قد تبدو حفنةُ أوراق الاستنسل والأقلام الثلاثة هذه موادَّ تصلح لاستخدام طفل يحاول تصميم مشروع فني. ولكنَّ بعض الباحثين يستخدمون هذه الأدوات في الوقت الحالي، من أجل رسمِ مجموعةٍ وظيفية من أجهزةِ مراقبة نشاط القلب على الجِلد البشري مباشرة.

صحيحٌ أنَّ تكنولوجيا المستشعرات القابلة للارتداء -التي تساعد الأطباء على التحقُّق من مجموعة متنوعة من مؤشرات الحالة الصحية– قد تطوَّرت في السنوات الأخيرة، من أجهزة ضخمة إلى صفائح رقيقةٍ مرنة تُلصَق بأجساد البشر وكأنها وشوم مؤقتة. لكنَّ هذه المُستشعِرات المُصنَّعة سلفًا يُمكن أن تكون باهظة الثمن. بل ولا تتوافق في أغلب الأحيان مع منحنيات الجلد توافُقًا مثاليًّا، ما يجعلها حسَّاسةً لحركة مرتديها. غير أنَّ الباحثين يقولون إنَّ نظامًا إلكترونيًّا جديدًا مرسومًا على الجِلد، جرى توصيفه في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" Nature Communications في يوليو الماضي، يُقدِّم حلًّا لكلتا المشكلتين.

ابتكر فريقٌ بقيادة فهيم إرشاد، المتخصص في الهندسة البيولوجية الطبية في جامعة هيوستن، حِبرًا موصِّلًا، مستخدمًا رقائق فضة موضوعة في محلولٍ من البوليمر المُلائم للجِلد البشري. وفي البداية عبَّأ الباحثون الحبر في أقلام حبر جاف مُعدَّلة، ثم وضعوا ورقة استنسل مصنوعة من شريطٍ لاصق على أحد المتطوعين، ومرَّروا الأقلام على هذه الفراغات ليرسموا الدائرة الإلكترونية اللازمة. ويقول إرشاد متحدثًا عن ذلك: "هذا أشبه بالطريقة التي يتعلم بها أطفال الحضانة كيف يرسمون الأشكال. الأمر بهذه البساطة حقًّا". وفي غضون خمس دقائق، يجف الحبر ويُنشئ مُستشعرًا وظيفيًّا بالفعل. ويُلصق به سلك توصيل كهربائي قياسي لإمداده بالطاقة الكهربائية ونقل البيانات إلى حاسوب.

وباستخدام هذا الحبر وحده، استطاع الباحثون قياس نسبة الماء في البشرة والنشاط الكهربائي للقلب والعضلات الهيكلية. ولأنَّه يتوافق تمامًا مع الجِلد، يُمكن لمرتديه التحرُّك بحُرِّية دون ارتجاج المستشعر وبالتبعية دون تقليل جودة البيانات. وصحيحٌ أنَّ الحبر يتحمَّل العرق وحكَّ الجلد، لكنَّه يُزال بسهولةٍ باستخدام منشفة ورقية مبللة وصابون. ويقول ديمتري كيريف، الذي يُجري أبحاثًا عن الإلكترونيات الحيوية القابلة للارتداء في جامعة تكساس بمدينة أوستن، والذي لم يشارك في هذه الدراسة: "إنَّه متين وسهل الاستخدام للغاية على أيٍّ من أجزاء الجسم. إنَّه حلٌّ رائع جدًّا".

ومن أجل إنشاء أجهزة أكثر تعقيدًا، استخدم فريق إرشاد نوعَي حبر إضافيَّين: أحدهما يعملُ عَمل شبه موصِّل، والآخر يعمل عَمل مادة رديئة التوصيل (نوعٌ من العوازل الكهربائية). وبعدما رسم الباحثون طبقاتٍ مختلفةً بنوعي الحبرين كليهما، صمموا ببراعة شديدة مستشعراتٍ لدرجة الحرارة والإجهاد على ورقةٍ مصنوعة من السيليكون تُشبه الجِلد. ويقول تشنج يان، المتخصص في الهندسة البيولوجية الطبية بجامعة ميسوري، والذي لم يشارك في البحث الجديد: "لقد أوضح مؤلفو البحث العديد من التطبيقات الجذَّابة للغاية". يُذكَر أنَّ يان وزملاءه ابتكروا تكنولوجيا مشابهة باستخدام أقلام رصاص وورق، لكنَّ طريقتهم تقتصر على الموصلات الخاملة التي لا تستطيع ضخ طاقة في الدائرة الإلكترونية. في حين أنَّ إرشاد يأملُ -عَبر رسمِ إلكترونيات نشطة مثل الترانزستورات التي تستطيع أداء عمل مفاتيح أو مُضخِّمات إلكترونية- ابتكار مستشعرات متطورة لرصد بعض مؤشرات الحالة الصحية، بدءًا من المركَّبات الموجودة في العَرَق إلى نشاط الدماغ الكهربائي.

ويُخطِّط الباحثون لجعل مستشعراتهم لاسلكيةً في نهاية المطاف بالفعل، وذلك من خلال دمج نسخٍ أكثر تقدُّمًا من الدوائر الإلكترونية المعتمدة على الحبر. كما يرى الباحثون أن الناس بعد ذلك الإنجاز سيستطيعون استخدام مجموعات ذات أسعار معقولة من ورق الاستنسل والأقلام؛ لمتابعة حالتهم الصحية في منازلهم.