في هذا الصباح لمحت انعكاس صورتي، التي بدوت فيها وحيدة، على مرآة في طرقة منزلي، كنت أرتدي وقتها بلوزتي المناسبة للعمل، والتي تمتد إلى أسفل حيث تنتهي زاوية رؤية كاميرا الويب بجهاز الكمبيوتر الخاص بي، والمشدودة بقوة حول بطني المستدير، وبرزت البوصات القليلة السفلى من بطني فوق بنطالي الرياضي الفضفاض بالأسفل، أنا حامل في الشهر التاسع، ولكن العالم لم يرَني.

اكتشفت في الثامن والعشرين من يوليو الماضي، في أثناء الإغلاق بسبب جائحة كورونا، أنني حامل في طفلي الأول، وبصرف النظر عن عدم قدرتي على تناول المشروبات الكحولية في أثناء الجائحة، كان الحمل في عام 2020 أمرًا مليئًا بالأمور الغريبة والتحديات؛ ففي بعض الأوقات شعرت بالوحدة إلى حد الجنون، إذ افتقدت متعة مشاركة هذه المرحلة الفارقة من حياتي مع الآخرين أو القدرة على طلب المساعدة منهم عندما كنت في أشد الحاجة إليها.

في شهر يوليو شاهدت جنيني على جهاز الموجات فوق الصوتية للمرة الأولى بمفردي؛ فقد منعتْ قيود الحظر المفروضة زوجي من مرافقتي في أثناء زيارة الطبيب، استلقيت هناك فوق طاولة الفحص، ووجهي مستتر خلف كمامتي، وأنا أنظر إلى طبيبتي التي يستتر وجهها هي أيضًا خلف كمامتها وهي تُشير إلى الشاشة، وفجأةً ظهر قلب ينبض ووجه ثالث، وهو الوجه الوحيد الذي لم يكن مستترًا في الغرفة، وهذا ما سيكون الوضع عليه في أثناء الولادة، لن أرى مطلقًا وجه الطبيب الذي سيتولى أمر عملية الولادة.

ظل بطني شهورًا يكبر أسفل زاوية كاميرا الكمبيوتر الخاص بي، لم يشاهدني أيٌّ من الزملاء وأنا حامل، وبحلول الوقت الذي سأعود فيه إلى مقر عملي في بولدر بولاية كولورادو حيث أعمل، سيكون لديَّ طفلٌ لم يرني أحد عندما كان يكبر داخلي، الكثير من زملائي لا يعلمون حتى أني حامل، لا حاجة إلى شرح شعوري عندما أصبح بطني مستديرًا ومرئيًّا، يبدو الأمر مثل سر غريب، سر لم أكن لأمتلك الخيار في أن أخفيه في أي ظرف آخر.

كنت أشعر في بعض الأحيان أني ممتنة للعزل؛ إذ كنت أمر بأعراض الغثيان والإرهاق في السر، وكنت أعمل من على أريكتي في الأيام التي كنت أشعر فيها بأني لا أستطيع النهوض، من حسن حظي أنني كنت أعمل بوظيفة تتيح لي العمل من المنزل، من حسن حظي أني كنت أعمل بالأصل، وكما قال آخرون في استطلاع رأي أُجري في عام 2020 على 70 امرأةً حاملًا في آيرلندا، فإن أخذ استراحة من وتيرة الحياة السريعة خلال فترة نمو حياة أخرى بداخلي، جلب لي الشعور بالطمأنينة في بعض الأحيان.

التحدي الذي كان عليّ مواجهته عوضًا عن ذلك، هو التخلي عن الصورة التي كنت أضعها في مخيلتي عمّا "يُفتَرَض" أن يبدو الحمل عليه، تخليت عن حلم أن يترك شخصٌ صالحٌ مقعده في حافلة مزدحمة لأجلي، أو أن يسألني زملائي عند التقائنا في البهو عن أحوالي في الحمل، كما تخليت كذلك عن فكرة أن يحاول الغرباء لمس بطني أو التطوع لإعطائي النصائح، وكنت في ظل الغياب المستمر لهذه التفاعلات، أنسى أحيانًا أنني حامل من الأصل، وفي أوقات أخرى، كانت الآلام والأجاع تبدو في العزل أشد مما كانت ستبدو عليه في حال وجود شخصٍ ما في الجوار يلهيني.

كنت أكبت معاناتي داخلي، ولا أُظهرها لأحدٍ ما عدا زوجي، كان الزملاء والأهل والأصدقاء لا يرون سوى مقتطفات من تجربتي عبر الشاشة، أبتسم، وأقول إنني بخير، ولكن عندما أغلق الكاميرا أجلس في صمت مرةً أخرى، وأنظر إلى بطني التي لم يرها أحد سواي، وأنهض من مقعدي بتأوه لن يسمعه أحد، عندما يركل جنيني، أبحث في الغرفة عن أحدٍ لأخبره بما حدث، ولا أرى سوى النظرات الجميلة الصامتة لكلبيَّ، وأقول: "كان ذلك أخوكما".

علاقتي بابني المستقبلي تبدو غريبةً مثل تفاعلاتي مع الأصدقاء والعائلة، هو يقبع معزولًا مثلي داخل فقاعته الصغيرة، لا نستطيع أن نتلامس معًا، ولكننا في يومٍ ما سنفعل.

يقبع الجنين في بؤرة عوالمي المقسمة إلى غرف منفردة، معزولًا داخل شرنقته، فنبدو أنا وهو مثل الدمى الروسية التي تحمل بداخلها المزيد من الدمى بأحجام متناقصة، نمثل أنا وزوجي القشرة الأولى المحيطة بالشرنقة في الدمية، كنت أعلم أني أكثر تعرُّضًا للإصابة بكوفيد في وضعي هذا، لذا فإن زوجي هو الإنسان الوحيد الذي كنت أراه وجهًا لوجه، يعيش كلانا في معزل عن الآخرين، وعلى الرغم من التحديات التي تعرضنا لها في أثناء تجربتنا التي نتشاركها، فقد اقتربنا أكثر من بعضنا على نحوٍ مذهل، وهي معلومة أخرى أَفصحَ عنها عددٌ من المستطلَعة آراؤهم في استطلاع الرأي الذي أُجري في عام 2020، دخلنا أنا وزوجي الحجر الصحي ونحن شخصان، وسنخرج منه ونحن ثلاثة.

القشرة الثانية للدمية تمثل الأصدقاء المقربين وأفراد العائلة والزملاء، وهؤلاء أتواصل معهم عبر الإنترنت فقط، نحن متصلون معًا ولكن تفصلنا مسافات، ينظر بعضنا إلى حياة الآخر من خلال نافذة صغيرة، أما القشرة الأخيرة فتمثل باقي العالم، الذي يبدأ من أحد المعارف في العمل الذي اعتدت أن أصادفه في أثناء إعدادي لقهوتي مرورًا بالكاشير في المقهى الواقع بجوار مقر عملي، وصولًا إلى الجموع الصاخبة في السوبر ماركت، هذه الفقاعة تبدو بعيدةً جدًّا عني في الوقت الحالي.

هذه الغرف المنفصلة جميعها تزيد من شعوري بالعزلة، كل ما أستطيع فعله هو الأمل في أن تتهدم هذه الجدران بمساعدة اللقاحات والخبراء الطبيين، وأننا يومًا ما سنعود لنخالط بعضنا مرةً أخرى.

أحيانًا أفكر في تلك الأشياء التي تفوتني، لن يكون هناك حفلٌ للترحيب بقدوم المولود، ولن يكون هناك زائرون في المستشفى، هل يمكن أن أحصل على الشعور نفسه بالبهجة عندما أرحب بطفلي في غياب الترحيب المجتمعي من الآخرين؟ أفكر في الطلبة الجامعيين الذين تخرجوا دون حفلات تخرُّج، والمتزوجين حديثًا ممن تزوجوا دون حفلات زفاف، لعلهم يشعرون بالشعور نفسه، أستعيد ذكريات يوم زفافي، ومع أنه كان رائعًا، فقد أمضيت أغلب الوقت أركض في أرجاء المكان وأنا أرتدي فستاني الخانق أفكر فيمن رحبت بهم، وإن كان كل شيءٍ يسير بسلاسة أم لا، ربما كانت ثمة قيمة في التخلص من الأمور غير المهمة والتركيز على التواصل في ظل غياب المشتِّتات.

وبينما أفكر في مخاوفي، مثل احتمالية أن ألد وأنا أرتدي الكمامة، أو ألا أحصل على المساعدة التي أحتاج إليها عند قدوم الطفل، يجب أن أُذَكِّر نفسي بأنني لست بمفردي، قد يكون جيراني في القرية التي أقطن فيها بعيدين عني، ولكنهم ما زالوا موجودين.

إذا سقطت شجرة في الغابة ولم يسمعها أحد، فهل يعني ذلك أنها أحدثت صوتًا؟ إذا كبر بطنك ولم يره أحد، هل يعني ذلك أن المرحلة المحورية والساحرة في حياتك قد حدثت بالفعل؟ أتمنى لو نستطيع أن نسعد بتجربتنا الخاصة في غابتنا الهادئة، ربما في هذا العالم الجديد الذي نعيش فيه لا بد أن نتعمد التواصل مع الآخرين عندما تسقط الشجرة ونصيح (أو نرسل رسائل نصية أو نلتقي عبر تطبيق زووم): "ستسقط شجرة!" عندما توشك الشجرة على السقوط.