"رجل الجبل"، تسميةٌ تستحضر صورة رجل مُلتحٍ أبيض البشرة، غليظ الملامح مُتسخ البدن، يعيش حياةً تتسم بالقسوة والمغامرة وسط الأشجار والثلوج والغزلان والدببة التي تظهر في بعض الأحيان. وعلى الرغم من أن معظم الذين يعيشون في الولايات الجبلية بالولايات المتحدة اليوم لا يعكسون هذا الشكل المتطرف النمطي الضيق، قد تؤدي القمم التي تحيط بهم دورًا في تشكيل السمات التي يتردد صداها مع الشخصية.

تُشير النتائج -التي نُشرت في دورية «نيتشر هيومان بيهافيور» Nature Human Behavior في السابع من سبتمبر- إلى أن المناظر الطبيعية الجبلية ربما تُعزِّز انفتاح الأشخاص الذين يعيشون فيها على التجارب الجديدة. لكن القائمين على الدراسة أشاروا أيضًا إلى أن قاطني المنحدرات سجلوا درجاتٍ أقل فيما يتصل بسماتٍ أخرى، مثل المقبولية والانفتاح، وهو ما ينسجم مع الصورة النمطية للشخص الفرداني مُقتضَب الحديث، التي غالبًا ما تُجسِّدها الأفلام التي تتناول الغرب الأمريكي. يبدو أن روح المغامرة تجتمع مع تبنٍّ للوحدة والعزلة، وهذه جميعها سماتٌ قد تساعد على التكيُّف مع تلك البيئات القاسية.

وتؤكد النتائج فيما يبدو أن الجبال يمكن أن تُشكِّل بعض جوانب شخصية "المغامر الجبلي"، لكن التأثير -الذي يطلق عليه الباحثون حجم الأثر- الذي يمسُّ أي فرد قد يكون محدودًا، على حد قول كبير الباحثين في الدراسة الحالية فريدريش جوتس، طالب الدكتوراة والأخصائي النفسي في جامعة كامبريدج الأمريكية. فليس كل شخص يعيش على طول سلاسل جبال كولورادو الأمامية، انعزاليًّا مغامرًا ثائر الرأس. لكن الجبال قد تبرز هذه السمات لدى الأشخاص الذين يعيشون هناك بدرجات متفاوتة، مما يخلق اتجاهًا إقليميًّا واسع النطاق نوعًا ما. يقول جوتس إنه حتى وإن كانت التأثيرات ضعيفةً نسبيًّا، فإن هذا التأثير الجغرافي يمكن أن "يتطور وتترتب عليه نتائج على المستوى الإقليمي".

يجب إعادة استكشاف لغز "الحدود" في غرب الولايات المتحدة، في مناطق جبلية أخرى قبل الإدلاء ببيانات فضفاضة حول ما إذا كانت "التضاريس الفيزيائية لها علاقة بالسمات الشخصية"، كما تقول ميشيل جيلفاند، الأستاذة الجامعية المرموقة في قسم علم النفس في جامعة ماريلاند الأمريكية، والتي لم تُشارك في الدراسة الحالية.

كما تطرح جيلفاند سؤالًا حول ما إذا كانت النتائج تنطبق في المقام الأول على الولايات المتحدة و"ثقافتها المُفككة والفردانية". على سبيل المثال، تشير نتائج الدراسة إلى أن الجبال قد تُشكِّل أساسًا لتراجُع درجات الوعي الذي يُعَدُّ مقياسًا للتواؤم. وترى جيلفاند أنه إذا نظر الباحثون إلى سويسرا، التي تتسم ثقافتها بالترابط والطابع الجمعي، فقد يجدون أن "درجة الوعي أعلى في المناطق الجبلية" هناك.

وفي سبيل دراسة العلاقة بين العيش في الجبال في غرب الولايات المتحدة والسمات الشخصية، استخدم جوتس وزملاؤه البيانات التي يتم الإفصاح عنها ذاتيًّا فيما يخص نحو 3.39 ملايين شخص تتراوح أعمارهم بين 10 أعوام و99 عامًا موزعة على 37,227 رمزًا بريديًّا في الولايات الثماني والأربعين المتجاورة، إضافةً إلى ألاسكا وواشنطن العاصمة. وكان نحو ثلاثة أرباع المشاركين في الدراسة من البيض.

أجرى الباحثون تقييمًا "للطبيعة الجبلية" التي تتسم بها تلك المناطق باستخدام كلٍّ من الارتفاع والتغيير في الارتفاع. وفحصوا العلامات "الخمس الكبرى" التي يشيع استخدامها من أجل تحديد سمات الشخصية: المقبولية (الثقة والإيثارية)، والوعي (المسؤولية والالتزام بالقواعد الاجتماعية)، والانبساطية (الارتباط بالجماعة)، والعُصابية (القلق أو عدم الاستقرار العاطفي)، والانفتاح على التجارب (حب الاستطلاع والإبداع). ثم عقدوا مقارنةً بشأن مدى ارتباط التضاريس بتلك السمات معًا.

وقد توصل الفريق إلى أن الجبال تزيد في الغالب من انفتاح المرء على التجارب الجديدة، مما يؤكد ميول الأشخاص إلى الأصالة والمغامرة. لكن الجبال تُضعف فيما يبدو السمات الأربع الأخرى.

يقول جوتس إنه على الرغم من أنه قد مضى وقت طويل على "انفتاح الغرب" على الأقل من حيث امتلاك الأوروبيين للأراضي التي استولوا عليها من الأمريكيين الأصليين في المنطقة، فإن جباله الوعرة "اكتسبت معنًى اجتماعيًّا ثقافيًّا فريدًا"، ظل قائمًا حتى بعد أن أصبحت لا تُمثِّل "الحدود". وهذا الغموض الدائم والموروث الثقافي الراسخ ربما لا يزالان يمارسان تأثيرهما في الناس حتى في القرن الحادي والعشرين.

ويحرص جوتس على التأكيد على أن تأثير الجبال على الشخصية ليس سوى عامل واحد من عواملَ عدة تُشكِّل السمات الإقليمية واسعة النطاق. فمثلما يُسهم العديد من المتغيرات الجينية في هويتنا، تتضافر العديد من التأثيرات، ومن ضمنها "الطبيعة الجبلية"، من أجل تشكيل الشخصية.

تُشير جيلفاند إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في المدن قد يتبنون أيضًا الانفتاح كسمة شخصية ولكن بمزيد من التركيز على الجانب الاجتماعي، وتقول: "هذه السمة ربما تكون تكيُّفية في المدن؛ لأنك تلتقي باستمرار بأشخاص جدد، وهناك العديد من الروابط والشبكات الاجتماعية الضعيفة". وتُردف قائلةً: "وفي حين أن المناطق الجبلية قد تتسم بدرجة عالية من الانفتاح، فإن هذا يمكن أن يُعزى إلى أسباب مختلفة".

ويقول جوتس إنه على الرغم من أن العلامات الخمس الكبرى لبناء الشخصية مفيدة، فإنها "لا تخلو من العيوب"، وقد لا "تحقق نتائج متشابهة تمامًا عبر ثقافات مختلفة". ويضيف أنه نظرًا لتركيز الدراسة على الهياكل الاجتماعية والثقافية حول المستوطنين الذين يتجهون غربًا عبر المناطق الأمريكية، فإن "قابلية التعميم على الثقافات تظل سؤالًا يبحث عن جواب". يعتزم جوتس البحث عن إجابة لهذا السؤال بالتعاون مع زملائه، وذلك من خلال دراسة الثقافات في المناطق الجبلية المأهولة بالسكان، ولكن من دون موروث الحدود الأمريكية الاستعمارية.

تتسم التأثيرات الناجمة عن الطبيعة الجبلية بالثبات وإن كانت محدودة، ولهذا السبب يجب تقييم العديد من العوامل الأخرى التي من الممكن أن تُسهم في تشكيل الشخصية. تُعتبر مجموعات البيانات الضخمة وأساليب التعلُّم الآلي التي استخدمها جوتش وزملاؤه أدواتٍ ممتازةً للبحث عن هذه العوامل الصغيرة والمهمة في الوقت ذاته. يقول جوتس إن فرز الكميات الهائلة من المعلومات "سيكون رحلة طويلة وشاقة"، على نحوٍ لا يختلف عن خوض مغامرةٍ باتجاه الغرب.