في وقتٍ متأخر من إحدى ليالي شهر يونيو عام 2004، رصدت عدسات مرصد كيت بيك الوطني في جبال أريزونا ما بدا كنقطةٍ صغيرةٍ تسبح في الفضاء، وأشار حينها الفلكي فابريزيو برناردي واثنان من زملائه إلى أنَّ تلك النقطة يُحتمل أن تكون كويكبًا جديدًا، وسرعان ما أكَّدوا منشأها الفضائي، هذا الكويكب، الذي أُطلِقَ عليه في البداية اسم 2004 MN4، كان مثيرًا للاهتمام، لكن لم يكن هناك ما يميزه، مجرد جرمٍ يبلغ عرضه بضع مئاتٍ من الأمتار (يقدر عرضه الآن بنحو 340 مترًا)، يسبح على بُعد حوالي 170 مليون كيلومتر من الأرض، وأوضح برناردي، الذي يعمل حاليًّا في الشركة الإيطالية "سبيس ديس" SpaceDyS المتخصصة في برمجيات الفضاء: "لم يتسم الكويكب بأي أهميةٍ خاصة في تلك المرحلة".

لكن بعد ستة أشهر، جاءت التقديرات الأولية لمدار الجرم صادمةً للعالم، فقد أشار تحليلٌ أجراه مختبر الدفع النفاث (JPL) التابع لوكالة ناسا في كاليفورنيا إلى أنَّ فرصة اصطدام الكويكب بالأرض في عام 2029 تبلغ 1 إلى 37، أي 2.7 في المئة، كانت هذه أعلى احتمالية موثقة في التاريخ على الإطلاق لأن يصطدم كويكبٌ كبير بالأرض، وكان الجرم كبيرًا بما يكفي لأن يدمر ارتطامُه بكوكبنا مناطق بأكملها، ويتذكر برناردي أنَّه "كان أخطر كويكبٍ نكتشفه حتى الآن، والناس كانوا يخافونه"، وأُطلِقَ على الكويكب فيما بعد اسم "أبوفيس"، نسبةً إلى إله الدمار في مصر القديمة.

بيد أنَّ الجهود التي بُذِلَت لزيادة دقة تقديرات مدار الكويكب استبعدت اصطدامه بالأرض خلال السنين المئة القادمة، فتنفَّس العالم الصعداء، ومع ذلك، فالكويكب سيقترب جدًّا من كوكبنا في عام 2029، حين سيمر على بُعد 32 ألف كيلومتر فقط منه، شاقًّا طريقه بسرعة عبر المنطقة الواقعة أسفل مدارات الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة للأرض، وعن ذلك قال دافيدي فارنوكيا، الباحث بمركز دراسات الأجرام القريبة من الأرض التابع لمختبر الدفع النفاث: "سيكون حدثًا استثنائيًّا"؛ إذ لا تقترب أجرامٌ بهذا الحجم من الأرض إلا مرةً واحدةً فقط "كل بضعة آلاف من السنين"، وسوف يسطع "أبوفيس" كالأقمار الاصطناعية عندما يمر عبر سمائنا في الثالث عشر من أبريل عام 2029، بحيث يمكن لمليارات الناس أن يروه بالعين المجردة في مناطق أوروبا وإفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية، كما سيراقبه عن كثب الفلكيون حول العالم قبل مروره بالأرض وبعده، وعندما سُئِلَت مارينا بروزوفيتش من مختبر الدفع النفاث عن عدد الفلكيين الذين سيشاهدون هذا الحدث المذهل، أجابت ببساطة: "الجميع".

لن يكون اقتراب "أبوفيس" من الأرض مجرد مشهد سماوي جميل؛ فترقُّبًا لقدومه، اقترح العلماء بعثاتٍ للقائه عند اقترابه من كوكبنا أو عند مروره به في عام 2029، والآن، تأكَّد انطلاق زائرٍ أرضي واحد على الأقل إلى ذلك الكويكب: مركبة الفضاء "أوزيريس-ريكس" OSIRIS-REx التابعة لوكالة ناسا، والتي كانت قد أُطلقت في عام 2016 في بعثةٍ لجمع عيناتٍ من كويكب آخر، وهو كويكب "بينو" Bennu، لتعود بها إلى الأرض، "أوزيريس-ريكس" في طريق عودتها حاليًّا بعد بعثتها الناجحة إلى "بينو"، ومن المقرر أن تجلب لنا عيناتها القيِّمة في سبتمبر عام 2023، لكنَّ رحلتها لن تنتهي بعد ذلك، إذ ستواصل التحليق عبر الفضاء، ما دفع وكالة ناسا إلى تمديد مدة البعثة بتمويلٍ بلغ 200 مليون دولار، وبهذا أصبح من المخطط للمركبة الآن أن تلتقي كويكب "أبوفيس"، ليصبح اسمها خلال تلك البعثة "أوزيريس-أبيكس" OSIRIS-APEX، وهو اختصارٌ لاسم OSIRIS-Apophis Explorer، الذي يعني أنَّها ستستكشف كويكب "أبوفيس"، وتقول دانييلا ديلاجويستينا، الباحثة بجامعة أريزونا، والتي ستقود الجهود الاستكشافية للمركبة: "ذلك مثيرٌ حقًّا، ستكون هذه خطوةً عظيمةً إلى الأمام" في فهمنا لكويكب "أبوفيس".

ستقترب "أوزيريس-أبيكس" من "أبوفيس" تدريجيًّا خلال الشهرين التاليين لمروره بالقرب من الأرض، لإجراء استطلاعٍ أولي له قبل بدء الدوران حوله في أغسطس عام 2029، ومن خلال مسح سطحه، سيبحث علماء البعثة عن أي تغيُّراتٍ مثيرة للاهتمام حدثت من جرَّاء دخوله المفاجئ في نطاق جاذبية كوكبنا، وعن ذلك يقول مايك نولان، الباحث بجامعة أريزونا، وقائد الفريق العلمي في بعثة "أوزيريس-ريكس": "يمكن أن تتسبب قوى المد والجزر الناجمة عن الجاذبية في حدوث انهياراتٍ أرضية صغيرة وانكشاف بعض المواد الجديدة، وربما يُعاد تشكيل سطح الكويكب".

ومسح السطح ليس المهمة الوحيدة التي ستُؤديها المركبة الفضائية خلال الفترة التي ستقضيها بالقرب من الكويكب، والتي ستمتد عامًا ونصف؛ فهناك هدفٌ مهمٌّ آخر ستسعى المركبة لتحقيقه، ألا وهو تعيين الحركة المدارية للكويكب بدقةٍ تقاس بالأمتار، سيتيح هذا للباحثين حساب مسار "أبوفيس" في المستقبل بدقةٍ كبيرةٍ للغاية، وبالتالي معرفة احتمالية تهديده للأرض، ويقول فارنوكيا عن ذلك: "في الوقت الحالي يمكننا توقُّع مساره حتى عام 2116"، ومن شأن قياسات "أوزيريس-أبيكس" أن تمد النطاق الزمني لتلك التوقعات إلى حدٍّ بعيد، لكنَّ هذا الحد لم يتضح بعد، وعدم اليقين في توقعات مساره يرجع جزئيًّا إلى "تأثير ياركوفسكي"، وهي ظاهرة قد يتغير فيها مسار الأجرام عبر الفضاء بفعل التسخين غير المتكافئ الذي تتعرض له أسطحها نتيجة أشعة الشمس، وسوف تقيس المركبة الفضائية تأثير تلك الظاهرة على "أبوفيس"، فضلًا عن أي تغيراتٍ في سرعته المدارية ودورانه نتيجة اقترابه من الأرض في عام 2029، وفي جميع الأحوال، يقول نولان إنَّ قياسات المركبة الفضائية ستتيح للعلماء "معرفة مدى صحة أفكارنا" عن كيفية استجابة الكويكبات للقوى الخارجية، وهي معلومات بالغة الأهمية لتخطيط الإجراءات التي قد نتخذها لاعتراض مسار "أبوفيس"، وغيره من الصخور الفضائية التي ربما تهدد كوكبنا.

قد لا تكون "أوزيريس-أبيكس" البعثة الوحيدة التي ستزور "أبوفيس"، كما أنَّها ليست البعثة الوحيدة التي تضع في اعتبارها الدفاع عن الكوكب؛ فقد اقترح فريقٌ بحثي كوري جنوبي رحلةً أخرى إلى الكويكب، تنطلق فيها مركبةٌ فضائية في عام 2027، وتصل في يناير عام 2029، قبل مرور "أبوفيس" بالقرب من الأرض؛ لترصد التغيرات البنيوية فيه بدقةٍ أكبر، واقتُرحت أيضًا بعثاتٌ تعتمد على مركباتٍ فضائية أصغر، مثل بعثة "أبوفيس باثفايندر" Apophis Pathfinder، وقد يفكر كذلك بعض رواد الفضاء التابعين للقطاع الخاص في التحليق إلى الكويكب ليشاهدوه بأعينهم، على متن مركبةٍ تخص شركة "سبيس إكس" SpaceX مثلًا أو غيرها، وفق قول بروزوفيتش، وأضافت الباحثة: "لن أتفاجأ لو انطلقت رحلةٌ عليها طاقم من رواد الفضاء، وحلَّقت بالقرب من الكويكب، وقد ترى البعض يذهبون في رحلة سفاري فضائية إليه"، وجديرٌ بالذكر أنَّ وكالة ناسا تدرس حاليًّا كيفية تغيير مسار الكويكبات، من خلال بعثتها المعروفة باسم الاختبار المزدوج لإعادة توجيه الكويكبات، أو اختصارًا "دارت" DART، والتي ستجرى في وقتٍ لاحق من هذا العام، بينما تأمل الصين تحقيق إنجازٍ مماثل عام 2025 تقريبًا، من خلال بعثة تحريف الكويكبات التي أعلنت عنها مؤخرًا، وعن ذلك يقول أندرو جونز، الصحفي الذي يغطي موضوعات الفضاء، ويتابع عن كثب برنامج الفضاء الصيني: "تتطلع الصين إلى تطوير قدراتها في هذا المجال".

وعند نهاية البعثة الأساسية الممتدة لمركبة "أوزيريس-أبيكس"، والتي يُخطط لعملها في أكتوبر عام 2030، ستقترب المركبة من "أبوفيس"، وتُشغِّل صواريخ الدفع الخاصة بها وهي تواجه السطح على بُعد أمتارٍ قليلة منه، الفكرة من ذلك هي كشط سطح الكويكب؛ لإزالة المواد الموجودة على السطح ودفعها بعيدًا عنه، وإلقاء نظرةٍ على ما دون السطح، وبالتالي كشف المزيد عن تكوينه وبنيته، وتحتوي المركبة الفضائية أيضًا على ذراعٍ قابلة للمد، استُخدمت لجمع العينات من كويكب "بينو"، لكنَّ مخططي البعثة يقولون إنَّهم لا يعتزمون تشغيل تلك الذراع في بعثة "أبوفيس" في الوقت الحالي، وتقول ديلاجويستينا إنَّه إذا رحبت ناسا بمد البعثة مرةً أخرى، بحيث تتجاوز المدة المبدئية لمهمة المركبة على "أبوفيس"، والتي تبلغ 18 شهرًا، فقد يكون من المُجدي إنهاء مهمة المركبة باستخدام ذراعها، أو حتى بإنزالها على سطح الكويكب لتصبح بمنزلة جهاز تتبُّع، وأضافت أنَّه إذا ظلت المركبة الفضائية في حالةٍ جيدة، فمن الممكن لها أن تنتقل إلى كويكبٍ آخر.

في الوقت الحالي، لا يمثل "أبوفيس" أي تهديدٍ مباشرٍ للأرض، لكنَّه في عام 2029، وللحظةٍ وجيزة، سيكون بمنزلة تحذيرٍ لنا وهو ينطلق عبر سمائنا، وفي أثره مراقبٌ فضولي واحد على الأقل، وتعلُّم أكبر قدرٍ من المعلومات عن هذا الجرم -عاجلًا وليس آجلًا حين سيصبح الموقف أكثر إلحاحًا بكثير- قد يكون أفضل آمالنا لتجنُّب أي كوارث في المستقبل البعيد، ولهذا يقول نولان: "أبوفيس هو بالضبط نوع الكويكبات التي تثير قلقنا"، وبمساعدة "أوزيريس-أبيكس"، ربما نصير مستعدين لما سيأتي بعده.