هناك حامل جديد للرقم القياسي لـ"أبعد جرم معروف يدور حول الشمس".. إنه عَالَم جليدي يُطلق عليه «فار فار آوت» FarFarOut.

الاكتشاف لا يزال أوَّليًا، ولكن الباحثون يُجرون حاليًا أرصادًا لاحقة لتحديد المسافة الدقيقة التي يَبعُد بها هذا الجرم وتفاصيل مداره، قد يقدِّم «فار فار آوت» للفلكيين في نهاية المطاف -مثله مثل عديد من أشقِّائه المترامين في المناطق النائية المُظلمة في النظام الشمسي- رؤىً جديدة جوهرية بخصوص الحدود الخارجية لنظامنا الشمسي.

خلال الأعوام الستة الماضية، دأب عالم الفلك سكوت شيبارد من مؤسسة كارنيجي للعلوم، وعالم الفلك تشاد تروخيو من جامعة شمال أريزونا، على استكشاف السماوات في أعمق مسح كلي للسماء أُجري على الإطلاق بحثًا عن أجرام في النظام الشمسي.

يبحث العالمان عن الكوكب إكس، وهو كوكب قزم صغير أبعد من بلوتو بكثير، كانا قد اقترحا وجوده في عام 2014، وحتى الآن، نتج عن ذلك البحث اكتشاف 62 جرمًا نائيًا، وتُشكِّل هذه الأجرام ما نسبته نحو 80% من جميع الأجرام المعروفة التي تقع على مسافة أبعد من 60 وحدة فلكية (AU)، (الوحدة الفلكية تعادل المسافة بين الأرض والشمس، ويبلغ متوسط المسافة التي يبعُد بها بلوتو ما يقرب من 40 وحدة فلكية). في العام الماضي فحسب، تصدَّر هذان العالمان العناوين باكتشافين كبيرين، وليس اكتشافًا واحدًا فقط: الكوكب القزم TG387 2015، الملقَّب بـ«الجوبلن» Goblin، و2018 VG18، الملقَّب بـ«فار آوت» FarOut، بدرجة كبيرة يرجع تفوّق هذين العالمين في سباق العثور على أجرام أبعد فأبعد في النظام الشمسي إلى تفانيهما؛ فهما يستخدمان التلسكوبات لأزمنة طويلة ويُجريان أرصادًا كل شهرين على الأقل.

كان «فار فار آوت» أحدث نتائج بحثهما الذي تركَّز على هدف واحد، في أواخر فبراير الماضي كان شيبارد عالقًا في مكانه بسبب عاصفة ثلجية، وحينها قرَّر مراجعة بعض البيانات التي يبلغ حجمها 2 تيرابايت، جمعها هو وتروخيو العام الماضي خلال أرصاد أُجريت باستخدام التلسكوب «سوبارو» Subaru في هاواي، وفي صورتين للسماء التُقطتا بفارق يوم واحد بينهما خلال شهر يناير 2018، لاحظ شيبارد جرمًا خافتًا مندفعًا، وكان تغيُّر موقع الجرم علامة على أنه ليس نجمًا يظهر في الخلفية، بل جرم جديد في مدار ناءٍ حول الشمس، يقول شيبارد: "بالكاد يمكن ملاحظته".

يقول شيبارد إن قياساتهما الأولية تشير إلى أن «فار فار آوت» يقع على بعد يتراوح ما بين 130 و150 وحدة فلكية من الشمس، على الأرجح على مسافة قدرها نحو 140 وحدة فلكية، ويقدِّر شيبارد أن قطر هذا العضو المكتشف حديثًا في النظام الشمسي يبلغ قرابة 400 كيلومتر، بما يعادل نحو نصف قطر الكوكب القزم «سيريس» Ceres، ولكن هذا التقدير يستند إلى درجة سطوع «فار فار آوت»، والتي تعتمد على درجة الانعكاسية الخاصة به، وهي خاصية ليست معروفة حتى الآن لهذا الجرم، يقول شيبارد: "قد يكون الجرم داكنًا كالفحم أو ساطعًا كالثلج"، وكلتا الحالتين تنتج عنهما تقديرات حجم تختلف عن بعضها بدرجة كبيرة.

في وقت سابق، أواخر فبراير الماضي، كان شيبارد في تشيلي يُمشِّط السماء كجزء من دراسته الاستقصائية المقرّرة، وسوف يستغرق الأمر بعض الوقت لفحص البيانات الجديدة للتوصل إلى إشارات بشأن «فار فار آوت»، إلا أن إحدى عمليات الرصد الجديدة قد تقدِّم نقطة بيانات إضافية للتحقق من مسار الجرم حول الشمس، وهو مسار لا يزال غامضًا، في الحالة المثالية، قد يؤدي قياس لاحق أخير خلال شهر أبريل إلى تحديد مدار هذا الجرم بشكل نهائي.

بمجرد تحديد مدار «فار فار آوت»، ستبدأ الإثارة، إن المصطلح الشامل الذي يستخدمه الفلكيون لوصف الأجرام الجليدية فيما وراء نبتون هو "أجرام ما وراء نبتون" Trans-Neptunian Objects، وهذه الأجرام لها أنواع مختلفة، بعضها يدور حول الشمس في مدار أبعد بقليل من مدى جاذبية هذا الكوكب العملاق، بعضها الآخر مبعثر في مدى أبعد بمدارات لا تُقرِّبهم من الشمس بدرجة تتجاوز شُرفة تأثير نبتون، وهو ما يجعل هذه الأجرام تبدو كما لو كانت "منفصلة" عن باقي النظام الشمسي الذي يقع على مسافة أقرب للشمس.

تقول ميشيل بانيستر عالمة الفلك بجامعة الملكة في بلفاست -والتي لم تشارك في دراسة شيبارد وتروخيو ولكنها تتقصى هي الأخرى الأجرام الجديدة في المناطق النائية من النظام الشمسي- إن معرفة المدار "ترتبط بما إذا كان بإمكاننا أن نقول أي شيء مثير للاهتمام بخصوص مجموعة أجرام ما وراء نبتون التي ينتمي إليها الجرم".

إذا كان «فار فار آوت»، عند 140 وحدة فلكية، واقعًا في الحضيض الشمسي لمداره (أي أقرب نقطة للشمس)، فإن هذا سيكون "أمرًا مثيرًا للاهتمام بشدة"، على حد تعبير كونستانتين باتيجين، عالم الفلك بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، والذي لم يكن مشاركًا في الدراسة الاستقصائية.

كان باتيجين وزميله بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا الفلكي مايك براون قد أعلنا في عام 2016 -بالاستناد جزئيًا إلى التنبؤات التي خرج بها شيبارد وتروخيو في عام 2014 بخصوص الكوكب إكس- إجراءَ بحثهما الخاص عن جُرم مشابه، وهو جُرم يفضِّلان تسميته "الكوكب رقم 9"، وبغضِّ النظر عن الاسم الذي يُطلق على هذا الجرم، استمر كلا الفريقين -وكذلك عديد من الفلكيين الآخرين- في البحث عن هذا العَالَم المراوغ من حينها.

إن وجود مدار حضيض شمسي عند قرابة 140 وحدة فلكية قد يتطلب أن يكون شيئًا ثقيلًا (ربما جرمًا بوزن الكوكب إكس أو الكوكب رقم 9) قد انتزع «فار فار آوت» بطريقة ما من قبضة جاذبية نبتون. يقول باتيجين: "إذا كان الأمر كذلك، فإن شيبارد وتروخيو لديهما قصة غاية في الأهمية بشأن الكوكب رقم 9"، وكما هو معروف مُسبقًا، هناك سبب جيّد للاشتباه في أن الحضيض الشمسي لـ«فار فار آوت» هو كذلك بالضبط؛ فمعظم الأجرام في المناطق النائية من النظام الشمسي الخارجي تُكتشف عندما تكون قريبة من أقرب نقاط مداراتها، ببساطة لأن تلك هي اللحظة التي تعكس فيها تلك الأجرام أكبر كمية من ضوء الشمس ومن ثمَّ تسهُل رؤيتها، إلا أن باتيجين يقول إن حالة «فار فار آوت» قد لا تكون بتلك البساطة، لأن الدراسة الاستقصائية التي أجراها شيبارد وتروخيو تغيِّر قواعد اللعبة.

يقول باتيجين: "أنواع الأرصاد التي يجريها سكوت وتشاد توسِّع من حدود هذا المجال"، لقد غدا شيبارد وتروخيو -بتحديقهما في السماء بشكل منتظم لفترات زمنية طويلة باستخدام أحدث الأدوات الموجودة على أكبر تلسكوبات العالم- أكثر قدرة على رصد الأجرام الأخفت ضوءًا والموجودة على مسافات أبعد، مقارنةً بما كان ممكنًا باستخدام أغلب الدراسات الاستقصائية الأخرى، وهذا يعني أن هناك احتمالية لأن يكون «فار فار آوت» عند نقطة أبعد في مداره، وهو ما قد يجعله -ويا لها من مفارقة!- أقل إثارة للاهتمام ضمن مساعي البحث عن الكوكب إكس أو الكوكب رقم 9.

لو لم يكن شيبارد وتروخيو قد رصدا «فار فار آوت» بالقرب من الحضيض الشمسي، فربما كان هذا الجرم  -بحسب بانيستر- "مجرد جرم في مدار طبيعي تمامًا متفاعل بقوة مع نبتون" ولم يتقاطع مساره قط مع مسار أي كوكب مفترض غير مُكتشف متوارٍ فيما وراء بلوتو.

وتؤكّد بانيستر، مثلما يؤكد شيبارد وباتيجين، الحاجة الحتمية إلى المزيد من الوقت والبيانات للحكم على مدى الأهمية التي سيمثلها «فار فار آوت» بالتحديد، تقول بانيستر: "ما زال الوقت مبكرًا جدًا لمناقشة أي تبعات لهذا الأمر، لا يمكن القول إن هناك تبعات تتعلق بالنظام الشمسي الخارجي إلى حين التوصُل إلى وجود مدار".