تعتمد قصص الخيال العلمي في كثير من الأحيان على فكرة وجود قوى غامضة، أمَّا في الواقع، فعلماء الفيزياء متفقون منذ فترة طويلة على أنَّ جميع التفاعلات بين الأجسام تنشأ من أربع قوى أساسية فقط، غير أنَّ ذلك لم يمنعهم من السعي الحثيث للبحث عن قوة أساسية خامسة ما زالت مجهولةً حتى الآن، إن اكتشاف مثل هذه القوة الإضافية من شأنه أن يجيب عن بعض أهم الأسئلة التي ما زالت مطروحةً في الفيزياء حاليًّا، بدءًا من طبيعة الطاقة المظلمة، وحتى ما هو ظاهر من اختلافات كبيرة بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة، قدمت تجربة حديثة أُجريت في المعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) مؤشرات جديدة حول الطابع المحتمل لتلك القوة الخامسة، فقد استخدم فريق تعاوني دولي من الباحثين نيوترونات وبلورة من السيليكون لاستكشاف شدة القوة الخامسة المحتملة، في النطاق الذري، وكذلك تتضمَّن الدراسة، التي نُشرت في دورية «ساينس» Science في شهر سبتمبر، قياسات للبنى الدقيقة لكلٍّ من بلورات السيليكون والنيوترونات.

وفي هذا الصدد يقول بنجامين هيكوك، الفيزيائي في المعهد الوطني للمعايير والتقنية والمؤلف الرئيس للدراسة: "تُجرى البحوث حول القوة الخامسة على امتداد نطاق الرصد البشري كله"، كما أوضح أن وجود نظريات مختلفة تتنبأ بخصائص مختلفة للقوة الخامسة  قد دفع الفيزيائيين إلى البحث عن آثارها الدقيقة العصية على المُلاحَظة في كل شيء، بدءًا من خرائط مسح  الأجسام الفلكية مثل المجرات، وحتى الحركات الطفيفة جدًّا  للأدوات المجهرية المصممة خصوصًا، لكن مساعي البحث ما زالت خاوية الوفاض.
ومن جانبه يقول إريك أديلبرجر، وهو فيزيائي في جامعة واشنطن لم يشارك في الدراسة: "ثمة سبب يجعلنا نظن أن هناك شيئًا ما زلنا نغفله"، كان فريق أديلبرجر نفسه قد بحث في السابق عن بعض القوى الجديدة المقترحة، ولم يعثروا على أي شيء إطلاقًا، بدرجة كبيرة من اليقين القائم على التجارب، وفي بحث كُرِّم في عام 2021 بنيل إحدى جوائز «بريكثرو » (Breakthrough Prize)، خلصوا إلى أنَّ القوة الخامسة لا بد أنها أضعف كثيرًا مما تنبأت به بعض النظريات، أو أنها غير موجودة أصلًا، وتتبع تجربة المعهد الوطني للمعايير والتقنية فكرةً مشابهة، لكنها تستخدم تقنيةً تجريبيةً جديدة، يقول هيكوك: "إن الهدف -من منظور العلماء التجريبيين- هو اتخاذ خطوات كبيرة إلى الأمام في تحديد حدود [قوة] القوى الجديدة، حيثما أمكَن للتجربة أن تحقق ذلك، وفيما لدينا، يحدث ذلك على النطاق الذري".

ويشير أديلبرجر إلى أنَّ قياس التفاعلات المتعلقة بهذه المسألة في نطاقات كهذه يُمثِّل تحديًا فريدًا من نوعه، وأنَّ أحد أسباب ذلك هو أنَّ الجسم النموذجي في العالم الذري أصغر حوالي مليون مرة من متوسط عَرضِ شعرة الرأس لدى الإنسان، ويقول: "عليك أن تسأل: ما كمية المادة التي تستطيع أن تجدها داخل حجم صغير مرتبط بنطاق الطول هذا؟ إنها كمية ضئيلة للغاية"، وحتى أقل تأثير ناجم عن القوى الأخرى المعروفة، مثل الكهرومغناطيسية، يُمكن أن يؤدي بكل سهولة إلى التشويش على القياسات الحساسة، ولحل هذه المشكلة، اعتمد الفريق البحثي في المعهد الوطني للمعايير والتقنية على النيوترونات، وهي جسيمات دون ذرية متعادلة الشحنة، توجد عادةً داخل نوى الذرات، إذ إن النيوترونات لا تتأثر تقريبًا بالقوى الكهرومغناطيسية، وفوق ذلك، فحتى الجسيمات الأصغر التي تُكوِّن النيوترونات، والتي تُسمى كواركات، "يلتصق" بعضها ببعضٍ التصاقًا شديدًا جدًّا بفعل التفاعل النووي القوي (وهو إحدى القوى الأساسية الأربع المعروفة)، فيُصبح من الصعب للغاية إحداث اضطراب في بنيتها المادية، ويوضح دبليو مايكل سنو -وهو فيزيائي في جامعة إنديانا لم يشارك هو الآخر في التجربة الجديدة- ذلك قائلًا: "إن التفاعل القوي الذي يربط بعض الكواركات ببعضٍ في النيوترون تفاعلٌ قويٌّ للغاية، لذا لا يتعرض النيوترون لأي تشوه تقريبًا عندما يقترب من مادةٍ أخرى"، ومن ثَمَّ فإن دراسة سلوك النيوترونات هو أمرٌ ملائمٌ جدًّا للبحث عن قوى جديدة، وذلك بسبب عدم تأثُّر هذه الجسيمات دون الذرية بالكثير من التأثيرات التي تَظهَر في القياسات بسهولة وتشوش دقتها، ويُعبِّر ألبرت يونج -وهو أحد المؤلفين المشاركين في الدراسة الجديدة وفيزيائي في جامعة ولاية كارولينا الشمالية- عن ذلك ببساطة قائلًا: "في الوقت الحالي، في نطاق الطول الذري الموجود لدينا، يُمكن القول إنَّ النيوترونات هي الاختيار الأفضل".

وقد رصد الباحثون في تجربتهم النيوترونات بعد انتقالها عَبر بلورة من السيليكون مُشكَّلة آليًّا وشبه مثالية، صَنَعها بعض أفراد الفريق في مركز «رايكن» للضوئيات المتقدمة في اليابان، ويؤكد مايكل هوبر -وهو فيزيائي في المعهد الوطني للمعايير والتقنية، وهو من المؤلفين المشاركين في الدراسة- أنَّ "السيليكون مادة شائعة الاستخدام، لكنَّ التشكيل الدقيق للسيليكون باستخدام الآلات شيءٌ صعبٌ للغاية"، وداخل هذه البلورة المثالية -حيث لا يصل الضوء أو الحرارة، ولا تؤثر الاهتزازات ولا مصادر الضوضاء الخارجية الأخرى، وذلك بفضل المرافق الخاصة التي سهلت تصميم ذلك في المعهد الوطني للمعايير والتقنية- تكون ذرات السيليكون مُرتَّبة في أنماط شبكية يُمكن التنبؤ بها.

في أثناء انتقال النيوترونات عبر تلك الشبكة، اصطدمت ببعض ذرات السليكون وتفادَت أخرى، ولكن نظرًا إلى أنَّ انتقال النيوترونات حَدَث في النطاق الذري، حيث تتصرف الجسيمات كلها كالموجات كما تنص قوانين ميكانيكا الكم، فإنَّ اصطدامها بذرات السيليكون كان أشبه بأمواج البحر عند اصطدامها بشاطئ تنتشر عليه الصخور الكبيرة على مسافات متساوية بين بعضها وبعض، لذا  فعندما اصطدم نيوترون بذرة سيليكون، أنشأ هذا التفاعل شيئًا أشبه بالتموجات النيوترونية، وتداخَلت هذه التموجات مع تموجات نيوترونية أخرى نشأت بالقرب من بعض ذرات السيليكون المجاورة، ما أسفر عن نمطِ تداخل موجي لا يختلف كثيرًا عن شكل مياه هائجة متلاطمة الأمواج على طول ساحل صخري.

والأهم أنَّ الباحثين تيقنوا، باستخدام تصميم تجريبي ذكي، من أنَّ بعض "موجات" النيوترونات التي اصطدمت  بـ "شاطئ" ذرَّات السيليكون تراكَبت بطريقة محددة جدًّا أسفرت عمَّا يُسمَّى ذبذبات «بندلُّوسُنج» (Pendellösung)، وهذه الذبذبات تُشبه النبضات، ومن الأفضل اعتبارها تأثيرات سمعية نبضية متناوبة بين منخفضة وعالية تحدث عند إصدار موجتين صوتيتين شبه متطابقتين في آنٍ واحد، وفي حالة هذه التجربة الجديدة، فهذه الذبذبات أشبه بنمط تموُّج مميز، ولكن يصعب رصده، ضِمن الموجات النيوترونية التي تتكسر على طول شاطئ السيليكون، يوضح هوبر ذلك قائلًا: "صحيح أنَّ تداخُل «بندلُّوسُنج» اكتُشفَ وأثبِتَ منذ زمن طويل، في ستينيات القرن الماضي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، لكنه نادرًا ما يُستخدَم، ومعظم التجارب لا ترصده".

وقد حلَّل فريقه هذه التموجات الخاصة بعناية، بحثًا عن خصائص أساسية لـ"صخور" السيليكون، والموجات النيوترونية التي اصطدمت بها، بدا الأمر كما لو كانوا يستطيعون تحديد كمية "المياه" التي حملتها كل "موجة"، وما إذا كانت أي "صخور" قد تحركت في أثناء الاصطدام، بل وأكثر من ذلك، المهم أنه، لو كان يوجد بالفعل أي تفاعُل مع قوة خامسة في النطاق الذري، لكانت تفاصيل نمط تداخُل الموجة النيوترونية ستكشف عن وجوده، مثلما يُمكن أن تتبع التموُّجات في الأمواج المتكسرة الحد الخارجي لجدار بحري مغمور بالماء وتكشف عن وجوده، ومع أنَّ الباحثين لم يجدوا علاماتٍ على وجود قوة خامسة، عيَّنوا حدًّا جديدًا، أدق عشر مرات من ذي قبل، لمقدار الشدة المُحتمَلة لقوةٍ كهذه.

ويرى فريق المعهد الوطني للمعايير والتقنية أنَّ تجربتهم المبتكرة ستمكِّنهم من إجراء قياسات أدق في المستقبل، وقد تمكنوا بالفعل -على سبيل المثال- من استنتاج تفاصيل ترتيب الكواركات داخل النيوترون، وكذلك بعض الحركات الدقيقة لذرات السيليكون، التي قد يتبيَّن أنها مفيدة في تصنيع الإلكترونيات المُعدَّلة تعديلات بسيطة لتحقيق أفضل أداء، غير أنَّ سعيهم إلى تحديد مقدار شدة القوة الخامسة، وهي المهمة التي بإمكانهم إنجازها عن طريق الجمع بين عدة قياسات منفصلة لخصائص النيوترونات في ظل افتراضات معينة، ما زال هو الجزء الذي يدفع إلى التفاؤل، وهو أيضًا الجزء الأصعب في عملهم؛ إذ يقول يوشيو كاميا، وهو فيزيائي في جامعة طوكيو لم يشارك في الدراسة الجديدة: "نستطيع أن نواصل البحث عن القوة الخامسة، وينبغي لنا ذلك، فما تم هو مجرد خطوة".

ويتفق أديلبرجر معه في ذلك، وهو متلهف لرؤية نتائج جديدة في المرحلة التالية من التجارب، يقول أديلبرجر: "ثمة أشياء كثيرة يجب أخذها في الاعتبار للحصول على هذه النتائج، فهو تأثير ضئيل جدًّا، وعلى الباحثين أن يظلوا منتبهين لكل التأثيرات الضئيلة الأخرى ويأخذوها في الحسبان"، ويرى كلٌّ من كاميا وأديلبرجر أنَّ قدرة هذا العمل الجديد على إقناع الفيزيائيين بأن يعيدوا النظر في نظرياتهم عن شدة القوة الخامسة المحتملة ما زالت غير مؤكَّدة ، إذ يُشير أديلبرجر إلى أنَّه بالاستناد إلى الدراسة الحالية، ما زال هناك الكثير من مصادر الخطأ المحتملة، كما يضيف أنَّه لو وجد فريق المعهد الوطني للمعايير والتقنية دليلًا على وجود  قوة جديدة، فلا يُمكن اعتباره دليلًا قاطعًا حقًّا.

ويشير هيكوك إلى أنَّ فريقه لديه بالفعل أفكارٌ لتطوير عمله، منها على سبيل المثال استخدام بلورات الجرمانيوم بدلًا من السيليكون؛ لأنَّ ذرات الجرمانيوم تكون مُرتبةً في بِنًى مختلفة قد تكون أنفع لعمليات الرصد الدقيق لتداخُل النيوترونات، ومن أهدافهم الأخرى توسيع نطاق القياسات الدقيقة المتاحة في النطاق الذري، ليستعين بها جميع الفيزيائيين الباحثين عن القوة الخامسة في عملهم المستقل، ويرى هيكوك أنَّ القياسات الواردة في الدراسة الجديدة -من الناحية النظرية البحتة- مجرد بداية تمهد الطريق لظهور عشرات القياسات الأخرى لاحقًا، ويقول: "أظن أنَّ أي تجربة ستصطدم في النهاية بحائط سد، لكني أظن أيضًا أننا بعيدون تمامًا عن ذلك".