في عام 2012، كتب عالِم الفيزياء الكمية جون بريسكل: "نأمل الوصول سريعًا إلى اليوم الذي ستستطيع فيه الأنظمة الكمية الخاضعة لتحكمنا تمامًا أن تؤدي مهمات تَفوق ما يُمكن أداؤه في عالم الحوسبة التقليدية"، وبعد ذلك بأقل من عشر سنوات، استطاع نظامان من أنظمة الحوسبة الكمية تحقيق هذا الهدف: حاسوب "سيكامور" Sycamore الذي ابتكرته شركة "جوجل"، وحاسوب "جيوتشانج" Jiǔzhāng الذي ابتكرته جامعة الصين للعلوم والتكنولوجيا؛ إذ استطاع كلا هذين الحاسوبين حل مسائل مُصمَّمة بعناية يستحيل أن تحلها الحواسيب التقليدية بسرعة، ولتوضيح مدى "السرعة" ومدى "الاستحالة" المقصودَين، يكفي أن نقول إنَّه حتى أسرع الحواسيب الفائقة ستستغرق وقتًا يُقدَّر بملياري سنة على الأقل لحل مسألةٍ استغرقت من حاسوب "جيوتشانج" 200 ثانية فقط.

هذا الهدف، الذي بدا حينها بعيد المنال، أطلق عليه بريسكل مصطلح quantum supremacy (السيادة الكمية أو التفوق الكمي)، وأوضح بريسكل قائلًا في تدوينةٍ كتبها آنذاك: "لستُ راضيًا تمامًا عن هذا المصطلح، وسأكون سعيدًا لو استطاع القراء اقتراح اسمٍ أفضل".

ونحن أيضًا لسنا راضين عنه، ونرى أنَّ الفيزيائيين عليهم توخي مزيدٍ من الحذر في المصطلحات التي يستخدمونها، وذلك لأسباب اجتماعيةٍ وعلمية كذلك؛ فاللغة لها أهميتها حتى في العوالم المُبهَمة الخاصة بالمادة والطاقة، لأنَّ الفيزياء هي نتاج اكتشافات البشر.

كلمة supremacy المستخدمة في المصطلح تعني السيادة، أي "امتلاك قوةٍ أشد وسلطةٍ أكبر ومكانةٍ أعلى من أي شخصٍ آخر"، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهومٍ إنجليزي آخر، وهو white supremacy (سيادة العرق الأبيض)، وهذا الارتباط ليس افتراضًا، بل حقيقة؛ إذ وجد موقع Corpus of Contemporary American English، الذي يضم مجموعةً ضخمة من كلمات اللغة الإنجليزية الأمريكية المعاصرة، أنَّ عبارة white supremacy يتكرر استخدامها بمعدلٍ أكبر بخمس عشرة مرة من العبارة التي تليها في قائمة العبارات الأكثر استخدامًا المكونة من كلمتين، وهي عبارة judicial supremacy (السيادة القضائية)، ومع أنَّ اللغة الإنجليزية هي لغة التواصل المشتركة العالمية في مجال العلوم، تجدر الإشارة إلى أنَّ فريق جامعة الصين للعلوم والتكنولوجيا تجنَّب استخدام مصطلح quantum supremacy؛ لأنَّ الرمز اللغوي الصيني الذي يعني كلمة supremacy يحمل أيضًا دلالاتٍ سلبية غير مريحة، أي أنَّ المشكلة ليست مقصورةً على اللغة الإنجليزية.

وقد نمت الحركات المناصرة لفكرة سيادة العرق الأبيض في السنوات الأخيرة في مختلِف أنحاء العالم، لا سيما في الولايات المتحدة، وجزءٌ من هذا النمو كان بمنزلة رد فعلٍ عنيف وعنصري تجاه حركة "أرواح السود مهمة"، وكما اعترف بريسكل مؤخرًا، فكلمة supremacy تثير "حالةً سياسيةً بغيضة" لا مفرَّ منها.   

وكذلك أصبح مصطلح quantum supremacy رائجًا في وسائل الإعلام المشهورة (هنا وهنا، على سبيل المثال)، وربما يكون إيحاء المصطلح بالهيمنة قد أسهم في إثارة حالةٍ غير مسوَّغة من الضجة، مثل فكرة أنَّ الحواسيب الكمية ستجعل من الحواسيب التقليدية أجهزةً عتيقةً قريبًا، وقد اقتُرِحَت بدائل ألطف لهذا المصطلح، مثل quantum advantage (الأفضلية الكمية) وquantum computational supremacy (السيادة الحوسبية الكمية)، بل وحتى quantum ascendancy (الهيمنة الكمية)، لكن لم يستطع أيٌّ منها أن يحل محل المصطلح الأصلي الذي صكَّه بريسكل، وطُرِحَت مقترحاتٌ أخرى أكثر تعقيدًا وإبهامًا مثل Noisy Intermediate Scale Quantum computing (الحوسبة الكمية المشوشة متوسطة القدرة)، ومقترحاتٌ أخرى هزلية مثل quantum non-uselessness (عدم اللاجدوى الكمية)، لكنَّها أيضًا فشلت في أن تحل محل مصطلح السيادة.   

لذا نقترح هنا بديلًا نعتقد أنَّه يُلخِّص الدلالات العلمية للمصطلح بوضوح، ودون إثارة هذا القدر من الضجة، والأهم من ذلك بكثير أنَّه غير مرتبط بالعنصرية إطلاقًا: ألا وهو quantum primacy (الأسبقية الكمية).

لكن ما الذي يمثله أي اسمٍ أو مصطلح؟ الأمر لا يقتصر هنا على أنَّ المصطلح سيصبح له وقعٌ أفضل إذا تغيَّر؛ فمن خلال إيراد أسباب اقتراحنا لتغييره إلى "الأسبقية الكمية"، نأمل أن نسلط الضوء على بعض القضايا الاجتماعية والعلمية التي نواجهها حاليًّا، ففي رسالة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى مستشاره العلمي إريك لاندر، المتخصص في علم البيولوجيا، سأله بايدن قائلًا: "كيف نضمن إشراك الأمريكيين من كل الأطياف في الابتكار العلمي والتكنولوجي وفي حصد فوائده؟"، قد يُمكن تحقيق ذلك عبر تغييراتٍ بسيطة، منها تغيير الألفاظ التي نستخدمها؛ فعلى سبيل المثال، تخلَّت منصة "جِت هَب" GitHub عن استخدام لفظَي Master (سيد) وSlave (خادم أو عبد) البغيضَين استجابةً لضغوط النشطاء (كانت المنصة تستخدمهما لوصف أكوادها ومستودعاتها، لكنَّها تخلت عنهما لإيحاءاتهما المتعلقة بالعبودية).

ولو كان هناك تنوعٌ أكبر في مجالات الفيزياء وعلوم الحاسوب والهندسة، ربما ما كنا لنظل حتى الآن نخوض هذا النقاش، الذي كتب أحدنا عنه منذ أربع سنوات، لكن في الولايات المتحدة، يصبح هذا النقاش ضروريًّا حين نجد أنَّ الطلاب السود لا يحصلون إلَّا على 2% فقط من درجات البكالوريوس في مجال الفيزياء، وحين لا يشكل اللاتينيون سوى أقل من 7% من المهندسين، وحين لا تمثل النساء سوى 12% فقط من الأساتذة الأوائل في الفيزياء، وفي ظل الوضع الحالي، يمكن لمصطلح quantum supremacy (السيادة الكمية) أن يبدو كما لو كان يزيد الجرح إيلامًا.

ونظرًا لطبيعة الحوسبة الكمية، واجتذابها اهتمامَ نطاقٍ واسع من عامة الناس خارج مختبرات الصناعة والأوساط الأكاديمية، فهذا يعني أنَّ الجدال حول المصطلح كان سيصبح لا محالة جزءًا من الحرب الثقافية الأوسع نطاقًا.

ففي عام 2019، أشارت مقالةٌ قصيرة مُرسلَة إلى دورية Nature إلى أنَّ مجتمع الحوسبة الكمية ينبغي أن يتبنَّى مصطلحاتٍ مختلفة، من أجل تجنُّب "إيحاءات العنف والاستعمارية الجديدة والعنصرية"، وفي غضون أيامٍ قليلة، رصدت هذا الجدال [A1] صفحات قسم الافتتاحيات ذي التوجه المُحافِظ في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية Wall Street Journal، الذي هاجم ما سمَّاه quantum wokeness (أي "اليقظة الكمية"، في إشارة إلى كلمة wokeness الدارجة بين متحدثي الإنجليزية، والتي تُستَخدَم للإشارة إلى حالة الوعي بقضايا العنصرية والعدالة الاجتماعية)، وأشار قسم الافتتاحيات إلى أنَّ تغيير المصطلح سيفتح بابًا قد يودي بنا في نهاية المطاف مثلًا إلى إلغاء فرقة "ذا سوبريمز" الغنائية، التي كانت تقودها المغنية ديانا روس.

كما أدلى عالِم اللغويات ستيفن بينكر برأيه في المسألة، قائلًا: "إنَّ حساسية الأكاديميين المفرطة في حظر المصطلحات ينبغي أن تُقاوم، إذ يُسطِّح ذلك فهم اللغة؛ فمعاني الكلمات مُتَّفق عليها، وليست تعاويذ ذات قوى سحرية، وكل الكلمات لها عدة معانٍ تُميَّز وفق السياق، بل إن ذلك يجعل الأوساط الأكاديمية أضحوكة، ويُلطِّخ سمعة الأبرياء، ولا يُجدي في مكافحة الممارسات الفعلية للعنصرية، والتمييز على أساس الجنس".

وصحيحٌ أنَّ supremacy ليست كلمةً سحرية، وأنَّ معناها مُستقًى من ثوابت اصطُلح عليها، ولم يُقَر بالشعوذة والسحر، لكنَّ سياق المصطلح الذي يتجاهله بينكر هو تخصُّصٌ هيمن عليه الذكور والبِيض على مرِّ التاريخ، ومن ثَمَّ، فالاعتراف بذلك بالبحث عن لفظٍ أفضل يُعَد جهدًا أساسيًّا نحو التأدُّب، وليس حساسيةً مفرطة.

وربما تكون الحجة الأكثر إقناعًا التي طُرِحَت لتأييد استخدام مصطلح quantum supremacy هي أنَّه يُمكن أن يُستخدَم لتغيير دلالة كلمة supremacy نفسها؛ فلو كان هذا المصطلح هو الأكثر شيوعًا من white supremacy (سيادة العرق الأبيض) بخمس عشرة مرة، لكان الوضع قد تغيَّر، ومع ذلك، ينبغي على أصحاب تلك الحجة أن يأخذوا في حسبانهم هوية مَن يغير دلالة الكلمة، فلو كان قادة هذا التوجه هم علماء سود وآخرون من الأقليات التي لا تحظى بالتمثيل الكافي في مجال الفيزياء، لكان الأمر مختلفًا، لكنَّ الوضع ليس هكذا، وهذا ما تشير إليه الأدلة المروية، وإن لم توجد دراسةٌ استطلاعية تؤكد ذلك.

ولإحلال كلمةٍ أخرى محل supremacy، نحتاج إلى نقاشٍ عميق؛ إذ لن يفي أي بديلٍ عادي بالمقصود منها، كما أنَّ هناك مفاهيم علمية شديدة التعقيد على المحك، انظر مثلًا إلى دلالات مصطلحٍ مثل quantum advantage (الأفضلية الكمية)، فالأفضلية قد تكون سلَّمًا محمولًا، يُسهِّل الوصول إلى رفٍّ عالٍ، أو قد تكون أسبقيةً بسيطةً في سباقٍ ما، وهذا يُشبه حال بعض الخوارزميات الكمية؛ فخوارزمية بحث "جروفر" Grover مثلًا أسرع بمقدارٍ تربيعي فقط من نظيرتها التقليدية، لذا فالحاسوب الكمي الذي يستخدم خوارزمية "جروفر" قد يحل خلال 10 دقائق مسألةً تستغرق من الحواسيب التقليدية 100 دقيقة، وهذا ليس سيئًا، بل يُعَد أفضليةً بالتأكيد، لا سيما مع زيادة طول أوقات التشغيل، لكنَّها أفضليةٌ بسيطة إذا ما قورنت ببعض الخوارزميات الكمية الأخرى التي تقدم أداءً أسرع من ذلك.

أشهر تلك الخوارزميات على الأرجح هي خوارزمية "شور" Shor، التي تستطيع إيجاد عوامل الأرقام (الأرقام 5 و3 من عوامل الرقم 15 على سبيل المثال) بسرعةٍ أكبر بمقدارٍ أسِّي تقريبًا من أفضل الخوارزميات التقليدية، وصحيحٌ أنَّ أداء الحواسيب التقليدية مقبولٌ في حالة الأعداد الصغيرة، لكنَّ كل رقمٍ إضافي يؤثر سلبًا في سرعة الأداء؛ فعلى سبيل المثال، قد تجد الحواسيب التقليدية عوامل عددٍ مكون من 100 رقم في ثوانٍ، لكنَّ إيجاد عوامل عددٍ مكون من 1000 رقم قد يستغرق مليارات السنين، في حين يستطيع حاسوبٌ كمي يستخدم خوارزمية "شور" أن يفعل ذلك في غضون ساعة.

وحين تنجح الحواسيب الكمية بفاعلية في أداء مهمات مستحيلة على الحواسيب التقليدية، يصبح لديها حينئذٍ ما هو أكبر بكثير من الأفضلية، ونحن نعتقد أنَّ كلمة primacy (الأسبقية) تحمل قدرًا كبيرًا من هذا المعنى؛ فهي تعني "الصدارة"، أو "المكانة الأولى"، وعلاوةً على ذلك، فهي تشترك في جذر primus اللاتيني (الذي يعني "أوَّل") مع مصطلحاتٍ رياضية مثل prime (أوَّلي) وprimality (أوَّلية ).

وبينما قد تصبح الحواسيب الكمِّية هي أوَّل الأجهزة التي تحل مسألةً معينة، فإنَّ ذلك لا يعني أنَّها ستهيمن، لذا نرجو أن يُسهم مصطلح "الأسبقية الكمية" في تجنُّب الإيحاء بأنَّ الحواسيب التقليدية ستصبح أجهزةً عتيقة، وهذا مهمٌّ بالأخص لأنَّ هذه الأسبقية فكرةٌ تتغير باستمرار؛ إذ تستطيع الحواسيب والخوارزميات التقليدية أن تتحسَّن، وهي تفعل ذلك حقًّا، لذا سينبغي للحواسيب الكمية أن توسِّع نطاقها وتحسِّن أداءها باستمرار لتظل متفوقةً عليها.

إلَّا أنَّ هذا النوع من الإصلاحات اللغوية البسيطة السريعة لا يحقِّق حتى أدنى حدٍّ من المتطلبات اللازمة لزيادة التنوع في مجال العلوم، بل ثمة خطوات أهم، تتعلق بإستراتيجيات التوظيف، والاحتفاظ بالموظفين، وإجراء تغييراتٍ كبيرة فعلية في المجتمع العلمي، لتخفيف هيمنة البِيض والذكور عليه، لكن بالنظر إلى ما تكشفه لنا المعارضة التي تواجهها جهود تحسين مصطلحات العلوم من العقبات الأكبر أمام زيادة التنوع، يتضح لنا أنَّ هذا نقاشٌ ضروري.

وصحيح أنَّ الفيزيائيين ربما يُفضِّلون إجراء حساباتهم في الفراغ، لكنَّ الدراسات العلمية لا تُجرى فيه، بل وسط بيئةٍ اجتماعية وسياسية أوسع، تُسهم في تشكيل قرارات الباحثين وتتأثر بها.