إذا اضطر الجميع إلى الاعتماد على الذَّاكِرة الوَميضيّة -نظام تخزين البيانات المُستَخدَم في بطاقات الذاكرة والمُشَغِّلات الإبهامية- فإن كمية المعلومات التي يُقدَّر أن ينتجها العالم بحلول عام 2040 ستتجاوز الإمداد المُتوَقَّع من الكوكب للسيليكون المُخَصص لفئة الرقائق الإلكترونية الدقيقة بنحو 100 مرَّة. ولاتقاء حدوث مثل هذه الأزمة، عكف الباحثون على استكشاف مادة تخزين تعتمد عليها الحياة نفسها: إنَّه الحمض النووي.

من النَّاحية النظرية، يُمكِن أن تحتفظ هذه المادة بكمية هائلة من المعلومات -ما يصل إلى إكسابايت واحد  (مليار جيجابايت) في كل ملليمتر مكعب من الحمض النووي– على مدى آلاف السنين. (يبلغ العُمْر الافتراضي للشريط المغناطيسي الذي يشكل الأساس لغالبية الأرشيفات الرقمية نحو 30 عامًا على أقصى تقدير، بينما لا يزال من المُمكِن تحديد تتابعات الحمض النووي في حفريات يبلغ عُمْرها 70,000 عام). ومع ذلك، فإن إحدى العقبات التي تحول دون جعل تخزين بيانات الحمض النووي حقيقة واقعة، هي عملية الاستحداث البطيئة والمُكَلِّفة والمُعَرَّضة للخطأ؛ لإنشاء أو تخليق تسلسلات جديدة للحمض النووي تناسب الشفرة المطلوبة.

تقول أولجيكا ميلينكوفيتش، الباحثة النظرية في التَّرميز بجامعة إلينوي في إربانا-شامبين والمشاركة في تأليف دراسة جديدة حول الموضوع: "إن تخليق الحمض النووي يواجه عقبة رئيسية، تتمثل في تكاليف التَّسجيل والدقة وسرعة الكتابة". وقد اقترحت هي وزملاؤها حلًّا جديدًا؛ فبدلًا من التَّخليق المُخَصص للحمض النووي من نقطة الصفر، نضع علامة على جزيئات الحمض النووي القائمة بأنماط من «الشقوق الصغيرة» لتشفير البيانات. وقد استلهمت هذه الطريقة من البطاقات المُثَقَّبة –شرائط من الورق المُقوّى كان يجري ثقبها بثقوب في مواضع مُحَددة لتخزين المعلومات في العديد من أجهزة الكمبيوتر القديمة، بما في ذلك الحاسب إينياك المُستخدَم في حقبة الحرب العالمية الثانية. وذكر الباحثون طريقتهم ذكرًا مُفصَّلًا يوم الأربعاء في دورية Nature Communications.

عالجت مناهج تخزين الحمض النووي السابقة المكونات الأربعة الرئيسية للحمض النووي المعروفة باسم القواعد –الأدينين والثايمين والسيتوزين والجوانين– مثل البِتات الإلكترونية وقِيَم الصفر والواحد التي تشفر البيانات الرقمية. على سبيل المثال، قد يجري تخصيص كل قاعدة لتمثيل الزوج 00 أو 01 أو 10 أو 11. ولكن بدلًا من ترجمة سلسلة من البِتات إلى رمز للحمض النووي وتخليق سلاسل قواعد مُقابِلة، تعالج الطريقة الجديدة المادة الوراثية الموجودة على نحوٍ يشبه إلى حدٍّ ما الورقة الخاصة بتلك البطاقات المُثَقَّبة القديمة. ويقول إس كاسرا تاباتاباي، المؤلف الرئيسي للدراسة وعالم الأحياء التَّركيبية في إربانا-شامبين: إن الطريقة الجديدة تستعين بالإنزيمات وكأنها "الجهاز الذي يُحدِث ثقوبًا". في هذه الحالة، تكون «الثقوب» رابطات مقطوعة بين الجزيئات التي تشكل العمود الفقري أو الرَّكِيزَة الأساسية للحمض النووي. إن وجود هذه العلامة يعني 1، وغيابها يرمز إلى 0.

وتقول برندا روبنشتاين، عالِمة الكيمياء النظرية بجامعة براون، والتي لم تشارك في الدراسة: إن الجانب الأكثر إثارةً للاهتمام في هذا البحث هو كيفية اعتماده على الطبيعة. وأضافت مُوَجِّهةً حديثها للباحثين: "دعوا هذه الإنزيمات تُحدِث الشقوق الصغيرة –تفعل الأمر الأكثر طبيعيةً بالنسبة لها– لتخزين المعلومات".

لوضع الشقوق الصغيرة بدقة، أقدم الفريق على تسخين جزيئات الحمض النووي مزدوجة السلاسل –تَصَوَّر كلًّا منها على أنه سُلَّم ملتوٍ ذو درجات مصنوعة من أزواج من القواعد وقضبان عمودية من السُّكَّر والفوسفات –حتى تتخلخل قليلًا في الوسط. نَتَج عن هذه العملية بشكل أساسي تكوُّن فقاعات تَرَكَت القواعد مكشوفةً. تلا ذلك إقدام العلماء على نشر جزيئات الحمض النووي أحادية الخيط، ويبلغ طول كلٍّ منها 16 قاعدة فقط، وقد تَشَبّثت بتسلسل القواعد المقابل داخل تلك الفقاعات. عملت نهايات هذه الجزيئات أحادية الخيط كأدلة توجيهية لإخبار الإنزيمات إلى أين تذهب بالضبط. في الحمض النووي، تتصل كل قاعدة بجزيء سُكَّر ومجموعة فوسفات لتشكيل مُرَكَّب يُعرَف باسم النوكليوتيد. وتتولى الإنزيمات المُستَخدَمة في التقنية الجديدة قَطْع الرابطة التي تربط نوكليوتيدًا بآخر لإحداث شَق صغير في قضبان السُّكَّر والفوسفات.

ولأن هذه الطريقة لا تتطلب تخليق تسلسلات دقيقة للحمض النووي، يقول الباحثون إن إحدى مزاياها الرئيسية هي أنها يُمكِنها معالجة أي جزيء من جزيئات الحمض النووي تقريبًا مثل البطاقة المُثَقَّبة. فعلى سبيل المثال، أجرى الباحثون تجربةً بمادة وراثية جرى حصدها بسعرٍ رخيص من السلالات المتاحة بسهولة من بكتيريا الإشريكية القولونية (Escherichia coli)، التي يعرف الباحثون تسلسلها بدقة كبيرة. وباستخدام خيوط الحمض النووي للبكتيريا مع 450 زوجًا من القواعد، يحتوي كلٌّ منها على خمسة شقوق صغيرة إلى 10، شَفَّر العلماء 272 كلمة من خطاب جيتيسبيرج لأبراهام لنكولن، وصورة بحجم 14 كيلوبايت لـنصب لنكولن التذكاري. بعد أن وضعوا هذه المعلومات على الحمض النووي، استخدموا تقنيات تحديد التسلسل التجارية لقراءة الملفات بدقةٍ تامةٍ.

وتقول روبنشتاين: "اعْتَقَد النَّاسُ لسنواتٍ عديدة أن الحوسبة الجزيئية تنطوي على أخذ ما نفعله في السيليكون وإدراجه في الجزيئات، وهو أمر أشبه بأجهزة روب جولدبيرج المُعَقَّدة. وبدلًا من ذلك، وَثَّقَ هذا العمل الجديد كيفية تطور الإنزيمات عبر الملايين والملايين من السنين كي تكون فعَّالة بشكل لا يُصَدَّق في ما تفعله".

يأمل العلماء إثبات أن عمليتهم أقل تكلفةً وأسرع بكثير من تلك التي تعتمد على تخليق الحمض النووي. ومع ذلك، فهم يقولون إن إستراتيجيات الاحتفاظ ببيانات الحمض النووي التي جرى اقتراحها في الماضي لم تزل توفر بعض المزايا، مثل كثافة التَّخزين الأكبر بمقدار 12 إلى 50 مرّة تقريبًا من تقنية البطاقات المُثَقَّبة. وتقول ميلينكوفيتش: "إن المشكلة الأكبر في تخزين بيانات الحمض النووي الآن ليست الكثافة، بل التَّكلفة. وتكاليفنا منخفضة حقًّا، ويُمكِن خفضها أكثر". علاوةً على ذلك، أضافت أن الأنظمة الأقدم لتخزين الحمض النووي كان عليها أن تتضمن تسلسلات إضافية؛ لتكون بمنزلة تأمين ضد الطبيعة المُعَرَّضة للخطأ لتخليق الحمض النووي التَّقليدي. يقلل هذا المطلب من كمية البيانات التي يُمكِنها الاحتفاظ بها بالفعل، وهو ما يقلص فجوة كثافة التخزين بينها وبين التقنية الجديدة.