تخيلي أنكِ في انتظار مولود لك، وها قد مر شهران فقط على حملك، وإذا بكِ تختارين إجراء فحص جيني يسير، عند ظهور النتيجة، يتبين أن الجنين قد يعاني من فقدان جزء من الحمض النووي في الموقع رقم 11.2 على الذراع الطويلة للكروموسوم الثاني والعشرين، وهو تحوُّر يرتبط بمشكلات طبية واضطرابات نمو خطيرة.

على إثر تلك النتيجة تُهرعين إلى الإنترنت، وبالبحث يتبين لكِ أن شخصًا واحدًا على الأقل من كل 4000 شخص يعاني من هذه الحالة التي تُسمَّى بـ«متلازمة حذف 22q11.2»، غير أن العدد الحقيقي للمصابين قد يزيد على ذلك بكثير، تشرعين في القراءة عن أعراض «متلازمة حذف 22q11.2» التي يزيد عددها على 180 عَرَضًا، متضمنةً العيوب الخلقية فى القلب، ونقص الكالسيوم في الدم، والإعاقة الذهنية، والتوحد، والفصام، في أعقاب ذلك، تستكشفين إرشادات العلاج التي لا تزيدكِ إلا حيرة، وتكتشفين كذلك عيادات العلاج المتخصصة المتناثرة في أنحاء البلاد، بالإضافة إلى الحراك القوي في مجال دعم المصابين الذي تتصدره «المؤسسة الدولية المعنية بمتلازمة حذف 22q11.2» The International 22q11.2 Foundation.

ولكن هذا المتحور المُمرِض نفسه (وهو تغيُّر أو "طفرة" في الجينات يُعرَف عنها التسبُّب في الإصابة بالأمراض) تَبيَّن وجوده لدى أشخاص ظهرت عليهم أعراض أخف حدةً بكثير من تلك المشار إليها، بل اكتُشِف وجوده أيضًا لدى عدد من الأشخاص لم تظهر عليهم معظم أمارات الإصابة من الأساس، ومن ثَمَّ، فليس بمقدور أحد أن يمنحك تنبؤًا دقيقًا حول عوامل الخطورة، نظرًا إلى أن المعلومات المتوافرة عن «متلازمة حذف 22q11.2» (التي تُعرف أيضًا باسم «متلازمة دي جورج») يشوبها "انحياز التحقق"؛ فعلى الأرجح لا يخضع لاختبار الكشف عن المتلازمة إلا مَن يعانون من مشكلات تشير إلى احتمال الإصابة بها.

ماذا عساكِ أن تفعلي في مواجهة هذه الحيرة الهائلة؟ أَتتابعين السير في طريق الاختبارات التشخيصية التقليدية بكل معوِّقاتها من تدخُّل باضع، وألم جسدي أو نفسي، وتعرُّض لخطر الإجهاض وإن كان ضئيلًا؟ وماذا لو جاءت نتيجة الاختبار مؤكِّدةً للإصابة بعد ذلك؟ هل تتخذين قرار الإجهاض؟ 
إن هذا النوع من المعضلات آخذٌ في الشيوع، وهو ما يُعزى إلى ظهور تقنية جديدة أحدثت ثورةً في هذا المجال، ألا وهي تقنية «الفحوص غير الباضعة في أثناء فترة الحمل»، التي يُطلَق عليها اختصارًا اسم تحليل (NIPT) أو (NIPS)، تتيح هذه التقنية إمكانية رصد المتحورات الجينية في مرحلة مبكرة جدًّا من الحمل قد تصل إلى الأسبوع التاسع، وذلك من خلال سحب عينة صغيرة من دم الأم الحامل، بعد ذلك، يفحص النظام التقني لتحليل (NIPT) الملايين من شظايا الحمض النووي متناهية الصغر التي تسبح في عينة الدم وقد تحررت من الخلايا التي كانت تحتويها، ويعود معظم هذه الشظايا الصغيرة من "الحمض النووي غير المرتبط بالخلايا" والذي يُعرف اختصارًا باسم (cfDNA) إلى الأم، بيد أن بعضها قد يعود إلى الجنين أيضًا، وهنا يأتي دور النظم التقنية لتحليل (NIPT) التي تُحصي عدد شظايا (cfDNA) الموجودة في أجزاء مختلفة من الجينوم لرصد المتحورات الجينية لدى الجنين، وفي حال تبيَّن انخفاض عدد الأجزاء التي تحتوي على جزيئات (cfDNA) في المنطقة 22q11.2 دون غيرها، على سبيل المثال، فإن احتمالية تعرُّض الجنين لخطر الإصابة بـ«متلازمة حذف 22q11.2» ترتفع لتضع الجنين في فئة الأجنة "الأكثر تعرضًا للخطر".

باختصار، يمكن النظر إلى تحليل (NIPT) على أنه مجرد فحص طبي لتحديد فرص التعرُّض للإصابة بمرضٍ ما، وليس بوصفه أداةً لتشخيص المرض، ومع ذلك، فهو فحص يُجنِّب الحوامل قسوة المرور بتجربة الخضوع للاختبارات الباضعة، من قبيل اختبار فحص السائل السلوي، وما تنطوي عليه تلك الاختبارات من مخاطر، وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدد شركات التأمين الكبرى التي تغطي تكاليف تحليل (NIPT) في زيادة مستمرة.

ومن ناحية أخرى، فإن فحوص ما قبل الولادة تجلب نشاطًا تجاريًّا كبيرًا؛ فقد بلغت القيمة السوقية السنوية لتحليل (NIPT) حوالي 4 مليارات دولار أمريكي، وهي القيمة التي تزداد ازديادًا حثيثًا، وجديرٌ بالذكر أن هذا التحليل لا يخضع للرقابة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، على عكس غيره من الاختبارات الجينية الأخرى التي تُجرَى في أثناء الحمل.

ولقد ساعد تحليل (NIPT) ملايين الأسر حتى الآن -ومنهم أسرتي نفسها- على استبعاد احتمال الإصابة بالعديد من الاضطرابات الجينية الخطيرة في مرحلة مبكرة من الحمل، وفي الوقت نفسه، فتح هذا التحليل الباب أمام عدد كبير من الأسر الأخرى لاتخاذ قرارات إنجابية واعية في مواقف رصدت فيها النتائج وجود متحور جيني لدى أجنتهم.

ووفقًا لمقال نُشر مؤخرًا على الصفحة الأولى من جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية New York Times ، فإن تحليل (NIPT) في طريقه ليصبح إجراءً روتينيًّا من إجراءات الرعاية المقدَّمة في فترة الحمل، وذلك على الرغم من أن معظم الأجنَّة التي تأتي نتائج فحصها إيجابيةً ومشيرةً إلى إصابتها بحالات نادرة يتبين بعد ذلك أنها غير مصابة بالمتحور محل النقاش، إن مَن يخضعون لتحليل (NIPT) -شأنهم في ذلك شأن أي شخص يخضع لفحص طبي ما- كثيرًا ما يتجرعون مرارة الانتظار لحين إجراء اختبار تشخيصي إضافي للفصل بين النتائج الإيجابية الحقيقية والزائفة لتحليل (NIPT)، وكي لا يلتبس الأمر على القارئ، وجبت الإشارة هنا إلى أن تشخيص حالةٍ ما بعيب جيني في مرحلة الحمل لا يتأكد إلا عن طريق خضوع الأم للاختبارات الباضعة، مثل اختبار فحص السائل السلوي، وهي اختبارات تُحلِّل عينة حمض نووي مأخوذة مباشرةً من خلايا الجنين، وكما أكدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) في توصية حديثة لها، وإن كانت قد جاءت متأخرة، فإنه يتعين على الشركات ومقدمي خدمات الرعاية الصحية الذين يتوافر لديهم تحليل (NIPT) أن يتحروا الصدق والشفافية في هذا الشأن.

غير أن قضية النتائج الإيجابية الزائفة ليست سوى غيض من فيض ضمن معضلات لا تُعد ولا تُحصى طرحتها أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا في مجال فحوص ما قبل الولادة، ومن ذلك تحليل (NIPT)، و«التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة» المعروف اختصارًا بتشخيص (PGD)، وهو عملية فحص جنين تم تخصيبه معمليًّا للكشف عن أي اضطرابات جينية لديه قبل زرعه داخل الرحم.

دعونا نتأمل مثلًا المعضلة التي يطرحها هذا السؤال: ماذا عن تلك الأُسر التي تؤكد لها الاختبارات التشخيصية الإضافية بما لا يدع مجالًا للشك ما تلقته من نتيجة إيجابية لتحليل (NIPT) أو تشخيص (PGD)؟ إن أفراد تلك الأُسر دون غيرهم يواجهون موقفًا يُحتِّم عليهم اتخاذ قرار مصيري سيغير مسار حياتهم؛ إذ يتعين عليهم الاختيار ما بين الاحتفاظ بالجنين أو إجهاضه، أي تأثير إذًا سيكون لهذه الثورة في مجال الفحص في أثناء الحمل على مثل هذه الأُسر، وعلى الفئات التي تأثرت بالاضطرابات الجينية، بل على المجتمع ككل؟

إن مواجهة المعضلات التي تطرحها هذه الأسئلة، ومن ثَمَّ الإجابة عنها، تتطلَّب منا النظر في أنواع حالات الاضطرابات الجينية التي يمكن للنظم التقنية المستخدمة في تحليل (NIPT) وتشخيص (PGD) أن تتعرف عليها، وبطبيعة الحال، سنجد أن «متلازمة داون» (التثلث الصبغي 21) تتصدر المناقشات المعنية بفحوص ما قبل الولادة، ولكن ما خفي كان أعظم وأكثر تعقيدًا؛ ففي مقابل كل متحور جيني يمكن أن تُنسَب إليه إحدى الحالات الموصوفة بدقة، هناك العديد والعديد من المتحورات الأخرى التي يصعب الوقوف على تبعاتها، بعض هذه المتحورات يؤدي إلى ظهور أعراض قوية لا تخف وطأتها أبدًا، بينما تختلف الأعراض المصاحبة لبعضها الآخر فتكون إما خفيفة أو متقلبة من حيث مدى شدتها، ولكن المدى الحقيقي لآثارها على الصحة والنمو يظل مجهولًا بسبب انحياز التحقق الذي يحول دون خضوع بعض المصابين بالمتحورات للفحص، ومن ناحية أخرى، فإن بعض الأعراض يكون نادر الظهور، أما بعضها الآخر فيكون أكثر شيوعًا، ومن المعلوم أن الوصول إلى تقديرات دقيقة فيما يخص مدى شيوع الأعراض أو ندرتها هو أمرٌ في غاية الصعوبة، ومع ذلك، فبشكل عام، يمكن القول بأن هذه الاضطرابات شائعة إلى حدٍّ ما.

من هنا، يمكن القول إنه إذا أصبح كلٌّ من تحليل (NIPT) وتشخيص (PGD) شائعًا وشاملًا بالقدر الذي يتوقعه الخبراء، ففي كل عام ستفاجأ الآلاف والآلاف من الأسر التي تنتظر قدوم مولود لها بأن أجنتها تعاني من أحد المتحورات الجينية المسؤولة عن حدوث الأمراض، بيد أنه لن يكون لدينا في كل مرة ما يكفي من العلم لكي نستطيع إخبار تلك الأسر عما قد تعنيه تلك النتائج بالنسبة لمستقبل طفلها المنتظَر.

وغالبًا ما تضيف الشركات التي تقدم خدمة فحوص ما قبل الولادة متحورات جينية جديدة ضمن قائمة المتحورات التي تكشف عنها فحوصها، وذلك بمجرد توافر التقنيات المناسبة لذلك لديها، وليس بناءً على تقييمات دقيقة لمدى شدة الأعراض المصاحبة للمتحورات وإمكانية علاجها، على سبيل المثال، كان نطاق المتحورات الجينية التي يكشف عنها تحليل (NIPT) قد اتسع منذ بداية العمل به تقريبًا ليشمل متحورَين يصيبان شخصًا واحدًا فقط من كل ألف شخص، ويشيران إلى الإصابة بـ«متلازمة ثلاثية إكس» (أي وجود ثلاثة كروموسومات X بدلًا من اثنين) أو «متلازمة XYY» (أي وجود كروموسوم Y إضافي)، إن تأثير «متلازمة ثلاثية إكس» و«متلازمة XYY» على المصابين بهما لا يكاد يُذكر، لدرجة أن المختصين لا يحولونهم إلى الفحص الجيني على الإطلاق، ومع ذلك، دخلت حالات الكروموسومات الإضافية تلك ضمن نطاق التحليل، لا لسبب سوى أنها كانت أهدافًا سهلة يمكن استغلالها في تطبيق تقنية جديدة في مجال الفحص.

وعلى مر الأعوام القليلة الماضية، اتسع نطاق تحليل (NIPT) أكثر، ليشمل الكشف عن مجموعة كبيرة من الاضطرابات الأقل شيوعًا وتشخيصًا، مثل «متلازمة حذف 22q11.2» و«متلازمة حذف 1p36» والعديد من الاضطرابات الجينية الأخرى، مع العلم أن هذه الاضطرابات كلها تدخل بالفعل ضمن نطاق الحالات التي يكشف عنها تشخيص (PGD) والاختبارات الباضعة، وفي ظل شراسة المنافسة وتسارُع وتيرة الابتكارات في هذا المجال، يمكن القول إن المستقبل قد اتضحت معالمه، وهي تتلخص في أننا سنواجه سيلًا من الفحوص الجينية التي تُجرى في فترة الحمل، والمُصمَّمة للكشف عن قائمة لا تنتهي من متحورات الجينوم.

ومن هنا، فإن كلًّا من تحليل (NIPT) وتشخيص (PGD) يثير قضايا أخلاقية لا يمكن وضعها في قالب الجدل الدائر حول مُستقبَل قد يشهد "تصميم الأطفال وفق الطلب"، ولا في قالب الجدل المتأصل حول قضية الإجهاض.
ولا شك أن عملية التعرُّف على متحورات الجينوم لدى الأجنة تزداد سهولةً يومًا بعد يوم، ولكن الأمر يستلزم سنوات من الاستثمار لكي يصبح من الممكن توفير المعلومات الدقيقة والمشورة الصادقة والرعاية اللازمة للأسر التي تخضع لاختبارات التشخيص الجيني.

فالمزيد من الآباء والأمهات سيجدون أنفسهم أمام معضلات لا طاقة لهم بها، مثل تلك التي تتعلق بالإجهاض الانتقائي، وهو مصطلح يُستخدم لوصف قرار الإجهاض الذي يَعقُب تلقِّي نتيجة إيجابية للاختبار الجيني في أثناء الحمل؛ فقد بيَّنت الدراسات أن الناس غالبًا ما يتخذون القرار بالإجهاض حتى بعد اكتشاف أكثر حالات التحور الجيني بساطة، مثل «متلازمة ثلاثية إكس» و «متلازمة XYY»، وعلى كلٍّ، وكما أشارت الجهات المدافعة عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مرارًا وتكرارًا، فإن إدراج حالةٍ ما في قائمة الاختبارات الجينية في أثناء الحمل ينطوي على إيحاء بأن هذه الحالة تتنافى معها إمكانية عيش الشخص المصاب بها "حياةً تستحق العيش"، خاصةً في مجتمع يتفنن في إثقال كاهل الأسر التي تربي طفلًا يعاني من إعاقة أو مرض أو اختلاف في أنماط النمو.

ومن المحتمل أن يُحدِث كلٌّ من تحليل (NIPT) وتشخيص (PGD) تغيُّراتٍ في المشهد العام فيما يتعلق بالاضطرابات والاختلافات الجينية، على سبيل المثال، سيأتي المزيد والمزيد من المواليد إلى هذا العالم بعد تشخيصهم جينيًّا قبل ولادتهم، بيد أن الخصائص السكانية لأصحاب هذه الحالات الجينية قد تتغير نتيجةً لتوافُر الفحص والإجهاض الانتقائي؛ فمن المحتمل أن يتراجع عدد هذه الحالات لتصبح أقل شيوعًا بوجهٍ عام، ولكنها قد تصبح مقصورةً تقريبًا في الوقت نفسه على الأشخاص المتدينين أو الأشخاص الذين لا يتسنى لهم الحصول على خدمات إجراء الاختبارات الجينية وعمليات الإجهاض، وهؤلاء جميعًا إما ينتمون إلى فئات محرومة اجتماعيًّا واقتصاديًّا أو يقطنون في الولايات المؤيدة للحزب الجمهوري تأييدًا لا نقاش فيه، وعلاوةً على ذلك، فقد تولد مفارقةٌ من رحم تلك التغيرات؛ إذ إن عدد أعضاء الجماعات المؤيدة للمصابين بهذه الاضطرابات قد يزداد بالرغم من تناقُص عدد المصابين.

إن وجود هذا الكم الكبير من المتحورات الجينية حولنا يضع كلًّا من تحليل (NIPT) وتشخيص (PGD) موضع التأثير البالغ على الطريقة التي نتعامل بها كمجتمع مع الإعاقة والاختلاف في أنماط النمو، وهذا الموقف برمته يتحدى عقولنا ويطالبها بالتفكير في ملامح مستقبلٍ يدنو منَّا بسرعة وتنطوي فيه الفحوصات الجينية في فترة الحمل على آثار معقدة ومُصطبِغة بصبغة أفكار تحسين النسل، لا بسبب البرامج الحكومية القسرية العنصرية التي تعود بالذاكرة إلى أوائل القرن العشرين، بل بسبب الآلاف من القرارات التي ستغير وجه خريطة التوزيع السكاني لبعض أنماط الإعاقة والاختلاف بالرغم من كونها قراراتٍ مشروعةً ومُغرِقةً في الخصوصية، قد يبدو هذا الكلام صادمًا لعتاة داعمي الحقوق الإنجابية للمرأة من بيننا، بيد أن الفحوص الجينية غير الباضعة في أثناء الحمل لا تزال محفوفةً بالغموض مثلها مثل أرض لم تستكشف بعد، ومن ثَمَّ، علينا أن نتصدى لما تطرحه هذه الفحوص من معضلات شائكة.