عادةً ما تُعطي صور إنسان النياندرتال (الإنسان البدائي) -الذي تزاوج من آنٍ إلى آخر في الماضي من أسلاف الإنسان الحديث- ملامحَ وجهية أكبر وأغلظ من ملامحنا الوجهية الحالية، كما تُعطيه تلك الصور جبهةً مائلةً أقصر من جِباهِنا، وحاجبَين بارزَين كثيفَين. وبالمقارنة، تبدو عيوننا وأنوفنا وأفواهنا أضيق، كما تشغل مساحة أقل من وجوهنا. وعلى الرغم من أن الكثير من الرئيسيات تبدأ حياتها بهذا المظهر الأكثر رقّة، فإننا الوحيدون الذين نحتفظ بتلك الملامح عندما نكبُر.

إحدى الفرضيات المُفسّرة لكيفية تحوُّل إطلالة البشر من ملامح إنسان النياندرتال الغليظة في مرحلة النضج إلى الاحتفاظ بملامح أكثر رقةً على امتداد الحياة تقول إننا انتهجنا «التدجين الذاتي» بحقّ وجوهنا. وتُشير تلك الفكرة إلى أنه مع اعتماد البشر اعتمادًا متزايدًا على التفاعلات الاجتماعية المُسالِمة كي يزدهروا، بدأ أسلافنا في اختيار الأزواج ذوي الصفات الأقل عدوانيةً فيما يتعلق بمظهر الوجه وغير ذلك من السمات. ولكن طالما كانت الأدلة الوراثية التي تربط ملامح الوجه بعملية التدجين الذاتي هذه شحيحة.

جاءت دراسة حديثة نُشرِت بدوريّة «ساينس أدفانسز»Science Advances ، في الرابع من ديسمبر، لتقدم الحلقة المفقودة؛ إذ تُبين نتائج هذه الدراسة أن التغيُّرات التي طرأت على الحمض النووي والتي تقف وراء تطوُّر ملامح الوجه تُفرّق تفريقًا جَليًّا بين البشر الحاليين وأقرب أقربائنا المُنقرضين، وهما إنسان النياندرتال وإنسان الدينيسوفان، الذي يُعد فرعًا عتيقًا آخر من أفرع شجرة العائلة البشرية.

يقول ريتشارد رانجهام، أستاذ علم الأنثروبولوجيا البيولوجية بجامعة هارفارد، والذي لم يشارك في إجراء الدراسة: إن هذه الاختلافات من الممكن أن تصبح متوقَّعةً إذا كان الإنسان الحديث جنسًا يُمارس التدجين الذاتي. ووفق رانجهام، كان محور اهتمام الدراسات السابقة هو جينات يُحتَمل ارتباطها بالتدجين لدى البشر، ولكن "التقدم البالغ الأهميّة" للورقة البحثية الجديدة يكمُن في أنها تأخذ جينًا مُرشّحًا واحدًا مهمًّا وتربطه بنتيجة متوقّعة للتدجين، وهي الملامح الأرق للوجه.

ولإزاحة الستار عن هذا الارتباط، استخدم الباحثون خلايا من أشخاص يعانون من حالة وراثية مُحددة بوضوح تحمل اسم متلازمة «ويليامز-بيورين». وتميل ملامح وجوه الأشخاص المصابين بتلك المتلازمة وسلوكياتهم ميلًا بالغًا إلى مضاهاة الصورة النهائية الأكثر أُلفَةً للإنسان. وافترض الباحثون أن التغيُّرات التي طرأت على الحمض النووي والتي تقف وراء هذه الصفات قد تساعد في تفسير العوامل الوراثية المرتبطة بتطور الوجه البشري. والجينات المرتبطة بمتلازمة «ويليامز-بيورين» التي ركَّز عليها الباحثون تعمل على توجيه دفَّة انتقال خلايا العُرف العصبي وعملها؛ إذ تؤدي تلك الخلايا مهماتٍ متنوِّعة في المراحل المبكّرة من التطور الجنيني، وإحدى تلك المهمات تتمثل في المساعدة في تكوين عظام الوجه.

ولإجراء تلك الدراسة، ركَّز ماتيو زانيلا من جامعة ميلانو في إيطاليا وزملاؤه اهتمامهم على جينٍ مرتبط بمتلازمة «ويليامز-بيورين» يُدعى BAZ1B، وهو المسؤول عن تنظيم عملية هجرة خلايا العُرف العصبي. وباستخدام خلايا مأخوذة من أشخاص مُصابين بمتلازمة «ويليامز-بيورين» وآخرين تعافوا من تلك المتلازمة، قيّم الباحثون تأثير «جرعات» مختلفة من هذا الجين. وتبيّن للباحثين أن الجين BAZ1B "مُتحكِّم رئيسي" في خلايا العرف العصبي؛ إذ اختلفت التأثيرات الناجمة عن الجرعات المنخفضة عن تلك الناجمة عن الجرعات العالية من الجين. 

وبعد ذلك، عقد الباحثون مقارنةً بين تسلسلات الحمض النووي التي تتفاعل مع الجين BAZ1B لدى الإنسان الحديث ومناطق الحمض النووي نفسها لدى البشر القدامى. يقول القائمون على الدراسة الحالية إن ثمة اختلافًا بين الاثنين، إذ تبيّن أن الإنسان الحديث لديه اضطراب معتدل في نشاط خلايا العرف العصبي، مقارنةً بنشاطها الكامل الذي لم يَعُقْه أي اضطراب لدى إنسان النياندرتال وإنسان الدينيسوفان. وقد أدى ذلك الانحراف الطفيف لدى الإنسان الحديث إلى تلك الملامح الأكثر رقةً لوجوهنا. ويُرجِّح الباحثون أن تلك النسخة الأكثر رقّةً لملامح الوجه انتشرت على نطاق واسع بين البشر تزامنًا مع ميلهم نحو انتهاج نمط حياة أقل عدوانيةً ويغلب عليه الطابع الاجتماعي.

يقول مارسيلو سانشيز فيلاجرا، أستاذ علم المتحجرات بجامعة زيوريخ، والذي لم يشارك في الدراسة الحالية: إن استخدام حالة وراثية مُحددة بوضوح مثل متلازمة «ويليامز-بيورين» يُعدّ سبيلًا جيدًا لدراسة الجينات التي تنطوي عليها العمليات التطورية، لا سيَّما تطوُّر ملامح الوجه. فمثل هذه الأدوات تمهِّد الطريق لفهم ما جرى خلال مرحلة حاسمة من مراحل تطوُّر البشر.

ويُؤكِّد الباحث الرئيسي في الدراسة الحالية -جوزابيه تيستا، أستاذ البيولوجيا الجزيئية بجامعة ميلانو- على إسهامات الأشخاص المصابين بمتلازمة «وليامز-بيورين» في العمل، إذ يقول: "هذا ليس بالأمر المثير على الصعيد العلمي فحسب، بل من الرائع أيضًا أن نفكر في التنوع الوراثي الذي ترتكز عليه مثل هذه المتلازمات وكأنه مثل لوحة فسيفساء يُمكنها -إذا خضعت للاستقصاء الملائم- أن تُسلِّط الضوء على ماضينا". 

وقد تمكَّن فريق تيستا كذلك من تحديد جينات أخرى ذات صلة مُحتملة بسلوكيات اجتماعية ترتبط بالتدجين الذاتي، وأحد تلك الجينات هو الجين FOXP2، الذي يؤدي دورًا في قدرتنا على الكلام. يقول ريتشارد رانجهام: إن دراسة الجينات المرتبطة بتقلّص حجم الدماغ، حيث لا تؤدي خلايا العرف العصبي دورًا، ستكون من الأهمية بمكانٍ؛ إذ كان إنسان النياندرتال يمتلك دماغًا يزيد في حجمه عن نظيره لدى الإنسان الحديث.

ويصف تيستا الدراسات التي تعقد مقارنةً بين الحمض النووي لدى الإنسان القديم ونظيره لدى الإنسان الحديث بأنها فرصة هائلة؛ إذ يقول: "لقد بدأنا حقًّا في فتح آفاق مجال بحثي يستند إلى ما سبق من أبحاث قيِّمة، ونأمل أن يجتذب الكثير من الباحثين المتميزين مستقبلًا".