لدى كلٍّ منَّا نقاط ضعف، وعانى جميعنا مشقاتٍ وصعابًا في فترةٍ ما بحياته، لكن من الصعب -حتى لو كنّا في أفضل حالاتنا- الاعتراف بأننا نجد مشقةً كبيرةً في طلب العون، أو في الاعتذار لو حدث أن تجاوزنا حدودنا.

واليوم، بعد عام ونصف من الإجهاد الهائل الذي سبَّبته جائحة عمَّت العالم بأكمله، بدأ كثيرٌ منا اعتياد الشعور بالهشاشة، وأصبحنا بارعين في تجنُّب أي نوع من المحادثات الثقيلة، في بعض الأحيان، مثلًا، قد نصُب جام غضبنا على شيء أو شخصٍ ما للتنفيس عما بداخلنا، دون تحمُّل مسؤولية الضرر الناتج عن أفعالنا، أو قد نعبس تعبيرًا عن ضيقنا من عجز المقرَّبين منّا عن تخمين احتياجاتنا، وفي أحيان أخرى، عندما نعجز عن رسم حدود واضحة مع الآخرين، نفقد قدرتنا على الرفض، لينتهي بنا الحال مستائين من الجميع، بما في ذلك أنفسنا، لأننا أغرقناها في المسؤوليات.
غالبًا ما تكون أفضل طريقة للخروج من هذه الدوائر المفرغة هي الاعتراف للآخرين بالمصاعب التي تُواجهنا، صحيح أن هذه الخطوة مؤلمة ومخيفة، لكن الكتمان يمكن أن يخلق تعقيداتٍ أكبر على المدى الطويل؛ إذ إننا نادرًا ما ننجح في مواراة المشاعر والإحباطات التي نقمعها بداخلنا، ولذا كان من المهم أن يتعلم المرء كيف يعبر عن مشاعره أو أفكاره علنًا، حتى لو خلَّف هذا الشكل من التعبير لدينا شعورًا بفقدان الخصوصية، أو عدم الراحة.
إن هذا الشكل من التعرِّي العاطفي، الصادق والمُتعمَّد، الذي يحدث رغم أنف ما يعتمل في صدر المرء من مخاوف، هو ما نُطلِق عليه -أنا وزميلان لي في جامعة مانهايم، هُما سابين شول وهربرت بليس- اسم "إظهار الهشاشة"، وعلى عكس الأشكال الأخرى للتعبير عن الذات، أو التعري المعنوي، فهذا الفعل دائمًا ما ينطوي على مخاطر، مثل احتمال أن نظهَر أمام الآخرين بمظهر الضعف، أو حتى العجز؛ فقد يجلب الاعتراف بالمشاعر الرومانسية، على سبيل المثال، شعورًا بالألم لو لم تكن هذه المشاعر متبادلة، في حين أن إعلان المرء حبه للبيتزا مثلًا يُعد هو الآخر تعبيرًا صادقًا عن الحب، ولكنه يكاد يخلو من المخاطر.

غير أن نتائج الأبحاث تحمل لنا خبرًا سارًّا مفاده أن مخاوفنا بشأن تقييمات الآخرين السلبية لنا قد لا تتطابق كليًّا مع الطريقة التي يرانا بها الآخرون في الواقع في أثناء مرورنا باللحظات العصيبة؛ فاستنادًا إلى دراسات رائدة سابقة حول الهشاشة، أجرَتها برين براون، الباحثة في جامعة هيوستن، أجريت أنا وزميلاي ست تجارب، كشفت جميعها عن نتائج متسقة؛ فعند التعرُّض لمجموعة متنوعة من المواقف، مثل طلب المساعدة أو الاعتراف بخطأ ما، نظَر المشاركون إلى إظهارهم لهشاشتهم نظرةً أكثر سلبيةً من نظرة الآخرين إليهم، هذا النمط من التصورات المتضاربة هو ما نشير إليه باسم "تأثير الفوضى الجميلة".

وهو تضارُب من المهم أن نكون على درايةٍ به؛ لأنه قد يدفع أشخاصًا للعزوف عن التعبير عن مشاعرهم واحتياجاتهم الحقيقية أمام آخرين؛ ففي بيئة آمنة، وفي ظل وجود شخص يجيد التعبير عن تَفهُّمه عند التحدث إليه، قد يكون لتَعمُّد التعبير عن الهشاشة فوائد هائلة في توطيد العلاقات، على سبيل المثال، تُظهر دراساتٌ أن الإفصاح عن معلومات شخصية قد يزيد من مدى قُرب العلاقة، ويقوِّي الثقة المتبادلة بين أطرافها، إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يؤدي تقديم اعتذار صادق إلى إصلاح علاقة متصدعة.
ومن هنا، واضعين هذه المزايا في اعتبارنا، أردنا بعد ذلك أن نعرف كيف يمكن للناس التغلُّب على تأثير الفوضى الجميلة، وسط كل التصورات المتضاربة التي يخلقها، وفي هذا الصدد، تشير تجاربنا الجديدة إلى أن مفهوم التعاطف مع الذات يمكن أن يؤدي دورًا إيجابيًّا كبيرًا في ذلك عبر مساعدة المرء في اكتشاف جانبٍ جميل من الفوضى المنبثقة عن عيوبه.

تعود أصول مفهوم التعاطف مع الذات إلى التعاليم البوذية القديمة، إلَّا أنَّ علماء اليوم مدينون بالشكر للباحثة في جامعة تكساس بولاية أوستن، كريستين نيف، على صكِّها تعريفًا لذلك المفهوم باستخدام مصطلحات نفسية دقيقة؛ فوفقًا لنيف، يتكون التعاطف مع الذات من ثلاثة عناصر، يكمن أول هذه العناصر في الرفق بالنفس، وهو ما يعني التجاوب مع الصعاب التي يواجهها المرء بصورة متفهِّمة ومتعاطِفة، على سبيل المثال، تنصح نيف الشخص الذي ينتابه شعور بالفشل بتخيُّل نفسه وهو يتحدث بطريقة داعمة إلى صديق يمر بالموقف نفسه، ومن ثَمَّ مناجاة نفسه بالطريقة ذاتها، أمّا العنصر الثاني فهو الإنسانية المُتبادَلة، ويُقصد بها الاعتراف بأن الألم والإخفاقات جزءٌ لا يتجزأ من هذه الحياة ولا مفرَّ لنا منه، وأخيرًا، يتمثَّل العنصر الثالث في اليقظة، وهي التي تستلزم دخول المرء في حالة من الوعي الخالص باللحظة الحالية، فلا هو يتجاهل الصعوبات التي يواجهها، ولا هو يبالغ في تقدير حجمها.

نرى أنا وزميلاي أن التعاطُف مع الذات يمكن أن يؤثِّر في الطريقة التي يرى بها الناس أنفسهم حينما يُظهرون هشاشتهم؛ ذلك أن المواقف التي تدفع المرء إلى إظهار الهشاشة بإمكانها أن تثير مشاعر الخجل والخوف لديه في كافة الأحوال، وهُنا بالتحديد تتجلى أهمية التعاطف مع الذات، إذا تأمَّلنا، على سبيل المثال، لحظة الاعتراف لأحدهم بالخطأ بوصفها أحد المواقف التي تستدعي الهشاشة، فسنجد أن الأشخاص الذين يُعامِلون أنفسهم كما يُعامِلون أصدقاءهم المقرَّبين لا يلومون أنفسهم ولا يتنصَّلون منها بسبب ما يعتريها من عيوب، بل يُذكِّرون أنفسهم بأن عدم الكمال سمة كل مَن هو فانٍ، بالإضافة إلى ذلك، فإن التزام اليقظة في التعامل مع الخطأ يجعل المرء أقل ميلًا إلى المبالغة في تقدير مدى أهمية ذلك الخطأ، أو إنكاره بالكامل.
فحين يكون رد فعل المرء تجاه هشاشته فيه قدرٌ من التعاطف، يُسهِّل هذا عليه ألا يخجل من إظهار هذه الهشاشة للآخرين، ونتيجةً لذلك، توقَّعنا أن يرى الأشخاص المتعاطفون مع أنفسهم إظهار هشاشتهم في ضوءٍ أكثر إيجابية، أي أقرب إلى الطريقة التي يرون بها السلوك نفسه لدى الآخرين، وبناءً على ذلك، تنبَّأنا بأن تأثير الفوضى الجميلة لن يشكِّل أزمةً بالقدر نفسه لدى الأشخاص المتعاطفين مع أنفسهم مقارنةً بالأشخاص الأقل تعاطفًا.

ولاختبار هذا التوقُّع، دعَوْنا 340 طالبًا جامعيًّا للمشاركة في أربع تجارب ركَّزت على مواقف مختلفة مُحفِّزة على إظهار الهشاشة، في إحدى التجارب، قرأ المشاركون نصًّا يطلب منهم تخيُّل أنفسهم، أو تخيُّل شخصٍ آخر من الجنس نفسه، يعترف لمديره بأنه ارتكب خطأً فادحًا في أثناء العمل على مشروعٍ ما، وبعد قراءة النص، طُلب من المشاركين تقييم هذا الاعتراف في ضوء أسئلة من قبيل: هل كان ذلك الفعل فعلًا شجاعًا في نظرهم أم علامة ضعف؟ هل يُظهر الكشف عن الهشاشة قوة المرء أو مدى قصوره؟ وفي نهاية الدراسة أجرينا قياسًا لدرجة تعاطُف المشاركين مع أنفسهم باستخدام مقياس من سبع نقاط صممته نيف. (يمكنك ملء نسخة من هذه الاستبانة بنفسك على موقع نيف الإلكتروني).
وكما هو متوقع، قيَّم الأشخاص الذين يفتقرون إلى التعاطف مع أنفسهم الاعتراف بخطئهم بصورة أكثر سلبيةً من تقييمهم للفعل نفسه عندما أقْدَم عليه آخرون، وعلى النقيض، لم يقع المشاركون في الدراسة ممن يتعاطفون مع ذواتهم فريسةً لأثر الفوضى الجميلة؛ ففي تقييماتهم، كان هامش الاختلاف بين الطريقة التي يرون بها مظاهر الهشاشة في أنفسهم، مقارنةً برؤية مظاهر الهشاشة في الآخرين، أصغر بكثير مما هو عليه لدى الأشخاص الذين يفتقرون إلى التعاطف مع الذات.

وقد أجرينا تجارب مماثلة عبر مواقف مختلفة، مثل كشف المرء عن عيوبه للآخرين أو المبادرة بالاعتراف بالحب لشخص آخر، ولاحظنا تكرُّر نمط الاستجابة نفسه في النتائج الجديدة؛ فبالنسبة للمشاركين الذين يتعاطفون مع أنفسهم بصورة أكبر، وجدنا أنهم يحكمون على مظاهر الهشاشة في أنفسهم بمزيدٍ من الرأفة، بعبارةٍ أخرى، قد يكون الأشخاص المتعاطفون مع أنفسهم أقلَّ تعرُّضًا للوقوع في فخ التصور الخطأ عن النفس، الناجم عن تأثير الفوضى الجميلة، عند تعرُّضهم لمجموعة مختلفة من المواقف.

وعلى الرغم من الفوائد العديدة لإظهار الهشاشة، فهو -بحكم تعريفه- فِعل محفوف بالمخاطر، خاصةً بالنسبة للأفراد المنتمين إلى مجتمعات مُهمَّشة ممن يتحملون في كثيرٍ من الأحيان عبئًا إضافيًّا، يتمثَّل في الاضطرار إلى العيش في بيئات أقل أمانًا من الناحية النفسية، ومن هنا، يجب أن يسأل المرء نفسه دائمًا إذا ما كان مكانٌ أو زمانٌ ما مناسبًا للبَوح بمعلومات شخصية، ولكن في ظل غياب أي تعاطف مع الذات، قد يبدو الكشف عن الهشاشة، حتى وإن حدث في مساحة آمنة، وكأنه أداة تدمير للذات، مما يجعل اتخاذ هذه الخطوة أصعب بكثير، والعكس صحيح؛ فالتعامل مع أنفسنا بلُطف أكبر يمنحنا في النهاية ملاذًا آمنًا، لا نبالي فيه بتبعات إظهار هشاشتنا، ومِن ثَمَّ، لسنا بحاجة إلى أن نؤمن إيمانًا تامًّا بفكرة أن كل شيء سوف يمر بسلاسة إذا كشفنا للآخرين عما نمر به من صعاب، لكن ما يهُم هو أن نثق بقدرتنا على التعامل مع نتيجة هذا الفعل، سواءٌ جاءت بالسلب أو بالإيجاب.

ولحُسن الحظ، فإن مستوى التعاطف مع الذات لدينا ليس ثابتًا، بل يمكننا العمل على تطويره إذا أردنا، على سبيل المثال، يمكن أن يساعد تدوين الأشخاص ليومياتهم على تغيير طريقة تفكيرهم في نقاط القوة والضعف لديهم، وذلك عبر الكتابة عن مشاعرهم بوَعي وتقبُّل، وتقديم كلمات الدعم لأنفسهم، والتأمُّل في الطريقة التي يُفصِح بها الآخرون عن تجاربهم الصعبة، ومن هذا المنطلَق، يمكن القول بأن التدرُّب على التعامل مع أنفسنا برِفق وتيقُّظ قد يجعلنا أكثر استعدادًا لإظهار هشاشتنا دون قلق، وهذه العادة -بدورها- يمكنها توطيد علاقاتنا بالمقرَّبين منَّا.