كيف يستطيع عازف الكمان أن يعزف لحنه الملائكي؟ ولماذا أنهمِك إلى هذا الحد في قراءة كتابي بينما يعاني آخرون الأمرَّيْن في القراءة؟ وبينما نحاول الإجابة عن تلك التساؤلات، أيمكنك أن تخبرني لمَ لا تكف طفلتي عن الصراخ؟

يقدم علم الأعصاب اليوم إجابات عن تلك التساؤلات، أو هكذا تزعم عناوين الأخبار؛ فأدمغة الموسيقيين تختلف "بالفعل اختلافًا حقيقيًّا" عن أدمغة باقي البشر، ومَن يعانون من اضطراب القراءة لديهم وصلات عصبية مختلفة عن تلك الموجودة لدى مَن لا يعانون من تلك الحالة المرضية، أمّا صراخ طفلتك ونوبات غضبها فيرجعان إلى منطقة في دماغها مرتبطة بالعواطف، وتُسمَّى اللوزة الدماغية، باختصار، الأمر كله يكمن في الدماغ!

صحيح أن علم الأعصاب علمٌ مذهلٌ، لكن حبنا للعلم ليس هو المحرك الوحيد لشغفنا بمثل هذه التساؤلات؛ فقلةٌ منا مَن يبالون بالتفاصيل العلمية للدور الذي تؤديه الجزيئات والشحنات الكهربائية في حياتنا النفسية، فضلًا عن ذلك، فإن فهمنا للظواهر الكامنة خلف تلك التساؤلات لا يزداد عمقًا بالضرورة عندما ننسبها إلى الدماغ؛ فأنت غالبًا لن تحتاج إلى إجراء مسح دماغي لتعرف أن طفلتك غاضبة، ولا عجب أيضًا في أن دماغ أحد عازفي الكمان الهواة سيعمل بصورة مختلفة عن دماغ عازفٍ محترفٍ مثل يويو ما، ولا أن أدمغة مَن يعانون من اضطراب القراءة تختلف على نحوٍ ما عن أدمغة غيرهم، أين عساها أن تكمن تلك الاختلافات إن لم يكن في الدماغ؟

ومن هنا، يمكن القول بأن ذيوع مثل هذه الأخبار العلمية يشير إلى تحيزٍ ما؛ فمثلما أثبتت تجارب عدة، فإن الدماغ يمثل نقطة ضعف بالنسبة لنا، على سبيل المثال، في دراسة بارزة تناولت سر "بريق علم الأعصاب"، عرض فريقٌ من الباحثين بجامعة ييل على المشاركين في دراستهم ظاهرة نفسية (مثل تَعلُّم الأطفال للكلمات الجديدة) وطرحوا لها تفسيرين، أرجع أحد التفسيرين الظاهرة إلى آلية نفسية، وجاء التفسير الآخر مطابقًا للأول فيما عدا أنه انطوى كذلك على إشارة إلى إحدى مناطق الدماغ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن التفاصيل الخاصة بالتفسير الدماغي كانت بمنزلة حشو لا فائدة منه؛ فلم تضف تلك التفاصيل شيئًا لتحسين هذا التفسير، حسبما ارتأى علماء الأعصاب، لكن عوام الناس رأوا أنها أضافت الكثير، حتى إنه ما إن ذُكِر الدماغ، غضَّ المشاركون الطرف عن العيوب المنطقية الجسيمة التي اعترت التفسير.

بيد أن وقوع الناس في هوى التفسيرات الدماغية طالما كان لغزًا علميًّا، تشير الدراسات السابقة إلى أنه لا استخدام صور الدماغ الواضحة التي ترافق تلك التفسيرات، ولا التعقيد الذي يعتريها، ولا المصطلحات العلمية التي تتخللها، يمكن تصنيفها على أنها الدافع الوحيد وراء ميل الناس نحو التفسيرات الدماغية للظواهر النفسية، رغم أن هذه العوامل تؤدي دورًا في انبهارنا بالدماغ، فإن هذا الانبهار لا يزول حتى بعد أن يستبعد العلماء التفسير الدماغي لظاهرةٍ ما، وهنا، يأتي دور الاختزالية، أي ميل الإنسان إلى تفسير الظواهر العلمية عند مستوى معين باللجوء إلى مستوى آخر أبسط (كاختزال علم الأحياء في علم الكيمياء)، وقد وجد الباحثون أن الناس يفضلون بالفعل التفسيرات الاختزالية، لكن الميل إلى اختزال علم النفس في علم الأعصاب قويٌّ للغاية، أقوى منه في المجالات العلمية الأخرى.

أجرى مختبري مؤخرًا العديد من الأبحاث التي ألقت المزيد من الضوء على هذا اللغز، دعوت أنا وزملائي، في إطار سلسلة من الدراسات، مئات من المشاركين -وكلهم من غير العلماء- ليشاركوا في "لعبة الطبيب السريري"، كان على المشاركين أن يشخصوا حالةً سريريةً إمّا باستخدام اختبار دماغي أو اختبار سلوكي، كان الاختباران متساويين في احتمالية تقديمهما لتشخيص، بالرغم من ذلك، رأى المشاركون أن الاختبار الدماغي أكثر نفعًا، وبدأوا في استخلاص استنتاجات أبعد ما تكون عن النتائج الفعلية للاختبار، كشفت هذه الاستنتاجات، بدورها، عن أن الناس يعتنقون أفكارًا معينة فيما يخص الدماغ، وهذه الأفكار قد يكون من شأنها تسويغ إيمانهم المطلق بالتفسيرات المستمدة من علم الأعصاب في المقام الأول.

ولكي تتخيل هذه التجارب التي أجريناها، افترِض أن عليك -بصفتك طبيبًا سريريًّا- أن تتوصل إلى تشخيص لمريض قد يكون مصابًا بالتوحد، يركز الاختبار التشخيصي على إحدى السمات المدروسة جيدًا للحالة المرضية، ألا وهي أن المصابين بالتوحد يواجهون صعوبةً في تخمين ما قد يعرفه الآخرون وما قد يفكرون فيه في موقف معين، وكأن هذا الموقف منفصلٌ عن معرفتهم وأفكارهم الخاصة، تعرض على مريضك مقطع فيديو يُظهر شخصية اسمها بوب، وهو يحرِّك مفاتيح السيارة الخاصة بشخصية أخرى اسمها جاين، وهي غير منتبهة، يتعين على المريض أن يتنبأ بما إذا كانت جين سوف تبحث عن مفاتيحها حيث تركتها هي أم أنها ستبحث عنها حيث وضعها بوب (وهي حقيقة لا يعلمها إلا المريض وحده)، لأن كثيرًا من المصابين بالتوحد يفترضون أن الآخرين لديهم المعلومات نفسها التي لديهم، فعند عرض هذا المقطع على مصاب بالتوحد فإنه سيتوقع أن جاين ستبحث عن مفاتيحها حيث تركها بوب، ومن ثَمَّ، يسعى الطبيب -وهو أنت في هذه الحالة- لرصد ما إذا كان المريض قد أصيب بالدهشة حين بحثت جاين عن مفاتيحها حيث تركتها.

يصبح لديك حينئذٍ خياران، يتمثل الخيار الأول في أن تلاحظ رد فعل المريض باستخدام وسيلة سلوكية، كتقنية تتبُّع حركة العين، ويمكنك باستخدام هذه التقنية أن ترصد الدهشة في حالة أن ظل المريض يحدق في جاين طويلًا، أمّا الخيار الثاني فهو أن تستخدم أحد أساليب مراقبة الدماغ؛ إذ يدل وجود "طفرة" في النشاط الدماغي على الدهشة، أيُّ الاختبارين أفضل؟

الاختباران، في الحقيقة، متكافئان، لكن أغلب الأفراد -كما توقعت على الأرجح، عزيزي القارئ- يحبِّذون الاختبار الدماغي، سعيًا لمعرفة السبب، طلب زملائي بعد ذلك من المشاركين التفكير في سيناريو مختلف، كان المريض تلك المرة مشتبهًا في إصابته بالتوحد أيضًا، لكن العَرَض الذي على المشاركين البحث عنه كان إحساسًا يتمثَّل في حساسية مفرطة حيال الصوت، تجعل المصابين بالتوحد يعانون من تشتت الانتباه من جرَّاء تعرُّضهم للضوضاء، كما كان الحال في الحالة الأولى، شخَّص المشاركون هذه الحالة المرضية إما بالمراقبة السلوكية (حيث تكشف حركة العين تشتُّت المريض) أو المراقبة الدماغية (حيث تزيد الضوضاء المُشتِّتة من نشاط الدماغ)، غير أن تفضيل المشاركين للاختبارات الدماغية كان أضعف كثيرًا هذه المرة.

إذًا، لماذا يميل الناس إلى الاستناد إلى الأدلة الدماغية عند النظر في أفكار شخصٍ ما أكثر من ميلهم إليها عند التركيز على أحاسيسه؟ ذهبت أنا وزملائي إلى أن هذا الاختلاف يعكس كيفية تصوُّر الأفراد للأفكار من ناحية في مقابل تصورهم للأحاسيس من ناحيةٍ أخرى، عادةً ما يترجم الأفراد الأحساسيس كشيء "مُجسَّد"، أي شيء نربطه بأجزاء محددة من الجسد؛ فنحن نسمع بآذاننا ونرى بأعيننا، أما الأفكار فتبدو -على النقيض من ذلك- غير محسوسة على نحوٍ غريب، رغم معرفتنا العقلانية بأن الأفكار "تعيش" داخل الدماغ، يسمى هذا الميل للنظر إلى العقل باعتباره منفصلًا عن الجسد بثنائية العقل والجسد، تناولت مجموعتي البحثية هذا الميل بالدراسة المستفيضة في أعمال بحثية سابقة، واكتشفت أنه يتخلل كثيرًا من افتراضاتنا الضمنية حول الإدراك؛ فالناس يظنون -على سبيل المثال- أن احتمالية بقاء الأفكار حتى الشيخوخة أكبر من احتمالية بقاء الأحاسيس، لكن احتمالية ظهور الأحاسيس في المسوح الدماغية أكبر، لذا، وبالرغم من الحقائق العلمية، فإننا نؤمن بهذه الثنائية في داخلنا؛ إذ ننظر إلى العقل بوصفه كيانًا منفصلًا عن الجسد.

وقد تُسهم ظاهرة الثنائية في تفسير ما يتمتع به علم الأعصاب من بريقٍ مُغرٍ؛ إذ يرجع ذلك إلى أن ميولنا الثنائية تضعنا في مأزق نفسي متى واجهتنا أدلة على تفاعُل أفكارنا غير المحسوسة مع أجسادنا، في تجربة حديثة، طلبْت من المشاركين إيجاد تفسير منطقي لأفعالنا المعتادة التي نمارسها في حياتنا اليومية، مثل مد ذراعنا ناحية كوب القهوة، وقيَّم المشاركون الأفكار (التفكير في القهوة) على أنها سبب أقل منطقيةً لحركة الذراع من الإدراك الحسي (رؤية القهوة)، يعني ذلك أننا قد لا نتردد في نسبة أفعال الآخرين إلى أفكارهم، بيد أن القول بأن العقل قد يؤثِّر على المادة على ذلك النحو لا يزال -في الحقيقة- أمرًا مربكًا بالنسبة لنا، ومع ذلك، تخفف التفسيرات الدماغية من حدة هذا الارتباك؛ فما دام الدماغ -الذي يُعَد جزءًا من الجسد- هو الذي تسبَّب في حركة الذراع (جزء من الجسد)، فما من تفاعلات غير ملموسة بين العقل والمادة، وهكذا تم حل اللغز! إنني أرى أن التفسيرات الدماغية مُغرية بالنسبة لنا لأنها تهدئ من توتر معادلة المادة والجسد الذي انبثق عن ميلنا إلى التفكير الثنائي، ونظرًا إلى أن هذا التوتر يبلغ ذروته عند الحديث عن الأفكار، فإن الرغبة في إسقاط التفسيرات الدماغية البراقة على الفكر تكون أقوى من رغبتنا في إسقاط التفسيرات نفسها على الإحساس، الذي نربطه بالجسد.

لكن افتتاننا بالدماغ لا يقتصر على مسألة الثنائية فحسب، صحيح أن كثيرًا من الناس يَعدُّ التفسيرات الدماغية أكثر جاذبية، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فقد اكتشف مختبري أيضًا أن الناس يميلون إلى اعتقاد أن المعلومات المرتبطة بالدماغ يمكن أن تكشف "جوهر" الشخص، أي شخصيته الفطرية، لذلك فعندما يعلم المشاركون أنه تم تشخيص حالة الاكتئاب لدى امرأةٍ ما باستخدام اختبار دماغي، فإنهم يستنتجون بالخطأً أن الاكتئاب متوارثٌ في عائلتها، وأن الأعراض سوف تدوم طويلًا، أما لو جرى تشخيص حالتها باستخدام تقييم سلوكي، فإن المشاركين يصيرون أقل اقتناعًا بعلاقة العائلة بالاكتئاب أو بأن الأعراض سوف تستمر مدةً طويلة. (لا علاقة، في الحقيقة، بين نوع الاختبار ومثل هذه المسائل).

إننا نعتقد أن هذه النتائج تعكس أحد المبادئ الأخرى لعلم النفس الحدسي، ألا وهو الجوهرية، وهي الإيمان بأن الحالة التي نجد عليها كل امرئ حي هي انعكاس لجوهر ثابت مستقر في جسده، عندما يعتقد الأفراد أن تشخيصًا لإحدى حالات الاكتئاب قد تضمَّن مسحًا دماغيًّا، فإن حدسهم الجوهري، القائم على فكرة أن "ما في الجسد متأصل وفطري"، يجعلهم ينظرون إلى اكتئاب المريض باعتباره حالة خِلْقية وغير قابلة للتغيير، ومن ثَمَّ، ففرضية الجوهرية تقدم تفسيرًا آخر للإغراء الكامن في الدماغ.

ويعرف جميعنا، عند الحديث على مستوى عقلاني، أن التفكير يحدث داخل الدماغ، وأن دماغنا لا يمثل جوهرنا الثابت، ولا يشكل مصيرنا، لكن، كما أوضحت الدراسات التي أُجريت في مختبري، يشير علم النفس الحدسي إلى خلاف ذلك، يُسفر هذا التوجه عن تبعات بعيدة المدى؛ فمثل هذه الاعتقادات لا تُغذِّي غرامنا غير العقلاني بالدماغ فحسب، بل قد تؤثر على تفكيرنا بشأن الاضطرابات النفسية، وتروِّج لوصم المرضى بالعار.

ولكن يمكن لتفكيرنا العقلاني -لحسن الحظ- أن يسيطر على هذه التحيزات، مما يعزز مستوى أفضل من التنوُّر العلمي، ويخلق مجتمعًا أكثر رفقًا وتراحمًا، ولذا، فلكي نصل إلى هذه الغاية، يتعين علينا أن نواجه تحيزاتنا بوقفة جادة ونظرة متمعنة.