تخيل أن حاجزًا أو جدارًا أو تلًّا اعترضك في أثناء سيرك. ولم يكن من سبيل أمامك للعبور إلى الجانب الآخر سوى تسلُّقه واجتيازه. لكن ماذا لو كانت لديك القدرات الخارقة نفسها التي لدى الجسيمات الكمومية؟

إن القوانين العجيبة لميكانيكا الكم تُمَكِّن الجسيمات أحيانًا من اختراق الحواجز كما لو أنها غير موجودة، حتى لو كانت الجسيمات عاجزةً عن تسلُّق ما يعترض طريقها أيًّا كان. غير أن صعوبة الانتقال النفقي عبر هذه الحواجز تزداد كلما صار الحاجز أعلى، وهو ما يجعل عددًا أقل من الجسيمات قادرًا على اجتيازه. ومع ذلك، ثمة حالة خاصة من الانتقال الكمومي تسمى انتقال كلاين النفقي، وهي تغير قواعد اللعبة تمامًا. فهذه الحالة تجعل الحواجز شفافة فعليًّا، بحيث تفتح بوابات تُمَكِّن الجسيمات من المرور، حتى وإن اعترضت طريقها جدرانٌ شديدة الارتفاع.

منذ نحو 100 عام، تنبأ الفيزيائي السويدي أوسكار كلاين للمرة الأولى بهذه الظاهرة. لكن حتى وقت قريب لم يرصد العلماء سوى علاماتٍ محدودة للغاية عليها. وفي دراسة نُشرَت في دورية Nature في 19 يونيو، يقدم فريق متعدد التخصصات من الباحثين أدلةً مباشرةً على انتقال كلاين النفقي.

اكتشاف عارض

هذه ليست الدراسة الأولى التي ترصد هذا التأثير على نحو مباشر. يقول ديفيد جولدهابر-جوردون، الفيزيائي بجامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في الدراسة: "إن انتقال كلاين النفقي جرت البرهنة عليه جيدًا في الجرافين"، وهي مادة أساسها الكربون. وقبل التوصُّل إلى تلك النتيجة، لم يفكر أحد حقًّا في" البحث عن أدلة تجريبية على انتقال كلاين النفقي، وكان "موضوعًا على الرف"، وذلك وفق قول إيشيرو تاكيوتشي، المتخصص في علوم وهندسة المواد بجامعة ماريلاند في كوليدج بارك، والباحث الرئيسي في الدراسة الجديدة. ومع ذلك، "فإن نتائج الدراسة الحالية مباشرة بدرجة أكبر" من تلك التي توصَّل إليها الباحثون في أبحاثهم المتعلقة بالجرافين، على حد قول بوريس نادجورني، الفيزيائي بجامعة وين ستيت في ديترويت، الذي لم يشارك في الدراسة. ويضيف قائلًا: إن الباحثين استخدموا أيضًا "تجهيزات تجريبية مصممة ببراعة".

ويقول تيون كلابفايك، اختصاصي علم النانو الكمومي بمعهد كافلي للعلوم النانوية في جامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا، والذي لم يشارك في البحث: "سأصف هذا بأنه عمل رائد؛ لأن هذه ظاهرة من الممكن للمرء أن يتوقع حدوثها على الورق… لكن يتعين على المرء ابتكار نظام تجريبي يبين الظاهرة على نحو مقنع"، ويضيف أن هذه التجربة تحديدًا مُميزة باعتبارها "مثالًا واضحًا للاستكشاف والتفكير التجريبي المستقل".

ربما تكون النتائج حتى أكثر إثارةً للدهشة لأن الباحثين لم يقصدوا في البداية رصد هذه الظاهرة وهي تحدث. يقول جون بيير باليون، الفيزيائي بجامعة ماريلاند، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة: "لقد انبثق هذا المشروع من أبحاثنا حول العوازل الطوبولوجية". والعوازل الطوبولوجية هي مواد عجيبة أجزاؤها الداخلية معزولة لكن أسطحها موصلة.

وعلى مدار عدة سنوات ماضية، عكف هو وزملاؤه على دراسة مادة تُسمى هيجسابوريد السماريوم، وعملوا على توضيح أنها عازل طوبولوجي. وقد كانوا يبحثون عن دلائل تبين أن هيجسابوريد الساماريوم تُظهر سلوكًا كموميًّا، وهو جانب مهم من عملية إثبات أن هذه المادة، في الواقع، عازل طوبولوجي.

المُواصَلة المثالية

وضع الباحثون طبقةً رقيقةً من مادة هيجسابوريد السماريوم أعلى مركَّب آخر، يتحول في درجات الحرارة المنخفضة إلى موصل فائق، أي مادة يمكنها توصيل الكهرباء من دون مقاومة. وعند تبريد كل شيء إلى درجة حرارة أعلى من الصفر المطلق (-273.15 درجة مئوية) ببضع درجات فقط، صارت المادة الثانية موصلًا فائقًا، ونتيجةً للتقارب الشديد بين المادتين، صار السطح المعدني لهيجسابوريد السماريوم موصلًا فائقًا بالمثل. بعد ذلك، جعل العلماء سطح هيجسابوريد السماريوم يتلامس مع رأس معدني دقيق، ودرسوا الكيفية التي انتقلت بها الإلكترونات إلى المادة الثانية.

عند كل حدٍّ واقع بين أي معدن وموصل فائق، يحدث نوع خاص من الانعكاس يسمى انعكاس أندرييف، ينبع من حقيقة أن الإلكترونات في المواد فائقة التوصيل لا توجد إلا في أزواج. فكما هو الحال بالنسبة لشخصين يشاركان في سباق الأرجل الثلاث، حين يقفز أحد الإلكترونات من المعدن إلى الموصل الفائق، يتعين عليه أن يجلب معه "صديقًا". ومع ذلك، نظرًا إلى أن الشحنات يجب أن تكون متعادلةً في المنظومة، يجب أن يقفز "ثقب" موجب الشحنة -هو بالأساس غياب للإلكترون الذي كان من المفترض أن يكون موجودًا- من الموصل الفائق إلى المعدن.

يرصد الباحثون حركة الإلكترون و"الثقب" عن طريق قياس مواصَلة المنظومة. فإذا نجح كل إلكترون يحاول القفز إلى الموصل الفائق في مسعاه، فمن المفترض أن تتضاعف المواصَلة. لكن هذا لا يحدث عادةً؛ لأنه في معظم الأحيان، لا تمتلك بعض الإلكترونات طاقةً كافيةً للقفز. فالإلكترونات ذات الطاقة الأقل تنعكس مرتدةً عن الحد الفاصل بين المعدن والموصل الفائق، وهو ما يجعل مواصَلة المنظومة تزيد على 100 بالمئة لكنها تقل عن الضعف.

ما أصاب الباحثين بالذهول هو حدوث مواصَلة مضاعَفة تامة في تجربة هيجسابوريد السماريوم التي أجروها. استشار الفريق فيكتور جاليتسكي -اختصاصي الفيزياء النظرية في جامعة ماريلاند- بشأن النتائج الغريبة، التي صمدت مع تكرار التجربة. وقد أشار إلى أن انتقال كلاين النفقي مكَّن كل الإلكترونات من الاندفاع عبر السطح المادي بين المادتين. ثمة قانون آخر من قوانين الحفظ متعلق باللف المغزلي للإلكترونات، وهو يمنع الإلكترونات التي تفتقر إلى الطاقة من القفز فوق الحاجز لتعود ببساطة إلى المكان الذي أتت منه، وبذا "يكون عليها أن تخترق الحاجز"، وفق قوله، وهو ما يؤدي إلى حدوث مواصَلة مضاعَفة تامة.

يقول نادجورني: "هذه النتائج المثيرة توضح تجريبيًّا حدوث انعكاس أندرييف تام بين نقطة اتصال عادية" -الرأس المعدني الدقيق- "والموصل الفائق المُستحَث بالمقاربة داخل العازل الطوبولوجي هيجسابوريد السماريوم". ويضيف نادجورني: "تربط هذه الدراسة بين تلك النتائج غير المتوقعة التي تمتاز بالدقة والوضوح من جهة، وغياب تشتت [الإلكترونات] الطبيعي من جهة أخرى، وهو أحد الأمثلة الجوهرية التي تُبين انتقال كلاين النفقي".

أما وقد بيَّن الباحثون هذه الأعجوبة الكمومية، فإنهم يأملون الاستفادة من النتائج التي توصلوا إليها في تحسين مكونات الحاسبات التقليدية، أو حتى تصنيع مواد من أجل الأجهزة الكمومية المستقبلية، على حد قول باليون. ويضيف باليون قائلًا: إن تسخير قوى الانتقال النفقي للإلكترونات من الممكن أن يساعد في تصميم "ترانزستورات مثالية"، أو ربما يُسهم في حل مشكلات متعلقة بموصلات الحاسبات الكمومية. ومع ذلك يلفت كلابفيك الانتباه إلى أن "الطريق إلى التطبيقات أكثر تعقيدًا بكثير" مما يبدو عادة.