ما إن تبدأ الحفلة الموسيقية بعزف مقدمة أغنيتك المفضلة حتى تشعر بأن الموسيقى قد اجتاحت كيانك، فتنقر بقدمك على الأرض في سعادة مع ضربات الإيقاع، وتتمايل بجسدك مع الألحان. وستجد أن كل مَن حولك كذلك يستمتع بالموسيقى المألوفة نفسها، فترى كثيرًا منهم يغني، والأضواء تتراقص مع الإيقاع، بينما يصفق بعضهم على الألحان، ويلوِّح آخرون بأذرعهم فوق رؤوسهم، ويتراقص بعضٌ آخر في مكانه. ويبدو وكأن العازفين والجمهور أصبحوا كيانًا واحدًا، وأصبح التوافق والتزامن بينهم بالضبط مثل التوافق والتزامن بين ومضات الإضاءة ونغمات الإيقاع.

كشفت دراسة جديدة نُشرت في دورية «نيوروإيميدج» NeuroImage عن أن هذا التوافق الزمني يمكن رصده في أنشطة الدماغ لدى المستمع والعازف، وتشير الدراسة إلى أنه كلما ازدادت درجة التوافق الزمني ازداد استمتاع الجمهور بأداء العازفين. تقدم نتائج هذا البحث بعض الأفكار الثاقبة عن طبيعة التبادلات الموسيقية، وتُبيِّن أن التجربة الموسيقية تضرب بجذور عميقة لدى البشر؛ فنحن نرقص ونشعر بالمشاعر نفسها معًا، وخلايانا العصبية تطلق إشارات بصورة متزامنة أيضًا.

في هذه الدراسة، طُلب من أحد عازفي الكمان عزف مقاطع من عدة ألحان مختلفة، وتم تسجيلها على شرائط فيديو، ثم إعادة تشغيلها لاحقًا أمام المستمعين. تتبَّع الباحثون التغيرات في النشاط الدماغي الموضعي عن طريق قياس مستويات الدم المؤكسج (إذ يشير ارتفاع مستوى الأكسجين إلى ازدياد النشاط؛ لأن الجسم يعمل على استمرار إمداد الخلايا العصبية النشطة بالأكسجين). وقد اتضح أن المقطوعات الموسيقية تؤدي إلى زيادة تدفق الدم المؤكسج إلى مناطق في الدماغ لها ارتباط بفهم الأنماط والنوايا والتعبير المتبادل بين الأشخاص.

ثم قورنت البيانات الخاصة بالعازف، والتي جُمعت في أثناء العزف، مع بيانات المستمع في أثناء إعادة إذاعة العزف. شملت الدراسة اثنتي عشرة مقطوعة من الأعمال الموسيقية المألوفة، من بينها معزوفات «إيدلوايس» (Edelweiss)، و«آفي ماريا» (Ave Maria) لفرانز شوبرت، و«أولد لانج ساين» (Auld Lang Syne)، و(Ode to Joy) للودفيج فان بيتهوفن. وقورن النشاط الدماغي لستة عشر مستمعًا، بالنشاط الدماغي لعازف كمان واحد.

أدت جميع المقطوعات الموسيقية إلى حدوث تزامُن في النشاط الدماغي بين العازف والمستمع، لكن هذا التزامن كان واضحًا بصورة خاصة في القطع الموسيقية الأكثر شهرةً وشعبية. وكان التناغم بين الأدمغة محدودًا في أثناء الجزء الأول من كل مقطوعة، ثم تصاعد ليبلغ الذروة عند نهايتها. وقد فسر الباحثون ذلك بأن المستمع يحتاج إلى بعض الوقت لفهم النمط الموسيقي في البداية، ثم بعد ذلك يصبح قادرًا على الاستمتاع بالعزف الموسيقي؛ لأنه صار يتفق مع توقعاته.

ارتكز النشاط الدماغي المتزامن في النصف الأيسر من الدماغ، في منطقة تُعرف باسم "الوصلة الصدغية الجدارية"، وهي منطقة مهمة للتقمص العاطفي، أي لفهم أفكار ومشاعر الآخرين، ومهمة أيضًا للذاكرة العاملة اللفظية التي تُستخدم في التعبير عن الأفكار. وربما يكون لهذه المنطقة دور أيضًا في استرجاع الأصوات والأنماط التي تشكل التوقعات الموسيقية.

غير أن نصف الدماغ الأيمن هو الذي يرتبط في الغالب بفهم الألحان الموسيقية، على النقيض من نصف الدماغ الأيسر، المسؤول عن فهم الكلام. ارتكز التزامن في نصف الدماغ الأيمن في المناطق المرتبطة بإدراك البنى والأنماط الموسيقية (القشرة الجبهية السفلية)، والتفاهم بين الأشخاص (القشرة الجبهية السفلية والقشرة خلف المركزية). وتشمل هذه المناطق أيضًا الخلايا العصبية المِرآوية، وهي خلايا الدماغ التي يُعتقد أنها تتيح للأشخاص فهم أفكار الآخرين وأفعالهم، والإحساس بمشاعرهم وكأنها نابعة من داخلهم.

تتحكم الخلايا العصبية المِرآوية في الحركة، وهي المسؤولة كذلك عن الاستجابة لرؤيتها، وهو ما أدى إلى استنتاج أن نشاط هذه الخلايا في أثناء الملاحظة السلبية هو بمنزلة تدريب صامت استعدادًا لمشاركتها في حركة نشطة. فيما مضى، كان من المعتقد أن هذه الخلايا هي ركيزة بيولوجية للمحاكاة، والأهم أنها ركيزة للتقمص العاطفي، الذي هو مصدر فهمنا لأفعال الآخرين ونواياهم. وفي وقت من الأوقات كان العلماء يرون أن الخلايا المرآوية مسؤولة بشكلٍ ما عن كل شيء، من التوحد إلى تعاطي المخدرات. غير أن الأعصاب التي تتحكم في الحركة، تؤدي بشكل عام دورًا في عملية الاستيعاب والفهم أيضًا. وينطبق هذا الأمر على الموسيقى بصورة خاصة، والتي تؤكد فيها الحركات البدنية على الإيماءات اللحنية، أو تتبُّع إيقاع النغمات. ولا شك في أن نشاط القشرة السمعية يستدعي مشاركة مناطق أخرى من الدماغ تتحكم في الحركة، مما يدل على أن هناك علاقة فطرية بين الحركة وفهم الموسيقى. لا عجب إذًا في أنك ورفاقك من مرتادي الحفلات الموسيقية ترقصون وتتحركون على أنغام الموسيقى، إنها طريقتكم في استيعاب الموسيقى والمشاركة مع مستمعيها.

ونظرًا إلى أن الموسيقى عمل جماعي، فإنها في الغالب تُستخدم بوصفها إطارًا يمكن من خلاله دراسة وظائف الدماغ المنسَّقة. لقد جرى قياس استجابات الدماغ المتزامنة بين مستمعي الموسيقى باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) في بعض الدراسات، بينما فحص باحثون آخرون الأفعال المنسقة للعازفين عن طريق تعقُّب الأنشطة الكهربائية لأدمغتهم باستخدام جهاز تخطيط كهربائية الدماغ. أما الدراسة الجديدة التي نُشرت في دورية «نيوروإيميدج»، فبدلًا من دراسة العلاقة بين مجموعات العازفين أو مجموعات المستمعين، درست العلاقة بين الجمهور والعازف. ولم تقتصر الدراسة على رصد درجة التوافق في نشاط الدماغ بين هؤلاء الأفراد في أثناء العزف الموسيقي، لكنها درست أيضًا كيف كان هذا التوافق مرتبطًا بالاستمتاع بالموسيقى. لقد اتضح أن النشاط الدماغي لذلك الشخص الذي يتخيل أنه يعزف على جيتار في الحفل الخاص بك، أقرب مما تتصور إلى النشاط الدماغي لشخص يعزف على جيتار حقيقي.

إن الطرق المختلفة التي تُستخدم في استكشاف هذه العلاقات لها ميزاتها وأوجه قصورها. على سبيل المثال، استخدم البحث الجديد تقنيةً تُسمى التحليل الطيفي الوظيفي باستخدام الأشعة القريبة من تحت الحمراء (fNIRS)، وهي تقنية تقيس تدفق الدم الغني بالأكسجين، لكنها لا تستطيع اختراق الدماغ لفحص البنى الأكثر عمقًا مثلما يفعل استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. تتمثل الميزة الرئيسية للتحليل الطيفي الوظيفي باستخدام الأشعة القريبة من تحت الحمراء في أنها لا تحتاج إلى جهاز كبير الحجم وباهظ التكلفة، وبالتالي فإن الأشخاص الذين يتم إخضاعهم للفحص يكونون غير مقيدين نسبيًّا؛ إذ كان من المستحيل تقريبًا على عازف الكمان أن يعزف داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي.

جدير بالملاحظة أن درجة التوافق الزمني التي جرى رصدها بين العازف والجمهور كانت وثيقة الصلة بالاستمتاع بالموسيقى. ويمكن أن تكون هذه المتعة بمنزلة وسيلة قوية تعزز بها الموسيقى السلوكيات الاجتماعية الإيجابية. وقد عزا بعض الباحثين متعة الموسيقى إلى التوافق الزمني للأنشطة الكهربائية في نصف الدماغ الأيمن. والموسيقى تجذب انتباهًا أكبر عندما تكون ممتعة، وهو ما يمكن أن يُسهم في شعور المرء بأنه يحلق بعيدًا عندما يستمع إلى إحدى المقطوعات الموسيقية المفضلة لديه. وبينما يشير مؤلفو الدراسة التي نُشرت في دورية «نيوروإيميدج» إلى أن استمتاع الجمهور كان مرتبطًا بتوافق الموسيقى مع الأنماط التي يتوقعها الجمهور، أوضحت دراسات أخرى أن عنصر المفاجأة تصاحبه درجة أكبر من المتعة الموسيقية. وجدير بالملاحظة أيضًا أنه حتى الموسيقى الحزينة يمكن أن تولِّد متعةً كبيرة، فعلى سبيل المثال، يعتبر مرض "ميمي" -بطلة أوبرا "البوهيمي" (La Bohème )- ووفاتها حدثًا مشحونًا بحزن تراجيدي وحسرة عميقة وضياع كل فرص استعادتها، لكن الموسيقى في النهاية تبعث في الجمهور شعورًا بالمتعة السامية المشوبة بالألم.

تظل الموسيقى -سواء كنت تستمع إليها منفردًا على أسطوانة مسجلة أو تستمع إليها ضمن جمهور حاشد أمام فرقة موسيقية كاملة- تجربةً مشتركة تدمج بين الفكر والعاطفة وحركات الجسد. فنحن ننقر بأصابعنا في تناغم مع الإيقاع، ونتمايل في انسجام مع الألحان. كما تتحدى هذه التجربة قدراتنا الإدراكية للتعرف على الأنماط، وتغمرنا بالبهجة عندما تفاجئنا، بل نستمتع أيضًا بتعبيرها عن الحزن. إن الموسيقى تجمع بين كل هذه الأمور في داخلنا، كما تخلق شعورًا بالوحدة والانسجام بين الجمهور والعازفين.