في وقتٍ سابق من هذا العام، أُطلِقَت ستة روبوتات توصيل تابعة لنظام توصيل «أمازون سكاوت» Amazon Scout في برنامجٍ تجريبي بمقاطعة سنوهوميش في ولاية واشنطن الأمريكية. حملت هذه الروبوتات صندوقية الشكل -التي تشبه صناديق الثلج سداسية العجلات- الوجبات والبقالة والطرود إلى المنازل والمكاتب في تلك المنطقة شمالي مدينة سياتل. بهذا تنضم هذه الروبوتات إلى عددٍ قليل لكنه مُتزايد من السعاة الآليين، الذين يتحركون ببطء على أرصفة شوارع لندن وبكين وغيرها من المدن والمجتمعات في مختلِف أنحاء العالم. تواجه هذه الآلات في أثناء حركتها عديدًا من أرجل المشاة، والكلاب الفضولية، والأرصفة المتصدعة، وهو الأمر الذي يثير سؤالًا مهمًّا: لماذا تستثمر الشركات في روبوتات التوصيل من الأصل؟

تكتسب هذه الخدمات زخمًا؛ نظرًا إلى أنَّ عددًا متزايدًا من سكان المدن حاليًّا يعتمدون على خدمات التوصيل للحصول على طلباتهم كلها تقريبًا، فورًا أو في مواعيد بعينها. فبين عامي 2016 و2017، زادت مبيعات التجزئة عبر الإنترنت في الولايات المتحدة بنسبة 16%. وفي الوقت الحالي يزداد انتشار شركات توصيل مكونات الوجبات، وكذلك تزداد نسبة مبيعات محلات البقالة عبر الإنترنت. في المرحلة الأخيرة من جميع عمليات التوصيل هذه، التي يُطلق عليها الميل الأخير، عادةً ما ينقل الطرود أشخاصٌ يركبون دراجاتٍ هوائية، أو دراجاتٍ بخارية بمحركات، أو شاحنات توصيل كبيرة. تتزاحم جميع هذه المركبات في الشوارع الحضرية المزدحمة بالفعل. وعن ذلك يقول بول ماكي، مدير البحوث والاتصالات في مختبر سهولة التنقل، وهو مركز لأبحاث سياسات النقل في أرلينجتون بولاية فرجينيا: "عمليات التوصيل في جميع المراكز كثيفة السكان بالمدن مستمرة في الزيادة، وإذا لم يبدأ قادة المدن والولايات في التفكير في ابتكاراتٍ مثل عمليات التوصيل بالروبوتات، فيمكننا أن نتوقع اختناقاتٍ مرورية أسوأ بينما نحاول جميعًا الوصول إلى وجهاتنا".

ووجدت دراسة أجراها مختبر سهولة التنقل وجامعة جورج ماسون أنَّ 73% من مركبات الشحن والتوصيل في أرلينجتون كانت تتوقف خارج أماكن الانتظار المصرح بها، وغالبًا ما تسُد حارات الدراجات ومعابر المشاة، وتعوق الوصول إلى حنفيات إطفاء الحرائق. لذا، بنقل المرحلة الأخيرة من عمليات التوصيل هذه من الطريق إلى الرصيف، يمكن للمدن تقليل الازدحام المروري، والقضاء تمامًا على مشكلة وقوف مَركبات الشحن خارج أماكن الانتظار، وفق ماكي.

لكنَّ غرض الكيانات -مثل شركة أمازون- من تطوير تقنية التوصيل هذه ليس ببساطة القضاء على الازدحام المروري. إذ يمكن للمركبات ذاتية القيادة وروبوتات الأرصفة تخفيض تكاليف التوصيل في الميل الأخير بالمدن بنسبة تصل إلى 40%، وفقًا لتقريرٍ صدر عام 2018 عن شركة «ماكينزي أند كومباني» McKinsey & Company للاستشارات في نيويورك. صحيحٌ أنَّ تصنيع روبوت التوصيل الواحد يُكلف آلاف الدولارات، ويتطلب معظمها حاليًّا إشرافًا وصيانةً بشريين، لكن على المدى الطويل، يمكن أن ينتهي الأمر بالشركات التي تثبت جدارتها في مجال مركبات التوصيل ذاتية القيادة خلال السنوات القليلة القادمة إلى توفير مليارات الدولارات، حسبما ذكر التقرير.

لاكتساب ثقة الجمهور، ينبغي أن تثبت هذه الآلات أنَّها تستطيع مشاركة مساحات المشاة مع البشر بأمان، دون إعاقتهم أو مضايقتهم. بعض المدن الأمريكية فيها شوارع وأرصفة كثيرًا ما تكون فارغةً إلى حدٍّ ما، وقد لا تشهد مرور أي مشاة لساعاتٍ طويلة. وهذه الشوارع والأرصفة يمكنها استيعاب الروبوتات، وفق قول رينيا إيرينفويشت، رئيسة قسم التخطيط المجتمعي والإقليمي بجامعة نيو مكسيكو في ألباكوركي، والمؤلفة المشاركة لكتاب «الأرصفة: الصراع والتفاوض في المساحات العامة»Sidewalks: Conflict and Negotiation in Public Space. لكن عندما يصبح الرصيف أكثر ازدحامًا، فحتى الروبوتات التي تنطلق بسرعة مشي الإنسان ستواجه بعض التحديات، وهذه التحديات ستزداد سوءًا في المدن الأمريكية ذات الأرصفة الضيقة. وتضيف إيرينفويشت: "من الصعب حقًّا التنقل عبر الأرصفة المزدحمة وعدم الاصطدام بالأشخاص، وفعل ذلك بسلاسة. لذا، إلى أن تصبح روبوتات التوصيل ماهرةً إلى هذه الدرجة، هذا إن كان يمكنها ذلك، فستعوق البشر".

وقد يواجه روتين روبوتات الأرصفة أيضًا بعض العراقيل، التي تتضمن المارّة الفضوليين الذين يسدون طريقها، واللصوص الذين يتطلعون إلى سرقة الطرود في أثناء توصيلها. هذه المشكلة الأخيرة يمكن حلها باستخدام آليات إقفال للطرود يُتحكم فيها عن بُعد. لكن هناك أمثلة كثيرة على عراقيل أخرى، منها مقطع فيديو نُشر في العام الماضي، يعرض روبوت توصيل عجز عن الحركة لفترةٍ مؤقتة، بعد أن غطى أطفالٌ كاميراته ومجساته بالثلوج. وهناك أيضًا التجربة الاجتماعية للروبوت الكندي «هيتش بوت» hitchBOT، والتي سافر فيها هذا الروبوت البسيط الشبيه بالبشر عبر كندا وأوروبا، قبل أن ينتهي به المطاف مقطوع الرأس بمدينة فيلادلفيا في بداية جولته الأمريكية. ولهذا تقول ماري كامنجز، مديرة مختبر البشر والتحكم الذاتي في جامعة ديوك: "أعتقد بالفعل أنَّ المشكلة الأكبر ستكون إما المزاح، أو السلوك الشرير الصريح تجاه هذه الأشياء".

لكنَّ شركة «ستارشيب تكنولوجيز» Starship Technologies -التي يقع مقرها في سان فرانسيسكو وإستونيا- أكثر تفاؤلًا بشأن المسألة. نفَّذ المئات من روبوتات الشركة بالفعل 25 ألف عملية توصيل، متنقلين في الأحياء المحلية باستخدام برنامج للتعلم الآلي، ومجسات، وخرائط رقمية. ويقول ريان توهي، كبير نواب رئيس الشركة والمعني بتطوير الأعمال: إنَّ غالبية الأشخاص الذين يتشاركون الأرصفة مع روبوتات شركته بالكاد يلاحظونها، وحين يفعلون يكون الأمر إيجابيًّا في معظم الأحيان. ويضيف توهي: "بعد تنقُّل روبوتاتنا في منطقةٍ ما لفترة من الوقت، يعتادها الناس. لقد أصبحت الروبوتات جزءًا من المجتمع، ويحرص السكان على سلامتها". تعمل هذه الروبوتات مستقلةً بالكامل تقريبًا في المناطق المحددة على الخرائط، لكنَّها تخضع لمراقبةٍ عن بعد من مُشغّلين بشريين للتدخل عند الحاجة. ومع ذلك، فحتى شركة «ستارشيب تكنولوجيز» سبق أن اعترفت بأنَّ بعض الأشخاص يركلون أحيانًا روبوتاتها التي تبلغ قيمة الواحد منها 5,500 دولار أمريكي في أثناء مرورها.

تشمل التحديات الأخرى إتقان تصميم البرمجيات التي تساعد روبوتات التوصيل على تجنُّب الأجسام الثابتة والمتحركة، والتعامل مع مسؤولي المدن الذين يريدون حماية المساحات العامة. فعلى سبيل المثال، فرضت مدينة سان فرانسيسكو –التي توجد فيها بعض شركات التوصيل الناشئة مثل «دور داش» DoorDash و«بوست مايتس» Postmates- حظرًا مفاجئًا في عام 2017 على عمليات التوصيل بروبوتات الأرصفة ذاتية الحركة، ولم تُتِح الفرصة للشركات الراغبة في الحصول على تصاريح للعمل إلا ببطءٍ شديد. وهناك مجتمعاتٌ أمريكية أخرى وضعت قواعد تنظيمية تتعلق بالأماكن التي يمكن أن تذهب إليها هذه الروبوتات، وكيف ينبغي لها أن تتصرف.

نظرًا إلى هذه العقبات، فإنَّ روبوتات الأرصفة ربما لا تهيمن في المستقبل. لهذا طورت شركة «نورو» Nuro -وهي شركة ناشئة أسسها موظفان سابقان في شركة «جوجل» Google- مركبة التوصيل «آر 1» R1، التي تعمل دون سائق وتتحرك في الشوارع وليس على الأرصفة. تنضم هذه المركبة إلى أسطول الشركة الحالي من سيارات «تويوتا بريوس» ذاتية القيادة، والتي أنجزت بالفعل منذ منتصف ديسمبر 2018 حوالي ألف عملية توصيل بقالة في مدينة سكوتسديل بولاية أريزونا. أما بالنسبة لطائرات التوصيل بدون طيار، فإنَّها تواجه تحدياتها الخاصة، غير أنَّها يمكن أن تقدم خدماتٍ أكثر انتشارًا في المناطق الريفية والضواحي التي لا تخضع أرصفتها لصيانةٍ جيدة.

وفي نهاية المطاف، قد يكمن الحل الأفضل لهذا الفيض من مركبات التوصيل خارج نطاق التكنولوجيا. إذ أشار تقرير شركة «ماكينزي أند كومباني» لعام 2016 إلى أنَّ الدراجات القديمة ما زالت الخيار الأفضل من حيث التكلفة في المرحلة الأخيرة من الكثير من عمليات التوصيل. وكتب محللو الشركة: "إذا لم تصبح الروبوتات أرخص بكثير، فربما يصبح سعاة الدراجات أفضل وسيلة للتوصيل الفوري في المناطق الحضرية."