عندما تغترف بيديك ملء مجرفة من التربة السليمة، فالأرجح أنك ستحمل حينئذٍ عددًا من الكائنات الحية يفوق عدد البشر على كوكب الأرض.

في صورةٍ أشبه بقاطني مدينة تحت الأرض لا يعرف النوم إليها سبيلًا، تنخرط عشرات الآلاف من الأنواع التي تسكن جوف الأرض من اللافقاريات والديدان الأسطوانية والبكتيريا والفطريات في ترشيح مياهنا وإعادة تدوير العناصر الغذائية والإسهام في ضبط درجة حرارة الأرض، غير أنه يوجد خليطٌ سامٌّ من المبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب ومبيدات الفطريات أسفل الحقول المغطاة بصفوفٍ متلاحمة من الذرة وفول الصويا والقمح وغيرها من المحاصيل التي تُزرع منفردةً في مساحة واسعة من الأرض، وهذا الخليط يُسبِّب دمارًا وفق تحليل نُشِر حديثًا في دورية "فرونتيرز إن إنفيرونمنتال ساينس" Frontiers in Environmental Science.

هذه الدراسة التي ترقى لتكون التقييم الأكثر شمولًا لمدى تأثير المبيدات الحشرية على صحة التربة، يُفترَض أن تدفع باتجاه إحداث تغييرات فورية وجوهرية في كيفية تقييم الهيئات الرقابية -مثل وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)- للمخاطر التي يُشكِّلها قرابة 850 مكوِّنًا من مكونات المبيدات الحشرية المُصرَّح باستخدامها في الولايات المتحدة.

تتجاهل الجهات الرقابية في الوقت الحالي الضرر الذي تسبِّبه المبيدات الحشرية لديدان الأرض وقافزات الذيل والخنافس وآلاف الأنواع الأخرى التي تعيش تحت الأرض.

وتؤكِّد دراستنا بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الوضع يجب أن يتغير.

فحصنا نحو 400 دراسة منشورة أُجري ضمن سياقها مجتمعةً ما يزيد على 2800 تجربة حول كيفية تأثير المبيدات الحشرية على الكائنات الحية في التربة، وذلك بهدف إعداد تحليلنا الذي أجراه باحثون من مركز التنوع البيولوجي ومنظمة أصدقاء الأرض وجامعة ميريلاند، وقد شمل مسحُنا 275 نوعًا فريدًا أو أنواعًا من كائنات التربة و284 مبيدًا حشريًّا مختلفًا أو خليطًا من المبيدات الحشرية.

وقد تبيَّن فيما يزيد قليلًا على 70% من تلك التجارب، أن المبيدات الحشرية تُلحق أضرارًا بالكائنات الحية التي تؤدي دورًا حاسمًا في الحفاظ على سلامة التربة، وهي أضرار لا تؤخذ مطلقًا بعين الاعتبار في الوقت الراهن في مراجعات السلامة التي تُجريها وكالة حماية البيئة الأمريكية.

ويُعد التوسعُ المستمر في الزراعة ذات الاستخدام الكثيف للمبيدات الحشرية والتلوث عاملين رئيسين يدفعان باتجاه الانخفاض الحاد الذي تشهده الكثير من كائنات التربة، مثل الخنافس ونحل التعشيش الأرضي، وقد صُنِّفا على أنهما السبب الأبرز وراء فقدان التنوع البيولوجي في التربة في العقد الماضي.

ومع ذلك تجاهلت شركات المبيدات الحشرية ومنظمو استخدام تلك المبيدات لدينا هذا البحث.

وبشكلٍ مُعلنٍ، تُقِرُّ وكالة حماية البيئة الأمريكية -وهي المسؤولة عن الرقابة على المبيدات الحشرية في الولايات المتحدة- أن نسبةً تتراوح بين 50% و100% من المبيدات الحشرية المستخدمة في الزراعة يكون مآلها إلى التربة، غير أن الوكالة لا تزال تستخدم نوعًا وحيدًا من الأنواع الحية في إجراء التجارب، وهو نحل العسل الأوروبي، الذي يقضي حياته كاملةً فوق الأرض في صناديق صناعية؛ بهدف تقييم المخاطر التي تواجهها كل الكائنات الحية الموجودة في التربة.

والحقيقة القائلة بأن وكالة حماية البيئة الأمريكية تعتمد على نوعٍ قد لا يمسُّ التربة حرفيًّا طيلة حياته ليمثل آلاف الأنواع التي تعيش أو تتطور تحت الأرض تعطينا لمحةً مقلقةً عن النظام الأمريكي للرقابة على استخدام المبيدات الحشرية وكيف أُعِدَّ لحماية صناعة المبيدات الحشرية بدلًا من حماية الأنواع الحية ونُظُمها الإيكولوجية.

ويُستدلُّ من هذا على أن إجازات استخدام المبيدات الحشرية تصدرُ دون أي اعتبار لحجم الأضرار التي يمكن أن تُلحقها تلك المبيدات بالكائنات الحية التي تعيش في التربة.

ومما يزيد الأمر سوءًا، أنه في حين تكتسب مبادئ الزراعة التجديدية وصحة التربة رواجًا في جميع أنحاء العالم، عمدت شركات المبيدات الحشرية إلى تصدير معلوماتٍ مُضلِّلة بشأن منتجاتها، كي تظهر بمظهر المُمتثِل للمعايير البيئية.

فتوجد الآن لدى كل شركة كبرى متخصصة في صناعة المبيدات الحشرية موادُّ متاحة على شبكة الإنترنت تروِّج لدورها في تعزيز صحة التربة، وكثيرًا ما تدعو إلى تقليل حرث الأرض وزراعة محاصيل تغطية التربة، وكمبدأٍ عام، هاتان الممارستان جيدتان لصحة التربة في واقع الأمر، وفي حال اتِّباعهما على نحوٍ مسؤول، فإنهما تُعدَّان خطوتين رائعتين.

غير أن شركات المبيدات الحشرية تعلم أن مثل تلك الممارسات تصاحبها زيادةٌ في استخدام المبيدات الحشرات، فعندما لا تُحرَث الحقول، تُستخدم المبيدات الحشرية في أغلب الأحيان للتخلص من الأعشاب الضارة، وكثيرًا ما تقضي المبيدات الحشرية على محاصيل تغطية التربة قبل زراعة المحاصيل.

هذا النهج الذي يعتمد على اتخاذ خطوة إلى الأمام ثم الرجوع بأخرى إلى الوراء يحول دون إحراز تقدُّم ملموس نحو حماية تربتنا، وقد نجحت شركات المبيدات الحشرية حتى الآن في استغلال رسائل دعم "التربة السليمة" لأن جهاتنا الرقابية لم تُبدِ أي رغبة أو استعداد لحماية الكائنات الحية التي تعيش في التربة من المبيدات الحشرية.

لم يَعُد من الممكن تجاهُل الكُلفة البيئية طويلة المدى التي تترتب على هذا الفشل.

فالتربة هي أحد أكثر النُّظُم الإيكولوجية تعقيدًا وتنوعًا من الناحية البيولوجية على كوكب الأرض؛ إذ تحوي قرابة ربع التنوُّع المتوافر على الكوكب.

ولذا ينبغي أن تحظى حمايتها بالأولوية، لا أن تأتي في مرتبةٍ متأخرة.

تشير أبحاثنا إلى أن تحقيق هذا الهدف سيتطلب منا الاضطلاع بمهمة الحد من الإدمان المتزايد وغير المستدام للزراعة ذات الاستخدام الكثيف للمبيدات الحشرية.

كما أنه سيفرض على وكالة حماية البيئة الأمريكية اتخاذ خطواتٍ جريئة وحاسمة للبدء في حماية صحة تربتنا وسلامتها عن طريق معالجة الأضرار الموثَّقة جيدًا التي تُلحِقها المبيداتُ الحشرية بالأنواع التي تعيش تحت الأرض والتي ظلت مُهمَلة وقتًا طويلًا.

هذه مقالة رأي وتحليل.