يشير تسريبٌ لمسوّدة حكم سيصدر عن المحكمة العليا إلى أن أعلى هيئة قضائية بالبلاد استقرت على إبطال الحكم التاريخي الصادر في قضية «رو ضد وايد» Roe v. Wade، الذي يكفُل حق المرأة في الإجهاض، وكانت صحيفة «بوليتيكو» Politico أول مَن أورد معلومات بشأن مسوّدة الحكم، وفي حال صدور قرار الإبطال رسميًّا في وقت لاحق من العام الجاري، من المحتمل أن تمرر نصف الولايات الأمريكية تقريبًا قوانين –أو ستضع قوانين صادرة بالفعل موضع النفاذ– تفرض قيودًا شديدةً على الحصول على الإجهاض، وتكشف واحدة من أكثر الدراسات شمولًا حتى تاريخه أن النساء اللاتي مُنعن من الإجهاض وأُجبِرن على إتمام حمل غير مرغوب فيه، عانين تبعاتٍ مستدامةً على صحتهن ورفاههن ووضعهن المادي.

كان من المتوقع أن يأتي حكم المحكمة العليا على هذا المنوال، ومع ذلك، أصاب الخبر الباحثين المعنيين بحقوق الإنجاب بالذهول، "قسوة القرار صادمة"، على حد تعبير ديانا جرين فوستر، أستاذة طب التوليد وأمراض النساء والعلوم الإنجابية في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو.

قادت فوستر دراسة «تيرن أواي» Turnaway Study الشهيرة، وهي دراسة استقصائية ضخمة وشاملة تقارن النساء اللاتي أُتيح لهن حق الإجهاض بنساء اجتزن مدة الحمل المسموح خلالها قانونًا بالإجهاض بفترة وجيزة، ومن ثم لم يُسمَح لهن بالإجهاض، اكتشفت الدراسة أن النساء اللاتي مُنِعنَ من الإجهاض كُنَّ أكثر تعرضًا للإصابة بالتأثيرات الصحية السلبية، بما في ذلك تدهور الصحة النفسية، مقارنةً بالنساء اللاتي أتيح لهن الإجهاض، كما زادت لدى هذه المجموعة احتمالات تردِّي الأوضاع المادية التي تتضمن تدنِّي الأرصدة الائتمانية وتراكُم الديون والإفلاس. (لم تشمل الدراسة النساء الحُبليات اللاتي لم تُعَرَّف هويتهن الجندرية كامرأة).

تحاورت «ساينتفك أمريكان» Scientific American مع فوستر بشأن نتائج دراسة «تيرن أواي» والآثار التي من المحتمل أن يخَلِّفها حكم المحكمة العليا بإبطال حكم « رو ضد وايد» على اللائي يَسعين للحصول على الإجهاض في البلاد.

]فيما يلي نص مُحَرَّر من تفريغ اللقاء[.

ماذا كان رد فعلك عندما علمتِ بشأن مسوّدة الحكم المُسَرَّبة التي تشير إلى اعتزام المحكمة العليا إبطال حكم « رو ضد وايد»؟

كنت أتوقع صدور هذا القرار؛ لأن أحكام قضاة المحكمة العليا بشأن الإجهاض معروفة جيدًا، ولكن ما صدمني هو أنه كان تسريبًا، إذ لم يسبق حدوث هذا الأمر، كما أن قسوة القرار كانت صادمة أيضًا، أليس كذلك؟ إذ لا أستطيع استيعاب فكرة أن الدستور لن يحمي اتخاذ الناس قرارهم في مسألة أساسية بحتة مثل الإنجاب عندما تكون له آثار هائلة على صحتهم وعلى قدرتهم على دعم أنفسهم وأطفالهم.

كما صدمتني فكرة الاستناد إلى أن حكم «رو ضد وايد» ربما كان حُكمًا خطأً –بالإضافة إلى الكيفية التي علمنا بها بوجود انقسام داخل بلادنا– فهذه الأمور لا تتفق مع مبادئ دستورنا؛ إذ لا يتعلق الأمر بإحداث انقسام في بلادنا، بل برفاه الأفراد، لذا فإن الدوافع باطلة.

هل يمكنكِ أن تتحدثي بإيجاز عن دراسة «تيرن أواي»؟ وما النتائج الرئيسية التي توصلتِ إليها؟

تتبعت دراسة «تيرن أواي» الأشخاص الذين سعوا إلى الإجهاض، بعضهم تمكن من الحصول عليه والبعض الآخر كانوا قد تجاوزوا المدة المسموح فيها قانونًا بالإجهاض ومُنِعوا منه، سعت الدراسة للإجابة عن السؤال: "ما الآثار التي يخلِّفها السماح للناس بالإجهاض على صحتهم ورفاههم؟"، وما لاحظناه أن الأشخاص الذين أُجبِروا على إتمام الحمل حتى النهاية عانوا أعباءً صحية جسيمة وزادت احتمالات تعرُّضهم لمخاطر صحية أكبر، وتتفق هذه النتائج مع الأبحاث الطبية السابقة؛ فنحن نلحظ حدوث مضاعفات أكبر بسبب الولادة مقارنةً بالإجهاض، وفي الحقيقة، توفيت امرأتان ممن شاركن في الدراسة عقب الولادة.

ما الآثار الأخرى التي خلَّفها المنع من الإجهاض على النساء وأسرهن؟

شاهدنا مرور الأشخاص الذين أنجبوا طفلًا قبل أن يستعدوا لذلك بضوائق اقتصادية، وقسنا ذلك من خلال التقارير الذاتية التي أخبرَنا فيها هؤلاء الأشخاص بأنهم يعيشون في فقر -بالنظر إلى مستوى دخلهم مقارنةً بحجم الأسرة- ويمكننا أيضًا ملاحظة ذلك بمراجعة أرصدتهم الائتمانية؛ فقد لاحظنا أن الأشخاص الذين سعوا للإجهاض كانوا يتمتعون بالتصنيفات الائتمانية نفسها قبل حدوث الحمل، أما بعد أن أنجبت إحدى المجموعتين، فيمكنك من خلال مراجعة أرصدتهم الائتمانية وسجلاتهم المالية العامة ملاحظة أن الفريق الذي مُنِعَ من الإجهاض مُنِيَ بحالات أكثر من الإفلاس والطرد من المسكن وغلبة الديون، مقارنةً بالفريق الذي حصل على الإجهاض المنشود.

وفي الواقع لاحظنا معاناة الأطفال من تدهور الأوضاع الاقتصادية كذلك؛ فغالبًا ما يقول الناس إن سبب سعيهم للإجهاض هو الرغبة في التمكُّن من رعاية أطفال أنجبوهم بالفعل، ولاحظنا أن مَن مُنعوا من الإجهاض زادت احتمالات أن يعيش أطفالهم في فقر، كما تراجعت احتمالات تخطِّيهم مراحل النمو النموذجية مقارنةً بالأطفال الذين تمكنت أمهاتهم من إجراء الإجهاض.

عادةً ما يظن الناس أن مَن يسعون إلى الإجهاض لا يريدون الإنجاب على الإطلاق.. فهل هذا صحيح؟

كثيرٌ ممن خضعوا لإجراء الإجهاض يرغبون في إنجاب أطفال فيما بعد عندما تتحسن ظروفهم، وعندما يفعلون ذلك، أي عندما يُجهَضون ثم ينجبون طفلًا فيما بعد، نلحظ أن أحوال هؤلاء الأطفال تكون أفضل من الأطفال الذين ولِدوا بعد أن مُنِعَت أمهاتهم من الإجهاض، من حيث الارتباط العاطفي بينهم وبين أمهاتهم، والرفاه الاقتصادي الذي ينعمون به، أي فرص أن يكون لدى أسرهم ما يكفي من المال للإنفاق على الغذاء والرعاية الصحية.

هل تنتمي النسبة الأكبر من الأشخاص المتأثرين بتبعات القوانين المقيّدة للإجهاض إلى الطبقة الأدنى اقتصاديًّا واجتماعيًّا؟

نعم.

هل تعتقدين أن المحكمة العليا تجاهلت العلوم والأبحاث الخاصة بالإجهاض؟

لا أعلم إن كانت قد فعلت ذلك أم لا، ولكني أعلم أنه عندما عُرِضت القضية على المحكمة العليا، قال القاضي جون روبرتس بوضوح: "نحِّ البيانات جانبًا"، وهذا ليس مؤشرًا جيدًا، أن يُصدر القاضي حكمًا استنادًا إلى دوافع أيديولوجية بحتة، وألا ينظر إلى الأدلة المتعلقة بكيفية تأثير الحكم على الأسر، ويقرر ألا يبني قراره إلا على أسس سياسية أو دينية.

هل دراستك مذكورة في أيٍّ من المذكرات الاستشارية التطوعية لقضية «دوبس ضد منظمة جاكسون لصحة المرأة[DW1] » المنظورة أمام المحكمة العليا؟

أعدَّ متخصصون في علم الاجتماع مذكرةً تتطرق إلى دراستي، بالإضافة إلى مذكرتين أُخريين تتناولان دراستي باستفاضة، إحداهما أعدها باحثون في مجال الصحة العامة والأخرى اقتصاديون، وهناك مذكرة تطوعية كاملة أعدها الخصم… في محاولة لإسقاط دراسة «تيرن أواي»، غير أن مواضع انتقادهم للدراسة معظمها مَعيب.

كما تعلمين، هم لا يفهمون مدى شيوع حمل النساء بشكل غير مقصود والظروف المصاحبة لذلك.

بعض الدراسات التي أُجريت حول آثار الإجهاض قارنت أشخاصًا أنجبوا طفلًا مرغوبًا فيه بأشخاص لجأوا إلى الإجهاض.. فهل هذه المقارنة خطأ؟

الناس الذين أنجبوا طفلًا مرغوبًا فيه حققوا نتائج أفضل مصاحبة، والسبب في ذلك ليس اختلاف الأشخاص بل اختلاف الملابسات التي يعيشها الأشخاص، أي الأشخاص نفسهم ولكن تحت ظروف مختلفة، إذا سمحتِ لشخص بالإجهاض، فقد يتغير رأيه فيما بعد ويرغب في إنجاب طفل في ظل ظروف يراها مناسبة؛ فالأمر لا علاقة له باختلاف الأشخاص حول الإنجاب، بل بأشخاص يتمتعون بالقدرة على إنجاب أطفال عندما يكونون مستعدين لذلك.

ثمة دراسة تقارن فعليًّا النتائج التي مُني بها أشخاص أُجبِروا على إتمام الحمل حتى النهاية بنتائج أشخاص تمكنوا من الإجهاض ثم استطاعوا إنجاب أطفال فيما بعد، ولم تكن كل حالات الحمل التي وقعت فيما بعد بالمجموعة التي سمح فيها بالإجهاض مخططًا لها مسبقًا، بل لم يكن معظمها كذلك، ومع هذا، قررت الأم إتمام الحمل حتى النهاية، لينعم الطفل الناتج عن هذا الحمل بظروف اقتصادية أفضل، كما أن الروابط العاطفية بينه وأمه كانت أقوى.

في الدراسة التي أجريتِها، هل سعت النساء اللاتي لم يحصلن على موافقة قانونية إلى الإجهاض بأي طريقة؟

في الدراسة التي أجريناها، كن في الأغلب لا يسعين إلى ذلك، كن يسافرن ويقطعن مسافات طويلة ليتمكنَّ من إجراء الإجهاض في مكان آخر، أو ينجبن الطفل، ولكن الغالبية العظمى منهن كانت تنجب الطفل لأن الأماكن المسموح فيها بالإجهاض محدودة للغاية.

بناءً على دراستك، ما الآثار التي سيخلِّفها حكم المحكمة العليا على النساء الحُبليات اللاتي يرغبن في الإجهاض؟

لمجرد أن المحكمة العليا ستدع الولايات تحظر الإجهاض، ستعاني النساء اللاتي سيُمنَعن من الإجهاض تدهورًا في الصحة الجسدية وتفاقمًا في الضوائق الاقتصادية وتخلفًا عن تحقيق خططهن الطموحة، وسينشأ أطفالهن في ظل أوضاع اقتصادية أكثر تزعزعًا، وستنقلب حياة هؤلاء النساء رأسًا على عقب