قد تساعدنا ممارسة الأنشطة البدنية بانتظام على البقاء نشطاء وبصحة جيدة طوال حياتنا، وهو ما ينمي قدرة الإنسان على العناية بالأحفاد وسلالاتهم الجينية في الأجيال المقبلة، هذا ما يقوله مؤلفو مقالة نُشِرت هذا الأسبوع في دورية «بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس يو إس إيه» Proceedings of the National Academy of Sciences USA.

تستند المقالة إلى "فرضية الجِدة" المستخدمة في علم الأنثروبولوجيا، التي ترى أن السبب في امتداد حياة البشر لعشرات السنين يرجع إلى أن الصغار يحتاجون إلى رعاية أكبر بكثير من التي يحتاج إليها صغار العديد من المخلوقات الأخرى.

وفي هذا البحث الجديد، يؤكد دانيال ليبرمان -اختصاصي علم الأحياء التطوري في جامعة هارفارد الأمريكية- وزملاؤه أن الحفاظ على ممارسة الأنشطة البدنية خلال المراحل المتقدمة من العُمر يُبطئ حدوث التقادم، أو الشيخوخة، ويحول دون الإصابة بالاضطرابات المُزمِنة، مما يطيل عمر الأشخاص ويجعلهم في حالة صحية أفضل، ويرى المؤلفون أن "أمد الصحة" هذا، أو السنوات الطوال التي يعيشها الأشخاص وهم أصحاء بدرجة كبيرة، تتيح لكبار السن البقاء ناشطين بدنيًّا، ومن ثم الإسهام في رعاية الأجيال القادمة، ولمعرفة المزيد حول هذه الأفكار والأدلة التي تستند إليها، أجرت دورية «ساينتفك أمريكان» Scientific American حوارًا مع ليبرمان.

[فيما يلي نسخة مُنَقَّحة من الحوار.]

  • تعرض هذه المقالة فرضيتين متصلتين، تنطلق كلتاهما من فكرة النشاط البدني، فلماذا هذا التَّركيز على النشاط البدني؟

لطالما عرفنا أننا نحن البشر قد مررنا بمراحل تطورية بصورة جعلتنا نظل على قيد الحياة بعد تجاوزنا سن الإنجاب بكثير.. ويتمثل الطرح الرئيسي الذي يقدمه هذا البحث في أن النشاط البدني يؤدي دورًا في هذه المعادلة، لقد جعلتنا عملية التطور قادرين على البقاء على قيد الحياة بعد تجاوُز سن الإنجاب لكي نظل ناشطين بدنيًّا، ويساعد هذا النشاط البدني بدوره في الحفاظ على أمد صحتنا؛ حتى نبقى في صحة جيدة لعشرات السنين بعد أن نتوقف عن الإنجاب.

يتعيَّن على جميع الكائنات الحية إدارة الطاقة الموجودة بداخلها، وهناك وسيلتان لتحقيق ذلك من خلال ممارسة الأنشطة البدنية، تتمثل إحداهما في تقليل المقدار الذي ننفقه [من الطاقة] على عمليات تخزين الدهون والإنجاب، أما الوسيلة الثانية فتتمثل في زيادة الطاقة التي نستخدمها في عمليات الإصلاح والصيانة داخل أجسامنا، وتستند هذه الفرضية إلى الطرح القائل بأن النشاط البدني قد خضع لعملية انتقاء تطوري، وكذلك أن الاستجابات الفسيولوجية المتنوعة الناجمة عن أداء الأنشطة البدنية -أي تلك العمليات التي تتولى إدارة الطاقة في أجسامنا وتساعد على تحسين صحتنا- قد خضعت هي الأخرى لعملية انتقاء تطوري، وأنه مع تقدمنا في العُمْر، تزداد أهمية عمليات الإصلاح والصيانة.

  • يصل الأشخاص ذوو المبايض إلى مرحلة تنقطع فيها القدرة على الإنجاب، في حين أن الأشخاص الذين لديهم القدرة على إنتاج الحيوانات المنوية يمكنهم إنتاجها مدى الحياة، فكيف تنطبق هذه الفرضية على كلا النوعين؟

 إن المنافع التي يجنيها البشر ممن يعيشون حتى ينجبوا أحفادًا تنطبق على كلٍّ من الرجال والسيدات، إذ يمارس كلا النوعين نشاطات الصيد وجمع الثمار؛ حتى يتسنى توفير الطعام للأبناء والأحفاد، في كلا الجنسين، يستفيد الأجداد من نتائج هذه العملية المعنية بإدارة الطاقة في أجسامهم، التي تؤخر حدوث الشيخوخة، لا سيَّما تلك النتائج المتعلقة بعمليات الإصلاح والصيانة؛ فأنا مثلًا مارست رياضة الجري هذا الصباح وأنتجت كافة أنواع الأكسجين التفاعلية [الجزيئات المؤكسَدة التي يُمكِن أن تسبِّب تلف الأنسجة]، كما أنتج جسمي مضادات الأكسدة لمواجهة تلك الأنواع، ولو أنني لم أمارس الجري، لما أنتجت هذا القدر الكبير من مضادات الأكسدة.

  • ما التفسير البيولوجي لهذه الفرضيات التي تقدمها؟ وما الأدلة التي تدعمها؟

لقد تأكدنا منذ فترة طويلة من أن النشاط البدني مفيد لنا؛ لأنه يقي من الارتفاع المُفرِط في مستويات الهرمونات الإنجابية، مثل الإستروجين والتستوستيرون estrogen and testosterone، كما يحول دون تخزين أجسامنا لكميات هائلة من الدهون، تلك هي الفوائد الواضحة والمعروفة للنشاط البدني التي تنجم عن عملية إدارة الطاقة داخل أجسامنا.

أما الفرضية الأكثر حداثةً [التي أقدمها أنا وزملائي] فهي أنك عندما تؤدي التمرينات الرياضية، يحدث لك ما يسمى بـ"الحرق اللاحق"؛ إذ يستمر جسمك في بذل الطاقة حتى بعد التوقف عن أداء التمرينات الرياضية، كنا فيما سبق ننظر إلى تلك الطاقة -التي نسميها "الاستهلاك الإضافي للأكسجين بعد الانتهاء من أداء التمرينات الرياضية"- على أنها تقوم بتعويض بعض نقص الأكسجين الذي حدث في أثناء التمرين، لكننا نعلم الآن أن هذا الارتفاع الكبير في معدلات الحرق له أسباب تتخطى بكثير مجرد تعويض الطاقة.

ما نقوله في هذا البحث هو أن "الحرق اللاحق" يعكس استثمار الجسم في عمليات الإصلاح والصيانة لمواجهة حالات الإجهاد الناتجة عن النشاط البدني التي تتسبب في حدوث طفرات في الحمض النووي، مثل تمزُّق العضلات وضخ أنواع الأكسجين التفاعلية، ويتمثل الجانب المضيء هنا في أن أجسامنا قد تطورت –من جرَّاء مرورنا بمرحلة تطورية جعلتنا ناشطين بدنيًّا- لتصبح قادرةً على إنتاج مجموعة متنوعة من آليات الإصلاح والصيانة التي تتجاوب مع هذه الأنشطة البدنية، وكذلك فإن أجسامنا غالبًا ما تقوم بهذه الآليات بصورة أكبر من المطلوب منها.

  • هل يُمكِنك تقديم مثال توضيحي لهذه العملية؟

تصوَّر أنك سكبت بعض القهوة على أرضية المطبخ ثم نظفتها، لقد نظفتها بحيث أصبحت الأرضية الآن أكثر نظافةً مما كانت عليه قبل سكب القهوة، كذلك فإن النشاط البدني قادرٌ على تشغيل جميع آليات الإصلاح والصيانة داخل جسمك، ولأنك لا تريد أن تكون مقصرًا فإنك تفعل أكثر مما هو مطلوب، مما يعود عليك بالنفع، وعلى مدار التاريخ التطوري البشري، لم يحدث قَطُّ أن مررنا بمرحلة تطورية أضعفت من نشاطنا البدني أو بمرحلة تطورية عطلت عمل آليات الإصلاح والصيانة، لو كان هذا قد حدث لأصبح أداء التمرينات الرياضية ضارًّا بنا، ولكن حتى الآن ما زال هناك اتفاق -حتى بين المتشائمين والمتغطرسين- على أن ممارسة التمرينات الرياضية ليست بالأمر الضار.

  • لماذا تُمَيِّز بين النشاط البدني وأداء التمرينات الرياضية؟

النشاط البدني هو مجرد تحريك جسمك واستخدامه لفعل شيءٍ ما، مثل البستنة أو الصيد وجمع الثمار أو الذهاب للتسوق، أما أداء التمرينات الرياضية فهو نشاط بدني قصدي وطوعي يهدف إلى تحسين الصحة واللياقة البدنية، إنه نشاط ينتمي بوضوح إلى مرحلة الحداثة، حيث لا نجد وظيفة لرفع الأثقال واستخدام المشاية الكهربائية سوى الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، إن تغيُّر العالم هو الذي دفعنا لاستخدام الآلة محل الجهد البشري، والآن نجد أنفسنا مضطرين إلى فعل شيء غريب حقًّا، وهو أن نؤدي التمرينات الرياضية.

  • ما علاقة هذه الأفكار بـ"فرضية الجِدة"، هذا المفهوم القائل بأن الهدف من وراء استمرارنا على قيد الحياة حتى بعد أن نتجاوز مرحلة القدرة على الإنجاب وتوريث جيناتنا للأجيال المقبلة، هو أن نشارك في تنشئة الأبناء خلال المراحل الممتدة التي تستغرقها عملية وصولهم إلى النضج؟

إن فرضية الجِدة -التي لا تجعلنا بأي حال من الأحوال نغفل دور الجِد- تستند إلى فكرة أداء الأنشطة البدنية، وهي أحد العوامل التي أسهمت في جعل البشر قادرين على التمتُّع بالصحة الجيدة لعشرات السنين، فالنشاط البدني إذًا من تبعات ظاهرة ازدياد أمد الصحة، وهو كذلك أحد الأسباب التي أدت إليها.

  • سلطت الضوء في دراستك على قدرة الأنشطة البدنية على حمايتنا من الأمراض مع تقدُّمنا في العمر، ولا سيَّما السرطان وأمراض القلب، فكيف يحدث ذلك؟

يعلم معظم الناس أن للنشاط البدني دورًا كبيرًا في الوقاية من أمراض القلب، ولكن الأدلة على أهمية النشاط البدني في الوقاية من السرطان تتوافر هي الأخرى بكثرة.

يخفض النشاط البدني من مستويات هرموني الإستروجين والبروجسترون estrogen and progesterone، كما يخفض من احتمالية الإصابة بسرطان الثدي بنسبة كبيرة تتراوح بين 30 إلى 40 بالمئة وفق بعض التقديرات، وهناك فوائد أخرى، منها خفض مستويات الالتهاب في الجسم على سبيل المثال، كذلك تتمثل إحدى فوائد ممارسة الأنشطة البدنية في أنها تجعل عضلاتك تنتج جزيئات مضادة للالتهاب؛ إذ إن العضلات تؤدي دورًا حيويًّا في خفض الالتهاب، كما يؤدي النشاط البدني أيضًا إلى خفض مستويات السُّكَّر في الدَّم، ومعروف أن معظم الخلايا السرطانية تتغذى على السُّكر، كما يخفض النشاط البدني من مستويات الأنسولين، والأنسولين بدوره مرتبط بزيادة احتمالية الإصابة بالسرطان، وتكاد تكون هناك علاقة واضحة بين محاربة جميع أنواع السرطان وأداء الأنشطة البدنية، وبعض هذه العلاقات وطيد للغاية.

أما فيما يتعلق بأمراض القلب، فإن أحد الأسباب التي تجعل تمرينات المقاومة مفيدةً للغاية هو أنها تدفع الجسم لعمل مجموعة من الاستجابات التي تحافظ على مرونة الشرايين، وتزيد من نمو الشعيرات الدموية وتجعل القلب أقوى، كل هذه الاستجابات التي يقوم بها الجسم تقي من ارتفاع ضغط الدَّم ومن حدوث فشل القلب الاحتقاني، وتقلل من احتمالية الإصابة بتصلُّب الشرايين، كما أن لدينا أدلةً قويةً على أن النشاط البدني مفيدٌ لصحة القلب والأوعية الدَّموية؛ لأنه يحث الجسم على القيام بعمليات الإصلاح والصيانة التي أشرنا إليها، عليك إذًا أن تُجهد أجهزة الجسم حتى تحصل على الفائدة، إنك لست مضطرًا إلى الوصول إلى الحد الذي تشعر معه بالألم، بل قد يكون كل ما تحتاج إليه هو إجهاد جسمك، ولهذا فربما علينا تغيير القول المأثور الذي يقول: "ما من ربح دون ألم" إلى: "ما من ربح دون إجهاد".

  • ما مقدار النشاط البدني الذي نحتاج إلى ممارسته لنصل إلى "الجرعة المثالية" التي كان البشر الأوائل يحققونها؟

[وجدت أنا وزملائي] بعض المصادر تقول إن الصيادين وجامعي الثمار كانوا يُمضون نحو ساعتين وربع الساعة يوميًّا في ممارسة النشاط البدني الذي يتراوح بين المتوسط والقوي، وإنه من الواضح أن هذه الجرعات كانت تحقق لهم الحماية من الأمراض، ولكن الكثير من الدراسات الوبائية والطولية أوضحت أن ممارسة النشاط البدني بمعدل أقل يمكن أن يحقق هذه الحماية.

لدينا فكرة ثابتة تقول إننا من الطبيعي مع التقدم في العُمر أن نخفف عن أنفسنا ونتقاعد ونصبح أقل نشاطًا، ولكننا نعلم كذلك أن النشاط البدني ضروري جدًّا لصحتنا، وأنه يصبح أكثر أهميةً (وليس أقل أهمية) مع تقدم البشر في العُمْر، لست بحاجة إلى خوض سباقات الماراثون أو التجول بالدراجة في أمريكا من شرقها إلى غربها أو عبور بحر المانش سباحة، كل ما تحتاج إليه هو مستويات متوسطة من النشاط البدني تحقق لك نفعًا مذهلًا.