لأكثر من عقد، ظل علماء الفيزياء الفلكية يتساءلون عن سبب تحلِّي الطبيعة بضبط غريب للنفس في طريقة إجهازها على النجوم. تتراوح أحجام النجوم، في أثناء حياتها، بين الصغيرة جدًّا والعملاقة. الصغير منها يحترق ويخبو، أما النجوم هائلة الحجم فيحدث لها أمر أكثر غرابة. عندما يموت نجم بذلك الحجم، فإن كتلته الضخمة تتسبب في انفجار لبه داخليًّا، ليتكوَّن مُستعِر أعظم ينهار إلى الداخل. تؤدي تلك العملية إلى حدوث انفجار مدمر ينضغط خلاله بعضٌ من بقايا النجم لتكون ظاهرة فيزيائية فلكية غير عادية -عادةً نجم نيوتروني، أو ثقب أسود في حالة الشموس ذات الأحجام الهائلة. لكن هناك فجوة واضحة تفصل بين هاتين الفئتين الوزنيتين لهذين النوعين من النجوم الميتة الضخمة. على الرغم من أن علماء الفلك قد رصدوا نجومًا نيوترونية تبلغ في ثقل أوزانها كتلتين شمسيتين، وثقوبًا سوداء تبلغ في خفة وزنها خَمس كتل شمسية، إلا أن فئة النجوم الميتة متوسطة الوزن كانت غائبة عنهم تمامًا -حتى الآن.

يوم الثلاثاء الماضي، أعلن فريق التعاون العلمي لمرصد قياس تداخُل موجات الجاذبية بالليزر (ليجو) أول رصد حاسم لبقايا نجمية تندرج في الفئة الكتلية التي تفصل بين النجوم النيوترونية والثقوب السوداء. فبعد أشهر من الحسابات، توصل الباحثون في مرصد ليجو ومرصد مكتشف الموجات الجاذبية (فيرجو) الذي يقع في إيطاليا إلى أن تلك الموجات التي ترددت خلال الأرض في أغسطس الماضي -في حدث مُنح اسم GW190814 وصُنِف في البداية على أنه ثقب أسود يبتلع نجمًا نيوترونيًّا- مصدرها الفعلي ثقبٌ أسود يبلغ حجمه 23 كتلة شمسية يبتلع جسمًا غامضًا كتلته 2.6 كتلة شمسية. سواءٌ كان الجسم الأصغر هو أثقل نجم نيوتروني معروف أو أخف ثقب أسود معروف، أو كان حقًّا جسمًا غريبًا ضخمًا، كأن يكون نجمًا مكونًا من جزيئات مختلفة عن تلك المكونة منها النجوم العادية، فإن وجوده يشير إلى أنه حتى النظريات التي تتناول المصائر الأكثر غرابةً للنجوم تحتاج إلى تحديث.

يصرح دانكن براون -عالِم الفلك المتخصص في موجات الجاذبية بجامعة سيراكيوز والذي لم يشارك في الدراسة- قائلًا: "أنا أصنف ذلك بأنه التصريح الأكثر إثارةً الصادر عن مرصد ليجو بعد تصريح اكتشاف أول ثقب أسود ثنائي يليه أول رصد لتصادم نجمين نيوترونيين. فنحن بصدد استكشاف قطعة جديدة في أحجية فهمنا الفيزيائي الفلكي للكون".

يشير الاكتشاف الجديد إلى أن الكون ربما يتمتع بقدر من الحرية أكبر مما يظنه العلماء فيما يتعلق بكيفية التخلُّص من النجوم. سواء كانت حرية التصرُّف تلك تعني أن لبنات البنية الذرية لديها القوة اللازمة لحمل نجوم نيوترونية أضخم حجمًا، أو أن المستعرات العظمى قادرة على تكوين ثقوب سوداء أصغر حجمًا، فإن اكتشاف مرصد ليجو يقلل الفجوة بين هذين السيناريوهين الأكثر قبولًا.

يصرح فيليب لاندري -أحد أعضاء مرصد ليجو بجامعة ولاية كاليفورنيا، بمدينة فوليرتون- قائلًا: "أعتقد أن فكرة الفجوة الكتلوية الفارغة في طريقها إلى الزوال التدريجي. وسيكون هذا الاكتشاف مسمارًا في نعشها".

من المنظور الفيزيائي البحت، فإن الخط الذي يفصل بين النجوم النيوترونية والثقوب السوداء لا يكاد يُرى. إن ألقيت بتفاحة داخل نجم نيوتروني وصل إلى أقصى كتلة يمكن لنيوتروناته أن تتحملها، فإنه سينهار بسرعة متحولًا إلى ثقب أسود. يزن أثقل نجم نيوتروني حوالي 2.14 مثلًا من كتلة شمسنا. ويعتقد الباحثون النظريون في علم الذرة أن الأجسام يمكن أن يزداد وزنها نوعًا ما، وتقدر النماذج الأكثر تفاؤلًا أن الانهيار التام للمادة يحدث عند 2.5 كتلة شمسية. بناءً على تلك النظريات، قدَّر فريق التعاون لمرصد ليجو أن احتمال كون الطرف الأخف وزنًا في الحدث GW190814 نجمًا نيوترونيًّا يقل عن 3 بالمئة. ويضيف: لا ندري أن وجود نجم نيوتروني بذلك الوزن من شأنه أن "يغير قواعد اللعبة تمامًا".

معظم علماء الفيزياء الفلكية مستعدٌّ للرهان على أن الاندماج الذي حدث الصيف الماضي تضمَّن ثقبًا أسودَ كبيرًا ابتلع آخرَ متناهي الصغر، مع أنهم لن يتمكنوا أبدًا من التربُّح من هذا الرهان. لكن بينما تجعل النظرية النووية ذلك السيناريو مقبولًا أكثر من السيناريو الذي يتضمن ثقبًا أسودَ ونجمًا نيوترونيًّا، فإنه لا يزال يتحدى أقوى النظريات التي تتعلَّق بكيفية تكوُّن تلك الأنظمة. يقول لاندري: "ببساطة، بعض تلك النظريات لن يصمد حتمًا".

على حد علم علماء الفيزياء الفلكية، فإن تكوين ثقب أسود صغير جدًّا ثم دمجه في ثقب أسود أكبر من شأنه أن يمثل عقبةً لا يمكن للكون تذليلها. إحدى الطرق المتصورة لتكوين ذلك الشريك متناهي الصغر هي دمج نجمين نيوترونيين كبيرين، وهو حدث رصده مرصد ليجو عام 2017، لكن ما هي احتمالات أن تكون بيئة موائمة خاصة مثل مركز مجري فوضوي مكتظ ببقايا النجوم الميتة هي التي والفت بين النجمين النيوترونيين، واستطاعت كذلك أن تجمع بين الثقب الأسود الناتج عنهما الذي يقع في الفجوة الكتلية ورفيقه الأكبر؟ تجيب فريال أوزيل -عالِمة الفيزياء الفلكية بجامعة أريزونا، وهي ليست مشاركة بمرصد ليجو- قائلةً: "لا يوجد ما يمنع حدوث ذلك السيناريو، لكنه يبدو أشبه بسيناريو مسلسل درامي".

يرى كثيرٌ أن الاحتمال الأسهل هو أن الثقب الأسود الصغير وُلد مباشرةً -مثل معظم الثقوب السوداء- من رحم نجم يحتضر. المراحل الأساسية للموت النجمي بسيطة: ينفجر النجم فينفصل عنه غلافه الهائل، تاركًا لُبَّه لينهار مكونًا ثقبًا أسود أو نجمًا نيوترونيًّا. لكن التنبؤ بالنتيجة المحددة لانفجار فوضوي تتداخل فيه عوامل الجاذبية والديناميكا الحرارية والفيزياء الجزيئية يُعد بمنزلة سؤال اختبار نهائي كوني، لا يزال علماء الفيزياء الفلكية يحاولون الإجابة عنه. عن ذلك يقول براون: "سيكون علينا الاستعانة بموسوعة شاملة للفيزياء؛ لأننا سنحتاج على الأرجح إلى كل معلومة فيزيائية وردت فيها لتكوين محاكاة لمستعر أعظم".

لذا عندما حلل فريق تقوده أوزيل مجموعات من النجوم النيوترونية والثقوب السوداء المعروفة عام 2010، وتوصلوا إلى أنه لا يرجح أن يقع وزن أيٍّ منهما في الفجوة بين كتلتين شمسيتين وخمس كتل شمسية، انتهز باحثو المستعرات العظمى تلك الفرصة كي يستنبطوا حدودًا ذات دلالة لهذه العملية الغامضة. وتكونت صورة تقريبية تفيد بأن الانفجارات العنيفة تطيح بمعظم مكونات النجم دون بقايا، تاركةً لُبَّه العاري ليتقلص مكونًا نجمًا نيوترونيًّا كتلته توازي كتلتين شمسيتين تقريبًا. أما في الانفجارات الأقل حدةً، فتعجز بعض البقايا عن الهرب من نطاق الانفجار فتنهار إلى داخل النجم النيوتروني. تلك المواد ربما تضيف على الأقل ثلاث كتل شمسية، لينتج عنها ثقبٌ أسود يزن -على الأقل- خمس كتل شمسية.

وحول هذا تقول فيكي كالوجيرا، عالِمة الفيزياء الفلكية بجامعة نورث ويسترن، وعضوة مرصد ليجو: إنه بذلك، أصبحت تلك الفجوة الفارغة أداةً للباحثين النظريين. تساءلت كالوجيرا وزملاؤها: "ما الذي يجب فعله لآلية انهيار اللب من أجل خلق تلك الفجوة؟".

يشير اكتشاف مرصد ليجو إلى أنه ربما لا تكون هناك حاجة إلى تكبُّد عناء الإجابة عن ذلك السؤال؛ فوجود ثقب أسود نجمي كتلته 2.6 كتلة شمسية يشير إلى أن مثل تلك القوانين الصارمة لا تنطبق. فربما كان للمستعرات العظمى حرية تحديد الخط الفاصل الأساسي بين النجوم النيوترونية والثقوب السوداء رغم كل شيء، ما يزيل شرطًا مستعصيًا في اختبار الفيزياء الفلكية النهائي. يقول براون: "أعتقد أن ذلك الأمر يشير إلى أنه لا توجد فجوة كتلية".

مع ذلك، قد يظل الخط الفاصل بين النجوم النيوترونية والثقوب السوداء موجودًا باعتباره نزوعًا كونيًّا لا قاعدة. عن ذلك تقول أوزيل: إنك إن نظرت إلى أحجام النجوم نظرةً سطحية، فستستنتج أن الثقوب السوداء من المفترض أن تكون حولنا في كل مكان. وأن غيابها النسبي لا يزال يشير إلى أن المستعرات العظمى ربما تتآمر ضدها إلى درجةٍ ما. وتضيف قائلةً: "ربما يكون السبب هو صعوبة تكوين تلك الأجسام، لكن في أحيان نادرة، يضعها انفجار مستعر أعظم في طريقك". هذا بالإضافة إلى أنه لا يزال على الباحثين اكتشاف سبب ظهور تلك الفجوة الكتلوية بين ثنائيات النجوم النيوترونية والثقوب السوداء في الأشعة السينية في حين لا تظهر في الثنائيات التي تُرصد بموجات الجاذبية.

لن تأتي تلك الإجابات الصعبة إلا باكتشاف المزيد من الأجسام التي تبدو مستحيلة الوجود. فمرصد ليجو يستطيع تمييز الثقوب السوداء شديدة الصغر عن النجوم النيوترونية هائلة الحجم إن كان لشريك كلٍّ منها كتلة مماثلة أو صدر عنه وميض عند اندماجه مع شريكه (لا يُتوقع أن يصدر ضوء عند انفجار ثقبين سوداوين ارتطما، كما يحدث عند اندماج نجمين نيوترونيين، على الأقل نظريًّا). حتى إن توالت الحوادث الغامضة، فمجرد ملاحظة في أي فئة تقع الكتل سيكشف الكثير عما تفعله الطبيعة ببقايا نجومها.

وعن ذلك تقول كالوجيرا: "بعد أن اكتشفنا نظامًا غريبًا، نحتاج إلى اكتشاف المزيد من تلك الأنظمة".