ارتفعت أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد إلى أعلى مستوياتها في خمس ولايات، حيث أوقف بعض القادة خططًا أُعِدَّت لإعادة فتح الأعمال بصورة أوسع. تُظْهِر الأرقام القياسية لعدد الإصابات، التي سُجِّلَت في كلٍّ من ولايات أريزونا وفلوريدا وجورجيا ونيفادا وكارولينا الجنوبية، ارتفاعًا مثيرًا للقلق في الحالات، يمتد الآن إلى الأسبوع الثالث على التوالي. أصيب أكثر من 2.5 مليون شخص في الولايات المتحدة بعدوى فيروس كورونا المستجد، وتوفِّي ما لا يقل عن 125.000 شخص، أي أكثر من أي بلد آخر.

في أوائل انتشار الجائحة، ارتكزت سارة كوبي، عالِمة الأوبئة والأحياء التطورية بجامعة شيكاغو، في بحثها على الإنفلونزا لنمذجة ديناميات فيروس كوفيد-19. تجيب كوبي في هذه المقالة عن بعض أسئلة المحررة المُسَاهِمَة في دورية «ساينتفك أمريكان» Scientific American، مارلا برودفوت، حول سبب ما نشهده من ارتفاع في حالات الإصابة، وما إذا كان هذا ينذر بموجة ثانية مروِّعة من المرض.

[فيما يلي نسخة منقحة من المقابلة]

هذا الشهر سجلت أكثر من عشرين ولاية ارتفاعًا في حالات الإصابة اليومية بفيروس كورونا المستجد. هل يعتبر هذا الارتفاع جزءًا من الموجة الأولى أم الثانية؟ وهل هذان التصنيفان يمثلان طريقةً مفيدةً للنظر إلى هذه الجائحة أصلًا؟

أعتقد أن هذا سؤال صعب؛ لأنني لست متأكدة من أنه من المفيد التفكير في ديناميات الوباء التي نشهدها على أنها موجات. نعلم أن الإنفلونزا والعديد من مسببات الأمراض التنفسية الأخرى تتسبب في هذه الأوبئة التي تشبه الموجات، إذ تُحَدَّد قمم الموجات وقيعانها عن طريق الجزء المعرَّض للإصابة من السكان. تبدأ الأوبئة في الانحسار عندما ينخفض ​​عدد السكان المعرضين للإصابة بها إلى ما دون الحد الأدنى لمناعة القطيع، ويمكن أن تزداد مرةً أخرى ما إن يرتفع الجزء المعرَّض للإصابة عن هذا الحد. ولكن ما ننظر إليه هنا هو فيروس من الواضح أنه لم ينتشر بين السكان مدةً طويلة، ولا يزال معظمنا عرضةً للإصابة به. لا يوجد أي سبب يستوجب أن نشهد هذا النوع نفسه من ديناميات الوباء، الذي يشبه الموجات التي شهدناها في حالة مسببات الأمراض التنفسية الأخرى. ما نشهده هو –بالأحرى- وباء ضخم، يمكن أن ينتشر بسرعة بين السكان كالنار في الهشيم ما لم نفعل شيئًا لإبطاء سرعة انتقاله، وهو ما نفعله حاليًّا بإجراءات مثل التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات الواقية. من الممكن، بمرور الوقت، أن يبدأ فيروس كوفيد-19 في التحول إلى موجات دورية شبيهة بالإنفلونزا، ولكن هذا سيستغرق سنوات.

إذا جاز لنا استخدام مصطلح الموجة بالمعنى الشائع، فما هي أنواع الديناميات المتعلقة بالمرض التي من المتوقع أن نشهدها بعد ذلك؟

يمكن أن نشهد جميع أنواع التصاعد أو الموجات المختلفة، والأمر يعتمد حقًّا على ما نفعله. يمكن أن نشهد موجة كبيرة واحدة فقط مثل اليابان -التي يبدو أنها تسيطر على انتشار الفيروس بطريقة جيدة للغاية- إذا التزمنا بتطبيق إجراءات مماثلة حتى يتم تطوير لقاح. كما يمكن أن نشهد ما يشبه الموجة الثانية إذا تخلى الناس تمامًا -على سبيل المثال- عن تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي أو ارتداء الكمامات. لكن لا أعتقد أن هذا يتَّسق مع سلوكنا.

اقترح بعض الخبراء والسياسيين أن فيروس كورونا المستجد قد يخمد في الصيف. ومع ذلك، لا تزال الحالات الجديدة في ازدياد. هل تمدنا هذه الاتجاهات الأخيرة بأي معلومات عن الطبيعة الموسمية للفيروس؟

يبدو أن لمعظم فيروسات الجهاز التنفسي، التي حظيت بالدراسة، معدلات انتقال أعلى للعدوى في الشتاء وأقل في الصيف. كما نعلم أن سمة الموسمية هذه ليست معتمدة بالكامل على السلوك البشري؛ إذ يبدو أنه توجد قوى أخرى تؤثر على هذا التوقيت الموسمي، مثل درجة الحرارة والرطوبة وضوء الشمس. أعتقد أنه سيكون غريبًا ألا يكون فيروس كورونا المستجد حساسًا على نحوٍ مماثل للمواسم المختلفة. ومع ذلك، إذا ما تأملنا فقط الحسابات الرياضية الأساسية في هذه الحالة، فسنجد أن التغيرات في السلوك البشري سيكون لها تأثيرٌ أكبر بكثير على انتقال العدوى. نشهد، كما أشرتِ، ارتفاعًا في وتيرة انتقال العدوى في العديد من الولايات. ولكنّي أظن أن الأمور كانت ستصبح أسوأ لو لم نكن في فصل الصيف.

ما الدروس التي يمكن استخلاصها من أوبئة الإنفلونزا السابقة لفهم ما نعاينه الآن مع جائحة كوفيد-19؟

ثمة أمر تحدثنا عنه بالفعل وهو التأثيرات الموسمية. على سبيل المثال، كان لجائحة إنفلونزا الخنازير H1N1 في عام 2009 موجة انتشار في الربيع، خمدت خلال فصل الصيف ثم عادت في وقت مبكر بَعْض الشَّيء في فصل الخريف. يمكن أن يؤثر الطقس الصيفي تأثيرًا مماثلًا على انتقال عدوى فيروس كوفيد-19. ولكن ما لدينا في حالتنا هذه، هو فيروس شديد العدوى، وهو ما يجعل من الصعب إجراء مقارنة مباشرة بأي وباء آخر مررنا به من قبل. لقد كانت جميع جوائح الإنفلونزا السابقة تنتشر بين مجموعات سكانية لديها مناعة مسبقة ضدها، ولذلك فعلى الرغم من أنه كان فيروسًا جديدًا، إلا أن الناس كان لديهم بالفعل قدرٌ كبيرٌ من المناعة التي تكوَّنت من التعرض لفيروسات الإنفلونزا السابقة.

ثمة أمر آخر نشهده، هو التنوع في حجم انتشار وباء كوفيد-19 وتوقيته، ليس فقط بين الولايات، بل بين الدول أيضًا، وهو ما يمكن إرجاعه إلى الإجراءات المختلفة التي اتُّبِعَت في تلك المناطق. وذلك أمر رأيناه أيضًا في حالة جائحة الإنفلونزا الإسبانية في عام 1918. نرى مرةً أخرى أن توقيت هذه الموجات ربما يكون تحت سيطرتنا، إذ سيعتمد الأمر على مقدار تراخينا في تطبيق الإجراءات المُتَّبَعَة.