختبرناها هناك، بدءًا بالبراز مرورًا باللعاب والبول ووصولًا إلى الدم. غير أنه من المذهل السرعة التي يعود بها كل شيء تقريبًا إلى طبيعته بمجرد نزولك إلى الأرض.

ما هي المسائل الرئيسية فيما يتعلق كيفية تأثير الجاذبية المتناهية الصغر على صحة الإنسان؟

أعتقد أن أكبر التحديات الصحية، بطبيعة الحال للبعثات الاستكشافية المتزايدة الطول، تتمثل أولًا في التعرض للإشعاع. نحن محميون بشكل جيد جدًّا داخل المحطة الفضائية الدولية، بواسطة غطاء المركبة الواقي السميك والمجال المغناطيسي للأرض والغلاف الجوي، كل هذه الأشياء توفر الحماية. ولكن بمجرد أن تغير هذا المعيار الأساسي، ربما بمركبة مختلفة ذات غطاء أقل سُمكًا ومع غياب الغلاف الجوي، يزداد تعرُّضك للإشعاع. وتصبح أكثر عرضةً لظواهر الجسيمات الشمسية خلال الرحلات الطويلة، لنَقُل إلى المريخ على سبيل المثال.

كذلك يشكل الانخفاض المستمر في كثافة العظام أحد دواعي القلق. فكيف نحد من ذلك؟ أجهزة التمارين الرياضية التي لدينا على متن المحطة الفضائية كبيرة الحجم، ونحن نحبها، ولكن هل يمكننا أخذ شيء بهذا الحجم على متن المركبة التالية؟ على الأرجح لا. لذا نتطلع إلى وجود أجهزة نستطيع استخدامها في المركبات التي ستأخذنا إلى مسافات أبعد من ذلك.

بعد ذلك لدينا التأثيرات التي تحدث على العينين، وأعني بذلك المشكلات التي رأيناها فيما يتعلق بتغيُّر شكل مقلة العين نفسها، وتضخُّم العصب البصري، والتغيرات في الرؤية. لم أمر بأيٍّ من تلك التأثيرات، ولكن بالتأكيد كان لدينا رواد فضاء آخرون مروا بها. لذا فهو أمر نرصده، ونحاول التوصل إلى كيفية توقُّعه ثم كيفية علاجه إذا طرأ.

لكونكِ طبيبة، لا بد أن مراقبة ما حدث لكِ ومقارنته بما حدث لزملائكِ من أفراد الطاقم كان أمرًا مثيرًا للاهتمام.

الأمر يشبه نوعًا ما المقولة القديمة التي تقول إنه لن يكون لديك أدنى فكرة بما يمر به الشخص إلى أن تصبح مكانه. ولكنك تدرك بعد ذلك أيضًا كم هي مختلفة أجسام كلٍّ منا. فعلى سبيل المثال، يستغرق الأمر وقتًا لتعلُّم كيفية التحرُّك برشاقة في ظل الجاذبية المتناهية الصغر. أقلعتُ إلى هناك مع أليكس جيرست [من محطة الفضاء الأوروبية]، وكانت هذه هي ثاني رحلة طويلة المدى له. وعندما دخلنا المحطة الفضائية الدولية للمرة الأولى، أتذكره جيدًا وهو يقول: "ياللروعة، جسمي يتذكر كيف يتحرك هنا بالأعلى". كانت رحلته الأولى قبل هذه الرحلة بأربعة أعوام، غير أن دماغه تذكَّر كيف يتحرك. ثمة ذاكرة عصبية داخل دماغه قالت له: "عندما تصعد إلى الجاذبية المتناهية الصغر، ستحتاج إلى مجرد لمسة صغيرة هنا، وموطئ قدم خفيف هنا. فقط استخدم إصبع قدمك هنا لكي تثبت نفسك. ادفع هنا برفق". وهكذا فإن ما حدث له هو أنه تذكر. ما يعنيه ذلك لي أنه يخبرك كم هي رائعة قدرة الدماغ على التأقلم مع البيئات الجديدة.

إعلان

ما الذي يجعل الجاذبية المتناهية الصغر مكانًا مرغوبًا بهذه الدرجة لتطبيق علم الأحياء؟

يختلف نمو الخلية في ظل تأثير الجاذبية المتناهية الصغر في الأعلى. يستطيع العلماء عمل مزرعةٍ لخلايا مثل الخلايا البطانية [التي تبطن الأوعية الدموية واللمفاوية] لمدة أطول قليلًا. تنمو هذه الخلايا على نحو أفضل بشكل يميل أكثر إلى أن يكون ثلاثيَّ الأبعاد أكثر من استنمائها على طبق مسطح على الأرض، ما يتيح للعلماء دراسة أشياء مختلفة.

الشيء الآخر الذي يتغير هو السرعة التي تكون عليها وتيرة عملية الشيخوخة التي تحدث في المدار، لذا فإننا ندرس جميع الكاشفات الجزيئية والطريقة التي تتغير بها أيضًا الخلايا في المدار، والعمليات التي تستغرق أعوامًا على الأرض، مثل هشاشة العظام، تحدث أسرع بكثير هناك في الأعلى، لذا يعتبرها العلماء منصةَ اختبار.

وأخيرًا، الأمر الثالث الذي استمتعت حقًّا بمشاهدته كان التجارب البلورية للبروتين. سواء كان بروتينًا مرتبطًا بمرض باركينسون أو دواءً كانت تدرسه شركة دوائية لتحسينه، فإن هذه البروتينات البلورية هي تكوينات تنمو على نحو أفضل [على المحطة الفضائية الدولية]. فهي تنمو على نحو ثلاثي الأبعاد بشكل أكبر، وبتكوين أكثر ترتيبًا في المدار؛ لأنها ليست محدودةً بذلك الطبق ثنائي الأبعاد. ثمة نقص في تيارات الحمل الحراري في الجاذبية المتناهية الصغر، ما يساعد تلك البلورات على النمو. فهي تعطي العلماء نظرةً أكثر تعمقًا فيما يتعلق بتركيب البروتين. لذا لو كان بمقدورهم فحص البروتين المسبب لمرض باركينسون بدرجة أفضل بنسبة 30% أو حتى 20%، فسينظرون إليه ويقولون: "نرى هدفًا جديدًا لعقار مثبط"، أو "يمكننا تعديل عقارنا قليلًا لتقليل ذلك الأثر الجانبي، وذلك بفضل رؤيتنا المحسَّنة لذلك البروتين".

ما هي التجارب الطبية الأكثر إثارةً من وجهة نظرك؟

بالتأكيد، كانت دراسة أنجييكس للعلاج الكيماوي التي أجريناها هناك بالأعلى؛ إذ أمضيت ما بين ستة وثمانية أسابيع في العمل عليها، فقد استغرقَت قسمًا كبيرًا من وقتي خلال المهمة. كان العالم يدرس متسائلًا: كيف نمت الخلايا البطانية؟ وهل بإمكاننا اختبار عوامل علاجية كيماوية عليها؟ وما أريد معرفته من الباحث الرئيس هو: "هل ساعدتك المحطة الفضائية الدولية على إنتاج عامل علاج كيماوي يستهدف الإمداد الوعائي الدموي للورم؟"؛ لأن ذلك أمر مهم لنا. كان السرطان لفترة طويلة -وما زال- بمنزلة إمبراطور كل الأمراض. لذا فإن كان يوجد أي دور صغير يمكننا أداؤه للمساعدة في مكافحة ذلك المرض فسأقوم به. لأن الكثير من مرضاي مصابون بالسرطان. تعامل الجميع مع السرطان على نحو أو آخر، سواء كان المصاب به عضوًا في عائلة المرء، أو صديقًا له، أو كان المرء نفسه. هذا هو الشيء الذي يتطلع إليه الجميع ويهمهم الوصول إلى حلٍّ له. أحب أن أرى المزيد من الدراسات مثل تلك.

هل يفيدكِ عملكِ في الفضاء في كيفية التواصل مع مرضاك على الأرض؟

أتحدث مع مرضاي حول أبحاث السرطان. أتحدث كثيرا عن مرض ألزهايمر؛ لأن البروتين "بيتا أميلويد" beta-amyloid مرتبط بعمليات أمراض كثيرة ومختلفة. وأقول لهم: "انظروا، نحن نحصل على رؤية أفضل، عن طريق النمو البلوري للبروتين، إلى بروتين بيتا أميلويد، ما يعني أنه بعد ثلاث إلى خمس سنوات من الآن، من المحتمل أن نحصل على علاجات أفضل هناك". وهم يحبون سماع ذلك، يحبونه بالتأكيد.