أثبت الباحثون للمرة الأولى أن يرقات البعوض تأكل جسيمات دقيقة من البلاستيك يمكن أن تظل حبيسة أجسادها وهي تتحول وتدخل في طور البلوغ. وهذا يعني أنها وغيرها من الحشرات الشبيهة يمكن أن تنشر جسيمات البلاستيك التي تلوث الأنظمة البيئية المائية –حيث تقضي العديد من الحشرات الطور الأول من حياتها– إلى المُفترِسات البرية مثل الطيور أو العناكب، ومن ثم فإنها "تُلوِّث بيئةً جديدةً تمامًا"، وفق قول أماندا كالاهان، الأستاذ المشارك في علم الحيوان بجامعة ريدنج في إنجلترا.

وتُعد دراسة كالاهان، التي نُشرت بالتفصيل في شهر سبتمبر في دورية "بايولوجي ليترز" Biology Letters، هي الدراسة الأحدث في سلسلة نشطة من الأبحاث حول الآثار المحتملة للأجزاء الدقيقة من البلاستيك التي تراكمت في البيئة من قيعان البحار إلى تربة المزارع مع تحلُّل مخلفات البلاستيك الأكبر حجمًا. وجسيمات البلاستيك الدقيقة هذه صغيرة بما يكفي لتبتلعها حتى أصغر الكائنات، مما يشير إلى احتمالية تراكمها في السلسلة الغذائية، غير أنه لا يزال من غير الواضح بعدُ ما إذا كان ذلك يحدث في البرية، وما إذا كان يحدث على نطاقٍ قد تنتج عنه آثار ملحوظة على البيئة.

 

العديد من الأنواع، من ديدان الأرض إلى حيوانات بلح البحر، تبتلع جسيمات البلاستيك لا محالة. وقد أرادت كالاهان أن ترى هل البعوض يبتلعها أيضًا، وهل كان سيحتفظ بهذه الملوِّثات على مدار دورة حياته، فعرَّض فريقها يرقات البعوض لحجمين من جسيمات البوليستيرين الفلوري (مقاس 2 و15 ميكرونًا، أو ما يعادل تقريبًا حجم البكتيريا الإشريكية القولونية وخلية ونصف من خلايا الدم البشري، على التوالي)، ثم وضعها في مياه نظيفة. وعندما شرّح الباحثون العديد من اليرقات وجدوا جسيمات البلاستيك الدقيقة في أمعائها، ثم شرّح الباحثون المزيد من البعوض بعد أن تطور إلى مرحلة الشرنقة، التي لا تأكل الحشرة فيها، وكذلك بعد أن دخلت مرحلة البلوغ، ووجدوا مرةً أخرى جسيمات بلاستيك دقيقة داخل العضو المقابل للكلية داخل جسم الحشرة. فتقول كالاهان: "إذًا ما تناوله البعوض وهو يرقات ظل داخل أمعائه".

كان عدد الجسيمات التي يعثر عليها الباحثون ينخفض مع كل مرحلة من مراحل النمو، وتشير كالاهان إلى أن هذا قد يعني أن البعوض يتبرز بعضًا مما يأكله في مرحلة اليرقات ومرةً أخرى بمجرد أن يصبح بالغًا، ولكن ثمة حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث للتأكد من هذا الاستنتاج القائم على الحدس.

ويشير مارتن واجنر -العالِم المتخصص في علم السموم البيئية في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، والذي لم يكن مشاركًا في الدراسة الجديدة- إلى أنه على غرار الأبحاث حول جسيمات البلاستيك الدقيقة التي تُجرى في المعمل، فإن كمية البلاستيك التي تعرضت لها اليرقات كانت على الأرجح أكبر كثيرًا من الكمية التي يصادفها البعوض في البيئة. كما يشير إلى أن الكمية التي وُجدت في أجسام البعوض كانت منخفضةً نسبيًّا، مضيفًا أن أحد طلابه في مرحلة الدكتوراة أجرى تجربة مشابهة لتلك التي أجرتها كالاهان –وإن كانت مع أحد أنواع البراغش، وتضمنت تركيزات أقل من جسيمات البلاستيك الدقيقة– ولم يتوصل إلى نسبة الاحتفاظ نفسها على مدى أطوار الحياة.

وتقول كالاهان إن من الخطوات التالية في هذا البحث أخذ عينات بيئية من البعوض من مناطق ملوثة بجسيمات البلاستيك الدقيقة، ليروا هل سيتوصلون إلى الأدلة نفسها حول انتقال جسيمات البلاستيك بين مراحل الحياة المختلفة كما حدث في المعمل، كذلك تريد أن ترى هل يحدث الأمر نفسه مع الحشرات الأخرى التي تمر بمراحل التحول في النمو.

لم يتوصل الفريق إلى مؤشرات على أن جسيمات البلاستيك الدقيقة تضر بمعدلات بقاء البعوض نفسه، غير أن النتائج التي توصل إليها تثير المخاوف من أن يرقات البعوض يمكن أن تبتلع جسيمات البلاستيك الدقيقة من قاع إحدى برك المياه، على سبيل المثال، ثم تنقلها في نهاية المطاف إلى الطيور والخفافيش البرية وغيرها من الحيوانات التي تتغذى على الحشرات البالغة، مما يؤدي إلى انتقال جسيمات البلاستيك إلى مستويات أعلى في السلسلة الغذائية. وتضيف كالاهان: "لا يوجد طريق آخر قد تصل من خلاله هذه الحيوانات إلى جسيمات البلاستيك هذه"، والتي لولا هذا المسار لما كانت متاحةً إلا للأنواع المائية فحسب.

إنَّ تراكُم جسيمات البلاستيك الدقيقة في أمعاء الحيوان قد تؤدي إلى تحجيم شهيته، مما يؤدي إلى تقليل فرصه في النمو والتكاثر، وهو ما ثبت حدوثه في بعض الأنواع بالفعل. لكن على عكس الملوِّثات الأخرى مثل الزئبق، لا يتضح إلى أي مدى تستطيع جسيمات البلاستيك الدقيقة الهرب بسهولة من الأمعاء وبلوغ أعضاء أخرى. فضلًا عن أن جسيمات البلاستيك تكون في أحجام وأشكال مختلفة وكذلك أنواع بوليمر مختلفة، وهو ما قد يكون له آثار مختلفة. ويشير واجنر أيضًا إلى أن البعوض وغيره من الحيوانات يتعرض للعديد من الجسيمات الموجودة في الطبيعة التي لا يمكنها هضمها، غير أنها تكيفت على التعامل معها، ولا يزال علينا الانتظار لنرى هل سيكون لجسيمات البلاستيك الدقيقة آثار مختلفة.

وتعتقد كالاهان أنه من غير المحتمل أن ينقل البعوض جسميات البلاستيك الدقيقة إلى البشر أو الحيوانات الأخرى من خلال اللدغات، فلكي يحدث هذا على جسيمات البلاستيك أن تشق طريقها بطريقةٍ ما إلى الغدد اللعابية لدى الحشرات، بدلًا من هذا فإنها تقول: "أعتقد أن الجزء المتعلق بالبشر في هذا الأمر هو تأثير البشر، أي الآثار التي يتركها البشر على الأنظمة البيئية".