السؤال التالي سؤال محوري في ميكانيكا الكم، ولا أحد يعرف إجابته: ماذا يحدث في حقيقة الأمر خلال التراكب Superposition، هذه الحالة الغريبة التي تبدو فيها الجسيمات كما لو كانت في مكانين أو حالتين أو أكثر في آنٍ واحد؟ في الوقت الحالي، يقترح فريق من الباحثين في إسرائيل واليابان في ورقة بحثية مرتقبة تجربةً قد تسمح لنا أخيرًا بقول شيء مؤكد حول طبيعة هذه الظاهرة المُحيِّرة.

من المنتظر لهذه التجربة -والتي يقول الباحثون إنها قد تُجرى خلال شهور قليلة- أن تُمَكِّن العلماء من إلقاء نظرة خاطفة على الموقع الذي يكمُن فيه في حقيقة الأمر جسمٌ ما (في هذه الحالة جسيم من الضوء يُسمَّى الفوتون) عند وضعه ضمن تَراكُب. ويتنبأ الباحثون أن الإجابة ستكون غريبة وصادمة بشكل يفوق حتى الإجابة التي تقول: "مكانين في وقت واحد".

يتضمن المثال الكلاسيكي للتراكُب إطلاق فوتونات نحو شقين طوليين متوازيين على حاجز. وأحد الجوانب الأساسية لميكانيكا الكمّ يتمثل في أن الجسيمات الضئيلة يمكن لها أن تسلك مسلك الموجات، بحيث يمكن لتلك المارة عبر أحد الشقين أن "تتداخل" مع تلك المارة عبر الشق الآخر، وإما أن تعزِّز تموجات كلٍّ منهما الأخرى أو تُبطلها، فينتج عن هذا نمط مميز على شاشة المِكشاف. إلا أن الشيء الغريب هو أن هذا التداخل يحدث حتى وإن تم إطلاق جسيم واحد فقط في المرة الواحدة. يبدو الجسيم كما لو أنه بشكل ما أو بآخر يمر عبر كلا الشقين في آن واحد، متداخلًا مع ذاته. وهذا تراكُب.

ويزداد الأمر غرابةً: إن قياس أيٍّ من هذين الشقين يعبره جسيم مثل هذا سوف يشير دومًا إلى أن الجسيم يعبر خلال شقٍّ واحد منهما فقط، ولكن حينها يختفي التداخل الذي يبدو كالموجات (’’الكمومية‘‘، إن شئت القول). يبدو فعل القياس في حد ذاته كما لو كان ’’يهدم‘‘ التراكب. يقول الفيزيائي أفشالوم إليتزور، من المعهد الإسرائيلي للبحوث المتقدمة: ’’نحن نعلم أن شيئًا مريبًا يحدث في التراكب، لكن ليس مسموحًا لنا بقياسه. وهذا ما يجعل ميكانيكا الكم شيطانية للغاية‘‘.

لقد توقف الباحثون عقودًا عند هذا الطريق المسدود؛ فهم لا يمكنهم الحكم بشكل قاطع على ماهية التراكُب دون النظر إليه، ولكن إذا حاولوا النظر إليه، فإنه يختفي. أحد الحلول المحتملة -الذي وضعه، بالتعاون مع آخرين، مشرف إليتزور السابق الفيزيائي الإسرائيلي ياكير آهارونوف، الذي يعمل حاليًّا بجامعة تشابمان- يشير إلى طريقة لاستنتاج شيء ما بصدد الجسيمات الكمية قبل قياسها. يُطلق على أسلوب آهارونوف "شكلية الكميات المتجهة ثنائية الحالة" لميكانيكا الكم (أو اختصارًا TSVF)، ويفترض هذا الأسلوب أن الأحداث الكمّية تتحدد بشكلٍ ما بالحالات الكمّية، ليس فقط في الماضي، بل أيضًا في المستقبل. أي أن TSVF تفترض أن ميكانيكا الكمّ تعمل بالطريقة نفسها نحو الأمام ونحو الخلف، على حدٍّ سواء، في الزمن. ومن هذا المنظور، قد تبدو المُسببات وكأنها تتحرك للوراء في الزمن وتحدث بشكل لاحق للتأثيرات الناتجة عنها.

لكن لا داعي للتعامل مع هذا المفهوم الغريب بشكل حَرْفي. بالأحرى، يمكن للمرء عبر TSVF أن يكتسب معرفةً ذات طبيعة استرجاعية عما حدث في نظام كمّي عبر اختيار المحصِّلة؛ فبدلًا من مجرد قياس ما ينتهي إليه أحد الجسيمات، يختار الباحث موقعًا محددًا يبحث فيه عن هذا الجسيم. يُطلَق على هذا الأمر الاختيار اللاحق، وهذا الاختيار من شأنه أن يوفر معلومات أكثر مما يمكن أن توفره أي نظرة خاطفة غير مشروطة على المحصِّلات. ويرجع هذا إلى أن حالة الجسيم في أي لحظة يتم تقييمها بشكل استرجاعي في ضوء التاريخ الكامل لهذا الجسيم، وصولًا إلى عملية القياس وبما يشملها. وتكمن الغرابة في أن الأمر يبدو كما لو أن الباحث -بمجرد أن يختار البحث عن محصِّلة محددة- يتسبب عندها في حدوث تلك المحصِّلة. إلا أن هذا الأمر يشبه قليلًا الوصول إلى نتيجةٍ مفادها أنك إذا شغَّلت تلفازك في الميعاد المقرر لعرض برنامجك المفضل، فإن فعلك هذا سيتسبب في أن يُذاع البرنامج في تلك اللحظة بعينها. يقول ديفيد والاس، فيلسوف العلوم بجامعة جنوب كاليفورنيا، وهو متخصص في تفاسير ميكانيكا الكم: ’’من المتفق عليه في العموم أن TSVF تكافئ رياضيًّا ميكانيكا الكم القياسية، لكنها تؤدي إلى رؤية أشياء معينة لم يكن المرء ليراها لولاها‘‘.

على سبيل المثال، دعنا نأخذ صيغةً من تجربة الشق الثنائي صممها آهارونوف وزميله ليف فيدمان في 2003، وهي صيغة للتجربة قاما بتفسيرها باستخدام TSVF. وصف الاثنان نظامًا بصريًّا (ولكنهما لم يقوما ببنائه)؛ هذا النظام يعمل فيه فوتون واحد بمنزلة ’’مصراع‘‘ يغلق أحد الشقين عن طريق التسبُّب في جعل فوتون آخر ’’مِسبار‘‘ آخذ في الاقتراب من الشق ينعكس عائدًا في المسار الذي أتى منه. وعبر تطبيق الاختيار اللاحق على قياسات الفوتون المسبار التي أظهرها آهارونوف وفيدمان، يمكن للمرء أن يميز فوتون مصراع في تراكب يُغلق كلا الشقين بالتزامن (أو في الواقع أي عدد عشوائي من الشقوق). بمعنى آخر، قد تتيح هذه التجربة الفكرية نظريًّا القول بثقة إن الفوتون المصراع يكون ’’هنا‘‘ و’’هناك‘‘ في وقت واحد. وعلى الرغم من أن هذا الموقف يبدو نوعًا من المفارقة بالنظر إلى واقع خبرتنا اليومية، إلا أنه أحد الجوانب المدروسة جيدًا لما يُسمّى بالخواص ’’غير المحلية‘‘ للجسيمات الكمّية، حيث يتلاشى تمامًا مفهوم الموقع المحدد بدقة في الفراغ.

في 2016، تحقق الفيزيائيان ريو أوكاموتو وشيجيكي تاكيوشي -من جامعة كيوتو- من تنبؤات آهارونوف وفيدمان تجريبيًّا باستخدام دائرة حاملة للضوء، يتولد فيها الفوتون المصراع باستخدام موجِّه كمّي، وهو جهاز يسمح لفوتون واحد بالتحكم في المسار الذي يتخذه فوتون آخر. يقول إلياهو كوهين زميل إليتزور، وهو من جامعة أوتاوا في أونتاريو: ’’لقد كانت هذه التجربة تجربةً رائدة، سمحت لي باستنباط الموقع المتزامن لجسيم في مكانين‘‘.

الآن انضم إليتزور وكوهين إلى أوكاموتو وتاكيوشي لعمل تجربة أكثر إثارةً للحيرة، وهم يعتقدون أن هذه التجربة سوف تُمكِّن الباحثين من قول شيءٍ ما بثقة حول موقع أحد الجسيمات في تراكُب عند سلسلة من نقط مختلفة في الزمن، وذلك قبل إجراء أي قياس فعلي.

هذه المرة سوف ينقسم مسار الفوتون المسبار إلى ثلاث مرايا جزئية، وعلى امتداد كل واحد من هذه المسارات قد يتفاعل الفوتون المسبار مع فوتون مصراع في تراكُب. يمكن القول إن هذه التفاعلات تحدث داخل صناديق يُرمز لها بالحروف ’أ‘، و’ب‘، و’جـ‘ يقع كل واحدٍ منها على امتداد أحد المسارات الثلاثة الممكنة للفوتون. عن طريق النظر إلى التداخل الذاتي للفوتون المسبار، يمكن للمرء بشكل استرجاعي الاستنتاج بشكل مؤكد أن الجسيم المصراع كان في صندوقٍ ما في وقت محدد.

Credit: Amanda Montañez

صُممت التجربة بحيث يمكن للفوتون المسبار إظهار التداخُل فقط إذا تفاعل مع الفوتون المصراع في تسلسل معين من الأماكن والأزمنة -بالتحديد، إذا كان الفوتون المصراع في كلٍّ من الصندوقين ’أ‘ و’جـ‘ في زمن ما (t1)، ثم في زمن لاحق (t2) في ’جـ‘ فقط، ثم في زمن بعد ذلك (t3) في كلٍّ من ’ب‘ و’جـ‘. لذا فإن التداخل في الفوتون المسبار يمكن أن يكون علامةً قاطعة على أن الفوتون المصراع فعل هذا الفعل الغريب الذي يتحدى المنطق، والذي يتمثل في تسلسل مرات ظهوره المتقطع بين الصناديق في أزمنة مختلفة، وهي فكرة اقترحها إليتزور وكوهين وآهارونوف العام الماضي بوصفها احتمالية لجسيم وحيد منتشر عبر ثلاثة صناديق. يقول الفيزيائي كين وارتون من جامعة ولاية سان خوسيه، وهو غير مشارك في المشروع الجديد: ’’تعجبني الطريقة التي تصوغ بها هذه الورقة البحثية الأسئلة حول ما يحدث من زاوية سوابق التاريخ الكامل بدلًا من الحالات اللحظية. إن التحدث عن ’الحالات‘ هو أحد التحيزات القديمة واسعة الانتشار، أما سوابق التاريخ الكامل فتُعَد بشكل عام أكثر ثراءً وتشويقًا‘‘.

ووفق الفكرة التي يسوقها إليتزور وزملاؤه، هذا الثراء هو ما تتيحه TSVF. يشير الاختفاء الظاهري للجسيمات في مكانٍ ما في وقتٍ ما -وعودة ظهورها في أوقات وأماكن أخرى- إلى رؤية جديدة واستثنائية للعمليات الكامنة المُتضَمَّنة في الوجود غير المحلي للجسيمات الكمّية. ووفق إليتزور، يمكن من منظور TSVF فهم هذا الوجود الوامض دائم التغيُّر على أنه سلسلة من الأحداث التي ’’يتلاشى‘‘ فيها بشكل ما وجود جسيم في مكان ما بواسطة ’’الجسيم المضاد‘‘ الخاص بهذا الجسيم في الموقع نفسه. يُقارن إليتزور هذا بالمفهوم الذي قدمه الفيزيائي البريطاني بول ديراك في عشرينيات القرن الماضي، والذي قال بأن الجسيمات لها جسيمات مضادة، وأنه إذا تم الجمع بين جسيم وجسيم مضاد، فعندها يمكن لهما أن يتسبب بعضهما في فناء بعض. في بادئ الأمر بدت هذه الصورة كأنها أسلوب تعبيري ليس إلا، ولكنها سرعان ما أدت إلى اكتشاف المادة المضادة. إن اختفاء الجسيمات الكمّية ليس ’’فناءً‘‘ بالمعنى الذي توحي به الكلمة، ولكنه أمر مُكافئ لهذا بشكلٍ ما أو بآخر؛ فهذه الجسيمات المضادة المُفترضة، في تقدير إليتزور، يجب أن يكون لها طاقة سالبة وكتلة سالبة تسمح لها بإلغاء نظيراتها المضادة لها.

ولذا، بالرغم من أن وجهة النظر التقليدية تجاه التراكب، والتي ترى وجود ’’مكانين في آن واحد‘‘، قد تبدو غريبةً بما فيه الكفاية، فوفق إليتزور ’’يُحتمل أن يكون التراكب عبارة عن مجموعة من الحالات الأكثر جنونًا من هذا، وميكانيكا الكم تعطيك فكرة عن متوسطهم فحسب‘‘. ويشير إليتزور إلى أنه حينها يتيح الاختيار اللاحق عزل البعض فقط من تلك الحالات وفحصها بدرجة وضوح أعلى. ووفق إليتزور أيضًا هذا التفسير للسلوك الكمّي من شأنه أن يكون تفسيرًا ’’ثوريًّا‘‘؛ لأنه قد يستتبع مجموعةً متنوعةً وغير متوقعة حتى الآن من الحالات الواقعية (والغريبة للغاية مع هذا) الكامنة وراء الظواهر الكمّية المخالفة لما هو بَدَهي.

يقول الباحثون إن إجراء التجربة الفعلية سوف يستلزم الضبط الدقيق لأداء موجهاتهم الكمّية، ولكنهم يأملون أن يكون نظامهم جاهزًا للعمل خلال مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وخمسة. إلا أنه في الوقت الحالي لا يمكن القول إن بعض المراقبين ينتظرون الأمر بفارغ الصبر، ليس تمامًا. يقول وارتون: ’’سوف تنجح هذه التجربة حتمًا‘‘. ولكنه يضيف أنها ’’لن تقنع أي أحد بأي شيء؛ إذ إن النتائج يتم التنبؤ بها عبر ميكانيكا الكمّ القياسية‘‘. بمعنى آخر، لن يكون هناك سبب إلزامي لتفسير المحصِّلة النهائية من زاوية TSVF بدلًا من إحدى الطرق المتعددة الأخرى التي يفسر من خلالها الباحثون السلوك الكمي.

ويتفق إليتزور مع الفكرة التي مفادها أن تجربتهم كان يُمكن تصوُّرها باستخدام المنظور التقليدي لميكانيكا الكمّ، الذي ساد في عقود ماضية -ولكن هذا لم يحدث قَط. ويتساءل إليتزور: ’’أليس هذا مؤشرًا جيدًا على معقولية TSVF؟‘‘، إذا اعتقد شخص ما أنه يستطيع صياغة صورةٍ مختلفة عمّا ’’يحدث حقًّا‘‘ في هذه التجربة باستخدام ميكانيكا الكمّ القياسية، فوفق إليتزور: ’’حسنًا، دعه يمضي قدمًا!‘‘.