يقول علماء الكيمياء إنهم توصلوا إلى حل معضلة بالغة الأهمية متعلقة بنظرية أصل الحياة، من خلال إثبات أن جزيئات الحمض النووي الريبي يمكن أن تربط سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية معًا.

وأيدت النتائج، المنشورة في دورية Nature بتاريخ 11 مايو، نسخة معدلة من فرضية «العالم القائم على الحمض النووي الريبي RNA»، التي تقترح أنه قبل تطور الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسجين DNA والبروتينات التي يحمل شفرتها، كانت الكائنات الحية الأولية تتكون من شرائط من الحمض النووي الريبي، وهو جزيء يمكنه تخزين المعلومات الوراثية -على هيئة تسلسلات من النيوكليوسيدات: الأدينين والسايتوسين والجوانين واليوراسيل- وأداء دور المادة الحفَّازة في التفاعلات الكيميائية أيضًا.

يتحدث بيل مارتن -الذي يدرس التطور الجزيئي بجامعة هاينرش هاينه في مدينة دوسلدورف الألمانية- عن هذا الاكتشاف قائلًا: "سوف يفتح أمامنا آفاقًا رحبةً وجديدةً كليًّا نحو فهم التطور الكيميائي المبكر".

تفترض نظرية العالم القائم على الحمض النووي الريبي، في نسختها الأصلية، أن الحياة ربما نشأت على هيئة شرائط حمض نووي ريبي أولي معقدة، كانت قادرةً على نسخ نفسها والتنافس مع الشرائط الأخرى كذلك، وفي وقت لاحق، ربما تمكنت «إنزيمات الحمض النووي الريبي» تلك من تطوير القدرة على تكوين البروتينات ونقل معلوماتها الوراثية -في نهاية المطاف- إلى الحمض النووي الأكثر استقرارًا، بيد أن كيفية حدوث هذه العملية بالضبط ظلت مسألةً مفتوحةً للنقاش، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن المواد الحفَّازة المكونة من الحمض النووي الريبي وحده أقل فاعليةً بكثير من الإنزيمات القائمة على البروتين الموجودة في جميع الخلايا الحية اليوم، ويعلق توماس كاريل -عالِم الكيمياء العضوية بجامعة لودفيش ماكسيميليان في مدينة ميونخ بألمانيا- على ذلك قائلًا: "على الرغم من اكتشاف وجود مواد حفَّازة [مكونة من الحمض النووي الريبي]، فإن قدرتها التحفيزية ضعيفة للغاية".

ريبوسوم قائم على الحمض النووي الريبي

بينما كان كاريل ومساعدوه يعملون على حل هذه المعضلة، واتتهم فكرةٌ مستلهمةٌ من الدور الذي يؤديه الحمض النووي الريبي في طريقة تكوين جميع الكائنات الحية اليوم للبروتينات؛ إذ يمر شريط من الحمض النووي الريبي يحمل شفرة أحد الجينات (يكون عادةً منسوخًا من تسلسل لقواعد الحمض النووي) عبر آلية جزيئية ضخمة تُدعى الريبوسوم، وتُنتج هذه الآلية البروتين المناظر عن طريق تخليق الأحماض الأمينية المكونة له واحدًا تلو الآخر.

وعلى عكس معظم الإنزيمات، فالريبوسوم في حد ذاته لا يتكون من بروتينات فقط، بل يحوي كذلك أجزاءً من الحمض النووي الريبي، وتؤدي هذه الأجزاء دورًا مهمًّا في تخليق البروتينات، وعلاوةً على ذلك، يحتوي الريبوسوم على نسخ مُعدلة من نيوكليوسيدات الحمض النووي الريبي المعتادة، وهي: الأدينين والسايتوسين والجوانين واليوراسيل، ولطالما اعتُبرت هذه النيوكليوسيدات الغريبة هي البقايا المحتملة لحساء بدائي.

تمكَّن فريق كاريل من تصنيع جزيء حمض نووي ريبي مُخلق اشتمل على اثنين من تلك النيوكليوسيدات المُعدلة من خلال ضم شريطين من الحمض النووي الريبي الموجود عادةً في الخلايا الحية، وعند موقع النيوكليوسيد المعدّل الأول، استطاع الجزيء المُخلَّق الارتباط بحمض أميني، ثم تحرك هذا الحمض الأميني بشكل جانبي ليرتبط بالنيوكليوسيد المعدّل الثاني المجاور له، بعد ذلك قام الفريق بفصل شريطي الحمض النووي الريبي الأصليين، وجاءوا بشريط جديد يحمل الحمض الأميني الخاص به، وكان هذا الشريط في الموضع المناسب لتكوين رابطة تساهُمية قوية مع الحمض الأميني الذي ارتبط فيما سبق بالشريط الثاني، واستمرت العملية خطوةً بخطوة، لتنمو بذلك سلسلة قصيرة من الأحماض الأمينية، مكونةً بروتينًا صغيرًا يُدعى ببتيد، صارت مرتبطةً بالحمض النووي الريبي، ويستلزم تكوين الروابط بين الأحماض الأمينية طاقةً وفرها الباحثون من خلال إمداد الأحماض الأمينية بمواد متفاعلة متنوعة في المحلول.

وعن هذا يقول مارتن: "إنه اكتشافٌ مثيرٌ للغاية؛ إذ لا يقتصر على رسم مسار جديد لعملية تكوين الببتيد القائم على الحمض النووي الريبي، بل يكشف النقاب كذلك عن دور تطوري جديد أيضًا لقواعد الحمض النووي الريبي المُعدلة التي تنشأ على نحو طبيعي"، ويضيف مارتن أن النتائج تشير إلى دور مهم أداه الحمض النووي الريبي في نشأة الحياة، ولكن دون أن تستلزم تمكُّن الحمض النووي الريبي من نسخ نفسه وحده.

ويتفق لورين وليامز -عاِلم الكيمياء الفيزيائية الحيوية في معهد جورجيا التقني بمدينة أتلانتا- مع هذا الرأي قائلًا: "إذا استطاع العلماء الربط بين أصول الحمض النووي الريبي وأصول البروتينات، بحيث لا تكون نشأة كلٍّ منهما مستقلةً عن الأخرى، فسوف تتغير الحسابات تغيُّرًا جذريًّا لتدعم فرضية العالم القائم على البروتين والحمض النووي الريبي، وبعيدًا عن فرضية العالم القائم على الحمض النووي الريبي وحده".

ومن أجل إثبات أن هذا التفسير يُعد تفسيرًا معقولًا لأصل الحياة، على العلماء أن يستكملوا عدة خطوات أخرى؛ فالببتيدات المتكونة داخل الحمض النووي الريبي الذي خلَّقه الفريق تتألف من سلسلة عشوائية من الأحماض الأمينية، بدلًا من سلسلة تحددها المعلومات المختزنة داخل الحمض النووي الريبي، ويقول كاريل إن التراكيب الأكبر من الحمض النووي الريبي قد تحتوي على أجزاء تنطوي على هيئة أشكال "تتعرف" على أحماض أمينية محددة عند مواقع محددة، لينتج عنها تركيب محدد الشكل، وقد تحظى بعض هذه الببتيدات المعقدة المخلَّقة على الحمض النووي الريبي بخصائص المواد الحفازة، وتكون معرضةً لضغوط تطورية لتصير أكثر فاعلية، وعن هذا يقول كاريل: "إذا تمكَّن الجزيء من نسخ نفسه، فسيصبح لدينا تكوينٌ أشبه بنسخة مصغرة من كائن حي".