يبدو أن معدلات الإصابة بكوفيد آخذةٌ في التراجع بالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول التي أتاحت الوصول إلى اللقاحات على نطاق واسع، بيد أن بعض الدول النامية التي تعاني ارتفاعًا في معدلات العدوى تحولت إلى بؤر لسلالات جديدة من الفيروس ربما كانت أكثر قدرةً على الانتشار أو مقاومة اللقاحات، وهذه السلالات يمكنها عبور الحدود الدولية سريعًا؛ فعلى سبيل المثال، تمكنت السلالة B.1.167.2 -(المعروفة حاليًّا بالسلالة "دلتا")، والتي جرى اكتشافها لأول مرة في الهند- من الانتشار إلى أكثر من 70 دولة ومنطقة، منها الولايات المتحدة الأمريكية.

تفتقر معظم الدول النامية إلى القدرة على رصد الفيروس، وهي جهود تهدف إلى مراقبة انتشار السلالات الجديدة وتطوّرها، تتطلب هذه العملية تقنية تحديد التسلسل الجينومي المُكلّفَة إلى جانب الكوادر المدربة، وهو ما لا تنعم به الكثير من الدول؛ فعلى سبيل المثال، لم تُجرِ نيبال تحديد التسلسل الجينومي سوى لنسبة 0.01% فقط من حالات الإصابة المسجلة فيها، والبالغ عددها أكثر من 600 ألف حالة حتى الآن، تقول ألينا تشان، زميلة دراسات ما بعد الدكتوراة، المختصة بالعلاج الجيني والهندسة الخلوية في معهد برود، التابع لمعهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة هارفارد: إنه من شأن السلالات الجديدة أن تقوّض التقدم المُحرَزَ بعد عناء في كبح جماح الجائحة، وتضيف تشان قائلة: "السلالات التي تتطوّر لتكتسب القدرة على إعادة إصابة مَن سبقت لهم الإصابة من قبل يُحتمل أيضًا أن تحدّ من فاعلية اللقاحات".

في الوقت الحالي يعكف العلماء والمنظمات حول العالم على بناء القدرات لدى الدول النامية؛ لتتمكن من البحث عن السلالات الجديدة، فهم يحشدون الجهود من أجل توجيه الموارد المتمثلة في الدعم المالي، والبرامج التدريبية، والمعدات إلى الأماكن الأشد احتياجًا إليها، مع تطلعات إلى إنشاء بنية تحتية مستدامة لرصد الفيروسات، يقول خايرو مندس- ريكو، عالِم الأحياء الدقيقة ومستشار شؤون الأمراض الفيروسية في منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO)، الكائن مقرها في واشنطن العاصمة: "تمثل جائحة كوفيد العامل المحفّز، لكننا نحتاج أيضًا إلى البحث عما سينشأ في المستقبل من مُمرِضات أخرى لا محالة".

واليوم، اتحد 27 مختبرًا في الهند لإنشاء اتحاد جينوم «سارس-كوف-2» الهندي، تخطط المجموعة لتحديد التسلسل الجينومي لنسبة 5% من جميع الحالات الإيجابية في البلاد (النسبة الحالية 0.09% فقط)، يقول شاهِد چميل، عالِم الفيروسات ومدير كلية تريفيدي لعلوم الأحياء بجامعة أشوكا الهندية: إن حشد القدرات القائمة بالفعل لرصد الفيروس تحت مظلة واحدة يمكن أن يجعل هذا الهدف قابلًا للتحقيق من حيث المبدأ، ولكنه يرى أنه لا يوجد ما يكفي من الكوادر الميدانية المدربة، وأن المختبرات تعاني نقصًا حادًّا في الكواشف الكيميائية اللازمة لإجراء التحليلات الجينومية.

والآن، يتدخل الخبراء الدوليون لمد يد العون، ففي الآونة الأخيرة، تشكلت مجموعة تطوعية غير ربحية تُدعى "إنديا كوفيد إس أو إس" (INDIA COVID SOS) للإسهام في التصدي للجائحة في البلاد، تهدف المجموعة إلى الارتقاء بعمليات الرصد الجينومي في مختلِف أنحاء الهند ودول الجوار في الجنوب الآسيوي، تشارك أديتي هازرا -المختصة بالوبائيات في كلية هارفارد الطبية- في قيادة فريق تحديد التسلسل الجينومي بالمجموعة، والذي يلتقي بصفة دورية من خلال المؤتمرات بتقنية الفيديو بمديري اتحاد جينوم "سارس-كوف-2" الهندي، تقول هازرا إن أحد الأهداف الأساسية يتمثل في توسيع نطاق رصد الفيروس ليشمل مزيدًا من الناس في المناطق الريفية التي يعيش فيها معظم السكان.

ويأتي رصد الفيروس في المناطق الريفية ضمن الأولويات في قارة إفريقيا أيضًا، يقول أكانينيني أوتو، الطبيب والمحاضر الأول بجامعة كالابار في نيجيريا: إن ملايين الأشخاص بالقارة يعيشون في مناطق نائية "تمثل هي الأخرى بؤرًا لفاشيات المرض"، ويسعى عدد من الشراكات الجديدة إلى تعزيز جهود تحديد التسلسل الجينومي في الدول الإفريقية، يسلط أوتو الضوء على "المبادرة الإفريقية لجينومات المُمْرِضات" (Africa Pathogen Genomics Initiative)، المعروفة اختصارًا بـ((Africa PGI، التي انطلقت العام الماضي بدعم من منظمات دولية مانحة وشركات خاصة، تتمركز أغلب قدرات تحديد التسلسل الجينومي بإفريقيا في دول جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا والمغرب ومصر، تتأهب المبادرة، التي تقودها المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، لإنشاء شبكة عمل من مراكز تحديد التسلسل الجينومي على مستوى جميع الدول الإفريقية؛ لخدمة هذه الدول البالغ عددها 54 دولة.

أما في دول أمريكا اللاتينية، التي تسجّل حاليًّا بعضًا من أعلى معدلات الإصابة بكوفيد في العالم، فتتولى منظمة الصحة للبلدان الأمريكية قيادة "الشبكة الإقليمية لرصد جينوم كوفيد-19" (COVID-19 Genomic Surveillance Regional Network)، يتمتع بعض الدول في المنطقة بالفعل بقدرات قوية إلى حدٍّ ما على إجراء تحديد التسلسل الجينومي، غير أن الشبكة تقود جهودًا لبناء قدرات رصد الفيروسات في المناطق الخالية تمامًا من تلك القدرات، وهو الوضع الذي ينطبق على جزء كبير من أمريكا الوسطى، في أثناء ذلك، يُجري مختبران مرجعيان كبيران، يقع أحدهما في البرازيل والآخر في تشيلي، تحديد التسلسل الجينومي لعينات قادمة من دول أخرى "على نفقة منظمة الصحة للبلدان الأمريكية"، وفق مندس-ريكو.

وعلاوةً على إقامة شراكات وإنشاء شبكات عمل، يستكشف العلماء كذلك تقنياتٍ للتسلسل الجيني منخفضة التكلفة ويمكن نشرها بسهولة في العمليات الميدانية، اعتمدت حتى الآن جميع عمليات تحديد التسلسل الجينومي تقريبًا لعينات من حالات "سارس-كوف-2" على معدَّات كبيرة ومكلفة تستوعبها مختبرات ذات مناخ محكوم، عوضًا عن ذلك، تشجع مجموعة "إنديا كوفيد إس أو إس" على توسيع نطاق استخدام جهاز محمول باليد لإجراء التسلسل الجينومي طوّرته شركة "أوكسفورد نانوبور تكنولوجيز" Oxford Nanopore Technologies في إنجلترا، الجهاز يُدعى "مين أيون" MinION، ويمكن تشغيله بواسطة بطاريات، ويستطيع معالجة حتى 96 عينة في الوقت نفسه، ويستعين ببرمجيات حاسوبية لتوليد تسلسلات جينومية كاملة قابلة للتخزين على جهاز كمبيوتر محمول، تقول هازرا: "نبحث عن تقنيات منخفضة التكلفة، وتتصف بالكفاءة، وقابلة للتطوير، ويسهل حملها، وهذا الجهاز نموذجي".

يقر كيث روبيسون -عالِم الأحياء الحاسوبية في شركة "جينكو بايو وركس" Ginko Bioworks المختصة بمجال البيولوجيا الحيوية والكائنة في بوسطن- بأن جهاز "مين أيون" يمثل خيارًا عمليًّا للدول النامية، ولا سيما المناطق الريفية، كانت هذه التقنية المحمولة مستخدمةً على نطاق واسع في أثناء فاشيات إيبولا الأخيرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وغيرها من دول غرب إفريقيا، يقول روبيسون: "يمكنك توليد تسلسلات جينومية بالاستعانة به من أي مكان"، بيد أن روبيسون يرى أن جهاز "مين أيون" له سلبياته أيضًا؛ فجودة البيانات ليست بقدر الجودة التي توفّرها الأجهزة الموجودة في المختبرات، إلا أنه يستدرك قائلًا: "غير أنه يمكن إجراء تصحيحات حاسوبية على البيانات إذا كان لديك العديد من النسخ للتسلسل الجيني نفسه".

يرى تو سبارهولت يورجنسن -باحث دراسات ما بعد الدكتوراة في علم الأحياء الدقيقة بالجامعة التقنية في الدنمارك- أن تحديد التسلسل الجينومي بالكامل ليس مطلوبًا دائمًا، ويستطرد قائلًا: إن جميع طفرات فيروس "سارس-كوف-2" المهمة المكتشَفة حتى الآن تقع على الجزء نفسه من الجينوم الذي يقوم بترميز البروتين الشوكي الشهير الخاص بالميكروب، يقول يورجنسن إن العلماء يمكنهم ببساطة استهداف هذا الجزء من جينوم الفيروس بطريقة بديلة تُدعى تسلسل "سانجر" Sanger الجينومي، هذه الطريقة، التي كانت تُستَخدَم في إطار الجهود التي قادت إلى تحديد تسلسل الجينوم البشري بالكامل في عام 2003، ما زالت تُستَخدَم في المختبرات حتى الآن في جميع أنحاء العالم، وعلى خلاف الأساليب الأخرى المتبعة في تحديد تسلسل الجينوم الكامل، التي تحدد تسلسل ملايين الأجزاء من المادة الجينية في آنٍ واحد، تحدد تقنية "سانجر" تسلسل جزءٍ واحد تلو الآخر، يقول يورجنسن: "لا يمكن أن تحل تقنية سانجر محل تحديد التسلسل الجينومي الكامل، ولكن يمكنك استخدامها من أجل إجراء تحليلات لأجزاء مستهدفة بتكلفة زهيدة"، ويضيف قائلًا: "ظل العلماء يستخدمونها في مختبرات صغيرة على مدار عقود، أنا كنت سأستخدمها في رصد السلالات المعروفة، وتقييم صلاحية العينات للخضوع للتحديد الجينومي الكامل، وتتبُّع مخالطي المصابين بالعدوى في المستشفيات".

يتعاون يورجنسن وزملاؤه حاليًّا مع المسؤولين بالقطاع الصحي في رواندا على إعداد خطط لتوسيع نطاق رصد كوفيد في البلاد مستعينين بتقنية "سانجر"، ويقول عن ذلك: "في حال ظهرت سلالة جديدة من الفيروس في رواندا وبدأت في الانتشار [إلى مكان آخر] في إفريقيا، سنودّ حينها اكتشاف ذلك".