بعد أشهر من الترقُّب الشديد، منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية "تصريح استخدامٍ طارئ" Emergency Use Authorization (EUA) للقاح المضاد لمرض "كوفيد-19"، الذي طورته شركتا "فايزر" و"بيونتيك" بالتعاون معًا، ليصبح بذلك أول لقاح من نوعه يُصرح باستخدامه في الولايات المتحدة الأمريكية، ويأتي هذا الخبر في الوقت الذي تعاني فيه البلاد ارتفاعًا حادًّا وخطيرًا في أعداد الإصابات، مع اقتراب مستشفيات عديدة من بلوغ طاقتها الاستيعابية القصوى، وتسجيل أرقامٍ قياسية جديدة لحالات الوفاة أسبوعيًّا، ومن المقرر أن تبدأ التطعيمات في الأيام والأسابيع القليلة القادمة للعاملين في مجال الرعاية الصحية والمقيمين في منشآت الرعاية طويلة الأمد، مثل دور رعاية المسنين، وسوف تُطعَّم مجموعات أخرى بجرعة من اللقاح في الأشهر المقبلة عند توافر المزيد من الجرعات، وكانت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" هما أول مَن انفرد بنشر خبر تصريح الاستخدام.

صوَّتت اللجنة الاستشارية المعنية باللقاحات والمنتجات البيولوجية ذات الصلة VRBPAC -التابعة لإدارة الغذاء والدواء- يوم الخميس الماضي على التوصية بالتصريح بتطعيم الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 16 عامًا فأكثر باللقاح، وقد راجعت اللجنة بياناتٍ أتاحتها تحليلات لإدارة الغذاء والدواء نفسها، وناقشت عدة قضايا، منها فاعلية استخدام اللقاح في فئات سكانية فرعية محددة، مثل كبار السن والأقليات العرقية، والمتابعة المستمرة لقرابة 44 ألف مشارك في المرحلة الأخيرة من التجارب الإكلينيكية، وصوَّت أغلب أعضاء اللجنة بأنَّ فوائد إصدار تصريح استخدام طارئ تفوق أضراره؛ إذ صوَّت 17 عضوًا بالموافقة، وأربعة أعضاء بالرفض، وامتنع عضو واحد عن التصويت.

ويُعد لقاح "فايزر-بيونتيك" نوعًا جديدًا تمامًا من اللقاحات مصنوعًا من جزيئات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNAs)، وهي أجزاء صغيرة من مادة وراثية توجِّه الخلايا -في هذه الحالة- إلى إنتاج أجزاء صغيرة من البروتين الشوكي لفيروس كورونا المستجد، وتكون أجزاء الحمض النووي الريبي المرسال محاطةً بجسيمات نانوية شحمية، وقد أظهر تحليل شركتي "فايزر" و"بيونتيك" لبياناتهما أنَّ اللقاح (الذي يُعطى على جرعتين، بفاصل زمني بينهما قدره ثلاثة أسابيع) فعال بنسبة 95% في الوقاية من "كوفيد-19"، وكانت فاعليته متشابهة عبر كل المجموعات العمرية، والجنسية، والعرقية، والإثنية، التي خضعت للدراسة، ويشمل ذلك أفرادًا مصابين باعتلالات صحية مزمنة أو طويلة الأجل، مثل أمراض القلب، أو أمراض الرئة، أو السمنة، وذكرت الشركتان أنَّ لقاحهما أظهر فاعليةً كبيرة، حتى بعد تناوُل جرعة واحدة بأسبوعين فقط، وكذلك أكد التحليل الذي أجرته إدارة الغذاء والدواء هذه النتائج، ولكن ليس من المعروف حتى الآن مدة استمرار هذه الوقاية، وما إذا كان اللقاح سيقي من المضاعفات الشديدة للمرض في المجموعة الفرعية الصغيرة المكوَّنة ممَّن قد يُصابون به، وما إذا كان استخدامه آمنًا وفعَّالًا بالنسبة للأطفال الأصغر من عمر 16 عامًا، أو النساء الحوامل.

استقبل الخبراء هذا الخبر بحماس شديد؛ إذ أعربت نيكا سيدرستروم -مديرة قسم الأخلاقيات الإكلينيكية في مؤسسة "تشيلدرنز مينيسوتا" Children’s Minnesota، التي يركز عملها على معالجة التفاوت الجائر في الحصول على الرعاية الصحية- عن سعادتها، قائلة: "لدينا الآن الفرصة حقًّا للسيطرة على الوضع"، لكنها أشارت إلى أنَّ أصعب عقبة ستكون إقناع الأفراد في المجتمعات الأكثر عُرضةً للخطر -ومنهم الأشخاص الملونون- بأخذ التطعيم، وتقول عن ذلك: "ينبغي مواصلة التحلي بالشفافية ورحابة الصدر بشأن الاستجابة المناعية وردود الفعل المتوقعة تجاه اللقاح"، مضيفةً أنَّ قادة هذه المجتمعات ينبغي أن يكونوا نموذجًا يُحتذى به بإظهار ثقتهم بسلامة اللقاح، وذكرت سيدرستروم -التي تعمل في مجال الرعاية الصحية، ومن ثمَّ تنتمي إلى إحدى أولى المجموعات المؤهلة لتلقِّي اللقاح- أنها شخصيًّا ستأخذه بلا أدنى شك، وأضافت قائلةً: "بصفتي واحدةً من القادة القلائل ذوي البشرة السوداء في مؤسستي، أريد أن أكون نموذجًا يُحتذى به للقادة ذوي البشرة السوداء الآخرين".

وتقول مونيكا غاندي، الأستاذة في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: "إنها لحظة تاريخية؛ ففي الولايات المتحدة خاصةً، ما من طريقة أخرى للتخلص من هذه الجائحة سوى التطعيم الجماعي"، وتضيف قائلةً: إنَّ فاعلية اللقاح البالغة 95% "مذهلة بحق"، وتقول أيضًا: "أظن أنَّ العديد من العلماء مذهولون بعض الشيء؛ لأنني أظن أن تقديرات الفاعلية كانت 70% أو دون ذلك"، وذكرت غاندي أنَّ حقيقة نشر شركة "فايزر" تقريرًا كاملًا عن بياناتها -يُظهر تمثيلًا جيدًا للمشاركين من جميع الأعمار، والأجناس، والمجموعات العرقية والإثنية المتنوعة- كانت أمرًا مشجعًا للغاية كذلك.

وكان أحد الأسئلة الرئيسية التي ناقشتها اللجنة الاستشارية هو سؤال: ما الذي ينبغي فعله لأفراد المجموعة الضابطة في التجربة الآن بعد التصريح باستخدام اللقاح؟ إذ تَلقَّى نصف المشاركين في التجربة اللقاح في حين تلقَّى النصف الآخر دواءً وهميًّا، هؤلاء المشاركون في مجموعة الدواء الوهمي إذا تلقَّوا اللقاح الآن، فسيحدُّ ذلك من قدرة منظمي التجربة على مواصلة مقارنة النتائج وتقييم السلامة والفاعلية على مدار فترة زمنية أطول، ومن ناحية أخرى، ثمة حجة أخلاقية قوية مفادها أنَّ هؤلاء الذين تطوعوا بالمشاركة في التجربة (لا سيما أولئك الذي ينتمون إلى المجموعات الأكثر عُرضةً للخطر) يجب أن يحصلوا على اللقاح حين يكون متاحًا لهم، تقول غاندي: "أرى الفاعلية عالية جدًّا إلى حدٍّ يُحتِّم إعطاءهم اللقاح"، في حين قال ويليام جروبر -نائب الرئيس الأول لشؤون البحث والتطوير الإكلينيكي للقاحات في شركة "فايزر"- في اجتماع اللجنة الاستشارية المعنية باللقاحات والمنتجات البيولوجية ذات الصلة VRBPAC: إنَّ الشركة تتحمل مسؤوليةً أخلاقيةً تقتضي منها إبلاغ المشاركين بتوافر اللقاح بموجب تصريح استخدام طارئ، وستقدمه للأفراد الذين تشملهم شروط تصريح الاستخدام الطارئ والذين تمنحهم المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أولوية التطعيم قبل الآخرين، وأضاف أنَّ المشاركين سيُتاح لهم خيار إبقائهم غير مطَّلعين على ما إذا كانوا قد تلقوا اللقاح أم الدواء الوهمي، ومن ثَمَّ الاستمرار في التجربة الإكلينيكية.

ومع أنَّ سلامة اللقاح وفاعليته تبدوان مُبشِّرتين جدًّا، فلا تزال في المعلومات بعض الثغرات المهمة، ومن اللازم توفير مزيدٍ من البيانات عن مدى نجاح التدخُّل باللقاح في منع الحالات النادرة التي يصاب فيها الأفراد بمضاعفات "كوفيد-19" الحادة؛ فقد شارك في الدراسة 10 حالات فقط مصابة بمضاعفات حادة، وكان تسعٌ منها في مجموعة الدواء الوهمي. وأشار بعض المتحدثين في اجتماع اللجنة أيضًا إلى عدم وجود بيانات كافية عن مضاعفات المرض الحادة لدى ذوي البشرة السوداء أو السكان الأصليين، على وجه التحديد، كذلك لا تتوافر حتى الآن بياناتٌ عن تأثير اللقاح على العدوى بالفيروس أو انتقاله دون أعراض؛ لأنَّ المعيار الأساسي للتجربة كان منع الإصابة بمرض "كوفيد-19" المصحوبة بالأعراض.

ولم تُقيِّم التجربة أيضًا سلامة اللقاح أو فاعليته لدى النساء الحوامل، وعلى الرغم من أن التجربة ضمَّت بعض الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عامًا في وقتٍ لاحق بعد بدايتها، فإن عدد هؤلاء لم يكن كافيًا للحصول على بيانات وافية، وتقول سيدرستروم عن ذلك: "هذه المجموعات السكانية يصعُب دراستها حقًّا، وهذا مسوَّغٌ تمامًا، فلا بد من اتخاذ احتياطات احترازية إضافية"، غير أنَّ دراسة مدى سلامة اللقاح وفاعليته في هذه المجموعات ستكون أمرًا مهمًّا في الأسابيع والأشهر القادمة، وأشارت غاندي إلى أنَّ إدارة الغذاء والدواء كانت قد شجَّعت ضم نساء حوامل ومُرضِعات إلى التجارب الإكلينيكية، إلا إذا كان ثمة سببٌ بيولوجي يمنع هذا، ومع ذلك، تقول إنها لا ترى أي سبب للاعتقاد بأن لقاح "فايزر-بيونتيك" سيكون غير آمن للنساء الحوامل، مضيفةً أنَّها تشجعهن على تلقِّي اللقاح.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ اللقاح يسبب آثارًا جانبيةً خفيفةً إلى معتدلة، وهذا متوقع، وغالبًا ما يكون مؤشرًا على استجابة مناعية جيدة؛ إذ قال بعض الأشخاص في المجموعة التي تناولت اللقاح في التجربة إنهم أصيبوا باحمرار، وألم، وتورُّم في موضع الحَقن، إضافةً إلى حُمَّى، وصداع، وتعب، لا سيما بعد الجرعة الثانية، وكانت الآثار الجانبية أوضح لدى المشاركين الأصغر سنًّا، وإضافة إلى ذلك، أصيب أربعة أفراد بنوعٍ من شلل الوجه المؤقت يُسمى شلل "بيل"، وأصيب واحد بإصابة في الكتف (وكلا نوعي الإصابة ربما كان مرتبطًا باللقاح) في المجموعة التي تلقت اللقاح، وتقول شركتا "فايزر" و"بيونتيك" إنهما ستواصلان متابعة المشاركين في التجارب الإكلينيكية لرصد أي آثار جانبية خطيرة أو حالات وفاة طوال عامين، وستُبلغان إدارة الغذاء والدواء بأيِّ أثر عكسي ضار ناجم عن اللقاح.

وقد ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" ووسائل إعلامية أخرى أنَّ شخصين ممَّن تلقوا لقاح "فايزر-بيونتيك" في المملكة المتحدة -حيث أُجيز استخدامه هناك في الثاني من ديسمبر الجاري- أصيبا باستجابةٍ تَحسُّسية للقاح، كان كلاهما لديه تاريخ من الحساسية الشديدة ويحمل جهازًا لحَقن الأدرينالين آليًّا، ثم أُبلِغ لاحقًا عن إصابة شخص ثالث أيضًا باستجابة تحسُّسية، لكنَّ الثلاثة تعافوا تمامًا بعد العلاج، غير أنَّ الاستجابات التحسُّسية للقاحات شائعة، ويحمل العديد من اللقاحات تحذيراتٍ للأشخاص الذين لديهم تاريخ معروف من الحساسية الحادة، وكإجراء احترازي، ذكرت الوكالة التنظيمية للأدوية ومنتجات الرعاية الصحية في المملكة المتحدة أنَّ مَن لديهم تاريخٌ من الاستجابات التحسُّسية للقاحٍ، أو دواء، أو غذاء، ينبغي ألَّا يتلقوا اللقاح.

لكنَّ بعض الخبراء يختلفون مع نُصح الأشخاص الذين يصابون بأنواع شائعة من الحساسية للأطعمة أو الحساسية الموسمية بعدم تلقِّي لقاح "فايزر-بيونتيك"؛ إذ تقول جيجي جرونفال، وهي باحثة أولى في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي: "ما حدث في المملكة المتحدة هو أنَّ أشخاصًا نُقِلوا إلى المستشفى بسبب حساسية [شديدة]، وليس مجرد أشخاصٍ يحتاجون إلى تناول [مضادات الهيستامين التي تُصرَف دون وصفة طبية]"، وأضافت أنَّه ينبغي توفير مزيد من البيانات عن سلامة استخدام اللقاح لدى الأفراد المصابين بأنواع شائعة من الحساسية للأطعمة أو غيرها؛ كي يطمئن الناس، غير أن جرونفال وآخرين عبروا عن حماسهم وارتياحهم للتصريح باستخدام اللقاح، تقول جرونفال: "في عام مأسوي للغاية، يُعَد توافر لقاح فعال كهذا لدينا بمنزلة بصيص أمل مشرق ساطع".

وقد كان من المقرر أن تجتمع اللجنة الاستشارية التابعة لإدارة الغذاء والدواء مجددًا في السابع عشر من ديسمبر الجاري لمناقشة إصدار تصريح استخدام طارئ للقاح آخر مضاد لمرض "كوفيد-19" من إنتاج شركة "مودرنا".