نجحت تقنية تحرير الجينات المعروفة باسم "كريسبر" في إحداث تحوُّل كبير في عالم الأحياء، إذ منحت العلماء القدرة على تعديل الجينات لعلاج بعض الأمراض الوراثية أو الوقاية منها عن طريق تصحيح الطفرات الخطيرة وخلق مجموعة من النباتات والحيوانات الجديدة المُعدَّلة وراثيًّا. لكن هذه التقنية -التي تتضمن استخدام إنزيم يُسمَّى النيوكليز (Nuclease)، وهو يعمل بمنزلة مقص جزيئي "لقطع" الحمض النووي- قد تُؤدي إلى تأثيرات غير مقصودة؛ فمن الممكن أن يؤدي إجراء عمليات القطع المزدوج في الحمض النووي إلى إدخال مادة وراثية غير مرغوبة أو حذفها، وهو الأمر الذي قد يُسفر عن تبعات، منها تنشيط جينات مُسببة للسرطان. والحقيقة أنه لا يسهل تصحيح معظم الطفرات دون خلق تلك النواتج الجينية الثانوية غير المرغوب فيها.

في عام 2016، نجح فريق بحثي بقيادة ديفيد ليو من معهد برود التابع لجامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في تطوير طريقة أخرى، تُسمَّى التحرير القاعدي (Base editing)، وهي تتيح للعلماء إجراء تعديلات دقيقة على حروف مفردة من الحمض النووي دون الاعتماد على عمليات القطع المزدوج. ومع ذلك، لا يمكن استخدام هذه التقنية إلا لإصلاح أربعة أنواع من أصل 12 نوعًا من الطفرات الجينية "النقطية"، التي تتضمن عمليتي الإدخال والحذف والجمع بينهما.

في الوقت الراهن طور ليو مع أندرو أنزالون -وهو من باحثي ما بعد الدكتوراة في مختبر ليو- وزملائهما أداةً جديدةً للتحرير الجيني، تتجنب عمليات القطع المزدوج تلك، ويمكنها تصحيح جميع أنواع الطفرات النقطية التي يبلغ عددها اثنتي عشرة طفرة. استخدم الباحثون تقنيتهم الجديدة، التي أطلقوا عليها اسم "التحرير الأَوَّلي" (prime editing)، على خلايا بشرية مُستزرَعة في المختبر، وذلك من أجل تصحيح عيوب وراثية تُسبِّب مرض فقر الدم المنجلي ومرض تاي-ساكس، حسبما ذكر الباحثون في دراسة نُشرت يوم الإثنين في دورية نيتشر. يقول الباحثون إن طريقتهم أكثر كفاءةً من تقنية كريسبر التقليدية (باستثناء في حالة أنواع معينة من الخلايا)، كما ينتج عنها عددٌ أقل من الآثار الجانبية. من حيث المبدأ، يمكن أن تصحح تلك التقنية حوالي 89% من العيوب الوراثية البشرية المعروفة التي تسبب الأمراض، على الرغم من أنها لا تزال تقنيةً جديدةً للغاية، وتتطلب مزيدًا من الدراسة قبل أن يمكن استخدامها لعلاج البشر.

"بالنظر إلى الصورة الأكثر شمولًا، فإن اختراع التحرير الأَوَّلي يمثل لحظةً فارقةً في مسيرة جميع العاملين في ميدان تحرير الجينات، لحظة يجدر بهم الابتهاج والاحتفال بها"، كانت تلك كلمات فيودور أورنوف، وهو أستاذ علم الأحياء الجزيئي والخلوي بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمدير العلمي للتكنولوجيا والترجمة في معهد الجينوم المبتكر، وهو عبارة عن شراكة بين جامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. يضيف أورنوف، الذي لم يشارك في الدراسة ولكنه راجع الورقة البحثية: "من الممكن أن يكون التحرير الأَوَّلي وسيلةً بالغة الفاعلية لإجراء الإصلاحات [الجينية]"، ولكنه مع ذلك يحذر من أنه "من الناحية العملية، لا تزال هذه التقنية في مراحلها المبكرة للغاية".

Credit: S. Hamilton & K. Zusi Broad Institute of M.I.T. and Harvard

تتألف محررات الجينات الأولية من مكونين، بروتين وجزيء من جزيئات الحمض النووي الريبي RNA. يمثل المكون الأول شكلًا معدلًا من إنزيم كريسبر المعروف، ويسمى كاس 9، مقترنًا بإنزيم ثانٍ يسمى إنزيم النسخ العكسي (reverse transcriptase). أما المكون الثاني فهو شكل معدل من الحمض النووي الريبي الدليل، ويُسمَّى pegRNA، وهو يقوم بوظيفتين: تحديد الموقع المستهدف في الحمض النووي، والعمل كقالب للتحرير المطلوب. في الموقع المستهدف، يصنع إنزيم كاس 9 المعدل شقًّا في أحد شريطي الحمض النووي، ويقوم إنزيم النسخ العكسي بنسخ الحمض النووي الريبي الدليل المعدَّل مباشرةً إلى شريط جديد من الحمض النووي متصل عند تلك النقطة، حرفًا حرفًا. تخلق هذه العملية "سديلة" إضافية من الحمض النووي تحمل التسلسل المُحرَّر. يقوم محرر الجينات الأَوَّلي بعد ذلك بقطع الشريط غير المُحرَّر وإحلال الشريط المُحرَّر محله.

يقول ليو: "إذا كانت النيوكليزات [مثل كاس 9] تشبه المقص، والمحررات القاعدية تشبه أقلام الرصاص، فإن المحررات الأَوَّلية تشبه معالجات النصوص"، فهي تؤدي ما يشبه مهمة "البحث والاستبدال" للحمض النووي.

قارن أنزالون وزملاؤه عملية التحرير الأَوَّلي بآلية كريسبر المعتادة لإصلاح الحمض النووي، ووجدوا أن الطريقة الجديدة أكثر كفاءةً (بمعنى أنها نجحت في تحرير نسبة أعلى من الخلايا)، وأنها قد أنتجت عددًا أقل بكثير من عمليات الإدخال والحذف. تمكَّن الفريق، باستخدام التحرير الأَوَّلي، من تحقيق كفاءة تتراوح بين 20 و50%، بل ووصلت النسبة في بعض الحالات إلى 78%، وفق نوع الخلية. أما فيما يخص أمراضًا معينة، مثل فقر الدم المنجلي، فإن تحقيق كفاءة تتراوح بين 25 و30% يمكن أن يخفف من بعض الأعراض. لكن أمراضًا أخرى، مثل التليف الكيسي، سوف تتطلب كفاءةً أكبر بكثير.

من المعروف أن إنزيم كريسبر كاس 9 له تأثيرات غير مقصودة أو غير مستهدفة على عدة مواقع في الجينوم. أوضح الباحثون أن التحرير الأَوَّلي يُسبب عددًا أقل من التأثيرات غير المستهدفة في تلك المواقع. يحدث ذلك، في اعتقادهم، لأنه في حين يتطلب كاس 9 حالةً واحدةً فقط من اقتران الحمض النووي، فإن التحرير الأَوَّلي يتطلب ثلاث حالات، مما يعني أن هناك احتماليةً أقل لحدوث عمليات اقتران عشوائي قد يكون لها تأثيرات غير مرغوب فيها.

أثنى باحثون آخرون على النهج الجديد، على الرغم من أنهم ذكروا أن تلك التقنية لا تزال في مراحلها الأُوَل؛ ففنج تشانج -أحد رواد تقنية كريسبر العديدين، ويعمل أيضًا في معهد برود ولكنه لم يشارك في الدراسة- يصف التقنية الجديدة بأنها تمثل "نهجًا إبداعيًّا يوسع من نطاق التغييرات الجينية التي يمكن إجراؤها". (تشانج هو أحد مؤسسي شركتي إديتاس ميديسين (Editas Medicine) وبيم ثيرابيوتيكس (Beam Therapeutics)، اللتين تقومان بتطوير علاجات قائمة على تقنية كريسبر).

يصف جوسي تايبالِ -وهو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة كامبريدج- التقنية الجديدة بأنها تمثل "إنجازًا كبيرًا"؛ إذ "تتحول من أداة لقطع الجينوم إلى أداة لتحرير الجينوم بالفعل".

"من المثير للاهتمام رؤية أداة أخرى في صندوق أدوات كاس 9"، هكذا أعربت عن رأيها جنيفر دودنا، وهي من رواد تقنية كريسبر بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. لم تشارك دودنا في تأليف الدراسة، لكنها تتعاون مع مختبر ليو. (دودنا هي أحد مؤسسي شركات كاريبو بيوساينسيز وإديتاس ميديسين وسكرايب ثيرابيوتيكس وماموث بيوساينسيز، وهي جميعها تعمل على تقنية كريسبر).

من الغني عن الذكر أن تقنية التحرير الأَوَّلي -مثلها في ذلك مثل أية تقنية جديدة- تواجه بعض المشكلات التي يجب التغلُّب عليها قبل أن يتمكن العلماء من التفكير في تطبيقها على البشر. على سبيل المثال، يتعين على الباحثين إيجاد وسيلة لتوصيل الأداة إلى خلايا الجسم بطريقة تضمن وصولها إلى الخلايا المقصودة بأمان وفاعلية. قام أنزالون وزملاؤه باستكشاف طرق التوصيل الفيروسية وغير الفيروسية في دراستهم، ويخططون لإجراء دراسات إضافية على الحيوانات.

يشير أورنوف إلى مشكلة أخرى، تتمثل فيما إذا كان بوسع الإنزيم المعدل والحمض النووي الريبي (RNA) تنشيط جهاز المناعة في الجسم. يأتي الحمض النووي الريبي في الأصل من بكتيريا ويأتي الإنزيم من فيروس، وبالتالي فإن الاثنين بمنزلة "كائن مزدوج لم نر له مثيلًا"، وفق تعبيره. (تواجه تقنية كريسبر التقليدية تحدياتٍ مماثلةً أيضًا).

يقول تشانج إن إضافة إنزيم النسخ العكسي يمكن أن تنسخ أيضًا حمضًا نوويًّا ريبيًّا آخر في الخلية إلى حمض نووي يمكن دمجه بعد ذلك في الجينوم، مُسببًا تأثيرات غير مرغوب فيها.

وأخيرًا، تبرز مسألة الكفاءة. يقول تشانج إن النتائج التي حققوها تُعَد واعدة، لكنها ستحتاج إلى التحسين في أنواع معينة من الخلايا المرتبطة ببعض الأمراض.

ليس من المرجح أن يحل التحرير الأَوَّلي محل تقنيات مثل كريسبر أو التحرير القاعدي. يقول ليو منوهًا: "إن محررات النيوكليزات [مثل كاس 9] والمحررات القاعدية والمحررات الأَوَّلية جميعها تمتلك مواطن قوة ونقاط ضعف. لذا نتوقع أن يكون لتلك الفئات الثلاث أدوارٌ فعالة في المجالات العلاجية والبحثية".

يُشبِّه أورنوف أدوات تحرير الجينات المختلفة بسلالات الكلاب، فلكلٍّ منها وظائفه المتخصصة. على سبيل المثال، تتميز كلاب بوردر كولي ببراعتها الكبيرة في رعي الأغنام، أما سلالة الجيرمان شبرد فتبرع في العمل ككلاب بوليسية. وأما عندما يتعلق الأمر بتحرير الجينات، فيقول أورنوف: "إنني أعتقد بصراحة أنه ليس لدينا ما يكفي من البيانات لتحديد التقنية التي سوف تكون لها الغلبة من بين تلك التقنيات".