بعد أن تعرض أطفالها للإصابة بمرض "كوفيد"، اصطحبتهم ميجان، وهي سيدة من ولاية إلينوي، لإجراء اختبار الكشف عن العدوى، ولعل الاختبار السريع المتوافر بالصيدلية المحلية كان كافيًا، ولكن مسحة الأنف لم ترُق مطلقًا لابنها برينان؛ فقد سببت له إحساسًا بالوخز، وكانت مؤلمةً في بعض الأحيان، فلم تكن تجربةً طيبةً له بأي حال من الأحوال، ولذلك اصطحبت ميجان طفلها إلى أحد مرافق الاختبارات، وهناك طُلب من برينان البصق في أنبوب تم إرساله بعد ذلك إلى أحد المختبرات لإجراء الفحص، وجاءت النتائج بعد أقل من 24 ساعة.

من الملحوظ أنه حدث تقدم سريع في اختبارات الكشف عن مرض "كوفيد" منذ بداية تفشِّي الجائحة عندما كان الناس يضطرون إلى الخضوع لمسحة أنفية عميقة "تسبب إحساسًا بالوخز في الدماغ" في عيادة الطبيب وينتظرون أيامًا للحصول على النتائج، أما الآن، فقد طوّرت جامعة إلينوي في مدينة إربانا-شامبين وجامعة ييل وجامعة روكفلر وغيرها، بشكل مستقل، مصفوفةً من الاختبارات المستندة إلى فحص اللعاب*، وتتسم هذه الاختبارات بأنها أقل توغلًا، ويمكن فحصها بشكلٍ أسرع، وفي بعض الحالات تكون أكثر حساسيةً من الاختبارات التي تعتمد على أخذ مسحة أنفية.

وحيث إن مسحات الأنف عصيةٌ نوعًا ما على الاستخدام اليومي، تقول ريبيكا لي سميث، وهي عالِمة وبائيات الأمراض المعدية بجامعة إلينوي في مدينة إربانا-شامبين والمستشارة العلمية للبرنامج الذي طور اختبار "كوفيدشيلد" CovidSHIELD، وهو اختبار اللعاب الذي أجراه برينان: "من المتيسر إلى حدٍّ ما تقديم عينة من اللعاب مرارًا".

ويُذكر أن "كوفيدشيلد" عبارة عن اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، وهو اختبار جزيئي شديد الحساسية يقوم على تضخيم المادة الوراثية المأخوذة من "سارس كوف-2"، الفيروس المسبب لمرض "كوفيد"، لتصل إلى مستوى قابل للرصد، وعادةً –ولكن ليس دائمًا– يتم إجراء تحليل تفاعُل البوليميراز المتسلسل في المختبر.

وبمجرد وصول عينة اللعاب المأخوذة لإجراء اختبار "كوفيدشيلد" إلى المختبر، يقوم العلماء بإسقاطها في حوض ماء ساخن لقتل أي فيروسات موجودة وتحييد مكونات اللعاب التي قد تتفاعل مع الاختبار، وبذلك تصبح العينة جاهزةً للخضوع لعملية التضخيم، ويُضاف إلى العينة "البادئات"، وهي شظايا قصيرة من المادة الوراثية، وكما تشرح سميث، فإن البادئات هي عبارة عن "صورة مصغرة مما يبدو عليه الفيروس في الحمض النووي الريبي [المادة الجينية]"، ويتم تحويل الحمض النووي الريبي المأخوذ من الفيروس إلى حمض نووي ريبي منقوص الأكسجين تكميلي (cDNA)، وتحاول البادئة ربط نفسها بالحمض النووي التكميلي المأخوذ من الفيروس وتنتج نسخةً منه، ومع تكرار العملية، أو "تدويرها"، يتم تضخيم أي حمض نووي تكميلي من خلال هذه النسخ؛ حتى يتسنى تحديده بسهولة واعتباره عينةً إيجابية.

بإمكان إجراء اختبار "كوفيدشيلد" أن يتخطى الخطوة التقليدية لاستخراج الحمض النووي الريبي، وبدلًا من ذلك، يستخدم الاختبار المعالجات الحرارية والكيميائية لإطلاق الحمض النووي الريبي الفيروسي، وهو ما يجعل مطوّري الاختبار يتعهدون بتسليم النتائج خلال أقل من 24 ساعة، وتقول بيث هيلر، المتحدثة باسم "شيلد إلينوي" SHIELD Illinois، وهي وحدة غير هادفة إلى الربح تابعة لنظام جامعة إلينوي الذي يُدير إجراء الاختبار في الولاية: إن متوسط الفترة الزمنية للحصول على النتائج أقل كثيرًا، وتضيف: "نقدّر متوسط الوقت المستغرق حاليًّا بنحو 13 ساعة" من أخذ العينة حتى تسليم النتائج.

ويُعَدّ الفاصل الزمني بين إجراء اختبار الكشف عن مرض "كوفيد" والحصول على النتائج عاملًا حاسمًا في تقييم أي تشخيص؛ فإلى جانب حساسية الاختبارات بشكلٍ عام، هذا الفاصل الزمني جزءٌ من نقاش أوسع نطاقًا حول استخدام اختبار تفاعُل البوليميراز المتسلسل مقابل اختبارات الكشف السريع عن المستضدات، وتعتمد اختبارات الكشف عن المستضدات بشكلٍ أساسي على المسحات الأنفية، رغم أن الباحثين يعملون على التوصل إلى نسخة دقيقة تقوم على فحص اللعاب، وتتمثل آلية هذه الاختبارات في الكشف عن وجود مستضدات فيروسية -وهي قطع من الفيروس تثير استجابةً مناعية- باستخدام شريط اختبار مخصص لهذا الغرض.

ويرى مؤيدو اختبارات الكشف عن المستضدات أن سرعة هذه الاختبارات وانخفاض تكلفتها يجعلانها أكثر ملاءمةً كأداة من أدوات الصحة العامة، إن "إجراء اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل، ولا سيما ذلك الذي يجب إرساله إلى المختبر، ينبغي أن يقتصر استخدامه على المجال الطبي"، كما يحدث عندما يعمل طبيب على تشخيص حالة مريض، وذلك على حد قول عالِم الوبائيات، مايكل مينا، الذي قدم المشورة للرئيس جو بايدن وإدارته بشأن الاختبارات، كما أنه كبير مسؤولي العلوم في شركة «إيميد» eMed، وهي شركة تبيع اختبارات الكشف عن المستضدات التي يتم التحقق منها من خلال منصة للرعاية الصحية عن بُعد.

وتُعتبر الحساسية المفرطة لاختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل إحدى المشكلات الرئيسية في سياق الصحة العامة، ويشرح مينا قائلًا: "لا أريد أن تكون نتيجة اختبار [شخصٍ ما] إيجابيةً إذا لم يعد ناقلًا للعدوى، لأنه إذا كانت النتيجة إيجابية فسأطلب منه عزل نفسه لمدة 10 أيام، أما إذا لم يعد ناقلًا للعدوى، فسيكون طلبي منه عزل نفسه لمدة 10 أيام قصورًا في إجراءات الصحة العامة".

ولكن سميث، التي كانت عضوًا في فريق استرشدت بأبحاثه سياسة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) بشأن كيفية استخدام اختبارات الكشف عن المستضدات، تقول إن حالات استخدام اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل المستندة إلى فحص اللعاب مختلفة جدًّا عن حالات استخدام اختبارات الكشف عن المستضدات، وتضيف سميث أن "اختبارات تفاعُل البوليميراز المتسلسل المستندة إلى فحص اللعاب حساسة للغاية، ويمكنها رصد العدوى بالفعل قبل أن تكون ناقلًا للعدوى"، وحساسية اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل المستندة إلى فحص اللعاب تعادل حساسية اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل المستندة إلى مسحات الأنف، بل تفُوقُها، وقد ينطبق هذا بشكلٍ خاص على متحور أوميكرون؛ لأنه أكثر تكاثرًا في الفم والحلق مقارنةً بالمتحورات السابقة.

لذا، إذا أتيحت لك فرصة الاختيار، فما الاختبار الذي ستُجريه؟ ستعتمد الإجابة على درجة الحساسية المطلوبة للكشف عن العدوى، على سبيل المثال، قد يبدأ ظهور الأعراض في وقت أقرب كثيرًا لدى الأفراد الملقحين المصابين بمتحور أوميكرون مقارنةً بالمتحورات السابقة، وذلك بسبب الاستجابة المناعية المتراكمة في الجسم قبل أن يُتاح الوقت للفيروس للتكاثر بمعدل كبير، ويمكن أن تُظهر اختبارات الكشف عن المستضدات نتيجةً سلبيةً باستمرار حتى بداية ظهور الأعراض، وعلى ذلك، فإن وجود اختبار أكثر حساسية، مثل اختبار تفاعُل البوليميراز المتسلسل المعتمد على فحص اللعاب، قد يكشف عن العدوى في وقت أكثر بكورًا.

وتقول سميث إن الاختبارات المستندة إلى فحص اللعاب تقدم إجاباتٍ شافيةً عن تساؤلات من قبيل: "أعتقد أنني قد تعرضت للعدوى في عطلة نهاية هذا الأسبوع، فهل أنا مصاب؟ هل سأكون ناقلًا للعدوى غدًا؟"، وفي المقابل، فإن اختبارات الكشف عن المستضدات مفيدةٌ في تحديد ما إذا كان الشخص ناقلًا للعدوى أم لا، وتضيف قائلة: "إن اختبارات الكشف عن المستضدات العاجلة مفيدة جدًّا في حالة الفحص السريع إذا تساءل أحدهم: لديَّ هذه الأعراض، فهل أنا ناقل للعدوى الآن؟".

وبالرغم من أن أحدهم لم يعد ناقلًا للعدوى، قد تستمر اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل المستندة إلى فحص اللعاب في إظهار نتيجة إيجابية بسبب حساسيتها البالغة، وتقول سميث إنه في هذه المرحلة، سيكون اختبار الكشف عن المستضد أكثر ملاءمةً لتحديد متى يصبح الشخص غير ناقل للعدوى، وتضيف قائلةً: "أنا لا أوصي بإجراء [اختبار] تفاعُل البوليميراز المتسلسل لمغادرة العزل، ولكن اختبارات الكشف عن المستضدات قد تكون مفيدةً للغاية في هذا الصدد".

في وقت سابق من تفشِّي الجائحة، كانت اختبارات الكشف عن مرض "كوفيد" المستندة إلى فحص اللعاب تتطلب زيارة مختص الرعاية الصحية، ولكن اختبارات "كوفيدشيلد" وغيرها من الاختبارات التي تم تطويرها مؤخرًا وتقوم على فحص اللعاب جعلت هذه الفحوص أيسر استخدامًا، كما اتسع نطاق إتاحتها للاستخدام حتى وصل إلى المنزل؛ فقد منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بالفعل تصريح الاستخدام الطارئ للعديد من اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل الذاتية المستندة إلى فحص اللعاب، بما في ذلك اختبار يستخدم تقنية "كوفيدشيلد"، والمقصود بالوصف "ذاتية" أنه يتم أخذ عينة اللعاب دون وجود مراقب مدرَّب، وهذا من شأنه استبعاد ضرورة الانتقال إلى مرفق إجراء الاختبارات، ويتيح إمكانية أخذ العينات في المنزل، رغم أنه لا بد من إرسالها إلى المختبر لتحليلها، ومؤخرًا، بدأت شركة «شيلد تي3» SHIELD T3 -وهي شركة منبثقة مملوكة لنظام جامعة إلينوي- في إنتاج حزمة "كوفيدشيلد" لأخذ العينات ذاتيًّا، والتي تتضمن جميع التوجيهات والمواد اللازمة لتقديم العينة وتسليمها لنقطة جمع العينات لاختبارها معمليًّا، وذلك وفق تصريح ديفيد كلارك، الرئيس التنفيذي للشركة، ويقول كلارك إن شركة «شيلد تي3» تطرح الآن هذه الحزم على نطاق محدود للمدارس والجامعات وبعض الشركات، وفي نهاية المطاف، يضع هو وفريقه تصورًا لتوزيع الأدوات من خلال آلات البيع أو تسليمها في أماكن العمل، على سبيل المثال.

وبالنظر إلى المستقبل، نجد أنه يمكن استخدام تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل المستندة إلى فحص اللعاب في تحديد عوامل مُمْرِضة أخرى، بالإضافة إلى مرض "كوفيد"، مثل الإنفلونزا أو الفيروس المخلوي التنفسي، وذلك على حد قول سميث، التي تضيف: "نحن بصدد البدء في مشروع نطلق عليه تفاعل البوليميراز المتسلسل المتعدد، فبدلًا من مجرد إجراء اختبارات الكشف عن "كوفيد-19"، سنبحث عن العوامل المُمْرضة التنفسية الأخرى التي تسبب أعراضًا مماثلة".

*ملحوظة المحرر: يعمل كاتب هذا المقال حاليًّا في ملحق بجامعة إلينوي، وهو جزء من الجامعة في مدينة إربانا-شامبين، ولكنه ليس عضوًا في القسم الذي طوّر اختبار اللعاب بجامعة إلينوي في مدينة إربانا-شامبين، وليس له أي مصلحة أو حصة مالية فيه.