قام الباحثون للمرة الأولى بالنقل الآني الكمي لكيوتريت (Qutrit)، وهي وحدة ثلاثية من المعلومات الكمية. تمثل النتائج المستقلة التي توصل إليها فريقان تقدمًا مهمًّا في مجال الانتقال الآني الكمي، والذي ظل مدةً طويلة مقصورًا على الكيوبتات -وهي وحدات من المعلومات الكمية تشبه "البتات" الثنائية المستخدمة في الحوسبة الكلاسيكية.

تُثبت تجارب إثبات المفهوم هذه أن الكيوتريتات -والتي يمكنها أن تحمل مزيدًا من المعلومات، ولديها مقاومة أكبر للضوضاء مقارنةً بالكيوبتات- قد تُستخدم في الشبكات الكمية المستقبلية.

أعلن عالم الفيزياء الصيني جوانج-كان جوو وزملاؤه بالجامعة الصينية للعلوم والتكنولوجيا عن نتائجهم في مسودة ورقة بحثية في 28 أبريل، على الرغم من أن هذا العمل لم يُنشر بعدُ في إحدى الدوريات الخاضعة لمراجعة الأقران. وفي 24 يونيو، أعلن الفريق الآخر -وهو تعاوُن دولي برئاسة أنتون زايلينجر من الأكاديمية النمساوية للعلوم وجيان-وي بان من الجامعة الصينية للعلوم والتكنولوجيا- عن نتائجه في مسودة ورقة بحثية تم قبولها للنشر في دورية "فيزيكال ريفيو ليترز" Physical Review Letters. وهذا التقارُب الزمني في إعلان النتائج -بالإضافة إلى أهمية النتائج– جعل كل فريق يتنافس لينسب الفضل إلى نفسه وينتقد عمل الآخر.

يقول ويليام ووترز، عالِم الفيزياء بكلية ويليامز والذي لم يشارك في أيٍّ من الدراستين: "كلٌّ من هاتين التجربتين تمثل تقدمًا مهمًّا في تقنية الانتقال الآني".

الانتقال الآني بين الواقع والخيال

يعيد اسم الانتقال الآني الكمي إلى الأذهان تقنيةً من مسلسل الخيال العلمي "ستار تريك"؛ إذ يمكن "للناقلين" أن يقوموا "بنقل" أجسام كبيرة –بل وحتى البشر الأحياء- بين نقاط متباعدة في الفضاء. ولكن الواقع أقل بريقًا؛ ففي الانتقال الآني الكمي، تكون حالتا جسيمين متشابكين هي ما يتم نقله، على سبيل المثال، اللف المغزلي للإلكترون. حتى عندما تكون الجسيمات المتشابكة متباعدة، فإنها تتشارك في ارتباط غامض؛ ففي حالة اثنين من الإلكترونات المتشابكة، كل ما يحدث للف المغزلي لأحدهما يؤثر على اللف المغزلي للآخر على الفور.

كما يستحضر "الانتقال الآني" كذلك صورًا للاتصال بسرعة تفوق سرعة الضوء، ولكن هذه الصورة خطأ أيضًا. فإذا أرادت "أليس" أن ترسل رسالة إلى "بوب" عبر الانتقال الآني الكمي، فلا بد أن تصاحبها معلومات كلاسيكية تنتقل عبر الفوتونات بسرعة الضوء وليس أسرع. إذًا، فما فائدته؟

الأمر الغريب هو أن الانتقال الآني الكمي قد تكون له فائدة مهمة أيضًا في الاتصالات الآمنة في المستقبل، ويتم تمويل الكثير من الأبحاث بهدف تطبيقها في الأمن السيبراني. في عام 2017، استخدم بان وزايلينجر وزملاؤهما القمر الصناعي الصيني "ميسيوس" لإجراء أطول تجربة اتصال في العالم عبر 7,600 كيلومتر. تم نقل اثنين من الفوتونات -كلٌّ منهما بمنزلة كيوبت- إلى فيينا والصين. ومن خلال أخذ معلومات عن حالة الفوتونين، تمكَّن الباحثون في كلا الموقعين من النجاح في إنشاء كلمة مرور غير قابلة للاختراق، استخدموها لإجراء مكالمة فيديو آمنة. تعمل هذه التقنية كختم شمع على خطاب: أي عملية تنصت ستتدخل وتترك علامة يمكن اكتشافها.

لقد حاول الباحثون نقل حالات أكثر تعقيدًا للجسيمات ببعض النجاح. ففي دراسة نُشرت في عام 2015، تمكن بان وزملاؤه من النقل الآني لحالتي فوتون: اللف المغزلي والزخم الزاوي المداري. ومع ذلك، كلتا هاتين الحالتين كانت ثنائية؛ إذ كان النظام لا يزال يستخدم الكيوبتات. وحتى ذلك الوقت، لم يكن العلماء قد نفذوا النقل الآني لأية حالة أكثر تعقيدًا على الإطلاق.

تحقيق المستحيل

البت الكلاسيكية يمكنها أن تكون إما 0 أو 1، أما نظيرتها الكمية -الكيوبت– فغالبًا ما يقال إنها 0 و1، أي تراكب كلتا الحالتين. تخيل -على سبيل المثال- فوتونًا يمكنه أن يُبدي استقطابًا إما أفقيًّا أو رأسيًّا. يستطيع الباحثون إنشاء تلك الكيوبتات بسهولة شديدة.

يمكن للتريت الكلاسيكية أن تكون 0 أو 1 أو 2 -مما يعني أن الكيوتريت يجب أن يجسد تراكُب الحالات الثلاث جميعها. وهذا يجعل صنع الكيوتريتات أصعب كثيرًا من صنع الكيوبتات.

ولإنشاء الكيوتريتات التي استخدمها الفريقان، استخدموا مسار التفريع الثلاثي لفوتون، متمثلًا في أنظمة بصرية مصممة بعناية من أجهزة الليزر ومقسمات الأشعة وبلورات باريوم البورات. ويقول الفيزيائي تشاو-يانج لو، أحد مؤلفي الورقة البحثية الجديدة لفريق بان وزايلينجر: إنه يمكن النظر إلى هذا الترتيب الغامض كمثال لتجربة الشق المزدوج الشهيرة. في هذه التجربة الكلاسيكية، يمر فوتون خلال شقين في الوقت نفسه، مما يخلق نمط تداخُل يشبه الموجة. كل شق هو حالة من 0 و1؛ لأن الفوتون يمر خلال كليهما. وإذا أضفنا شقًّا ثالثًا ليمر من خلاله الفوتون، فستكون النتيجة كيوتريتًا –أي نظام كمي يتميز بتراكُب ثلاث حالات يُشفِّر فيها مسار الفوتون المعلومات بفاعلية.

وقد كان صُنع الكيوتريت من فوتون مجرد مناوشة افتتاحية في معركة أكبر؛ إذ كان على الفريقين أيضًا مشابكة اثنين من الكيوتريتات معًا، وهذا ليس بالأمر اليسير؛ لأن الضوء نادرًا ما يتفاعل مع نفسه.

كان عليهم تأكيد تشابُك الكيوتريتَين، وهو ما يُعرف باسم "حالة بيل". وحالات بيل -التي سُميت كذلك تيمنًا بجون ستيوارت بيل رائد نظرية المعلومات الكمية- هي الأوضاع التي يبلغ فيها تشابك الجسيمات حده الأقصى. ويُعَد تحديد حالة بيل التي عليها الكيوتريتان أمرًا ضروريًّا لاستخلاص المعلومات منهما، ولإثبات أنها نقلت المعلومات بدقة عالية.

ما الذي يُشَكل "الدقة" في هذه الحالة؟ يقول ووترز: تخيل زوجًا من النرد الثقيل، إذا كان لدى "أليس" حجر نرد دائمًا ما يعطي الرقم 3، ولكن بعد أن أرسلته إلى "بوب"، أصبح يعطي الرقم 3 في نصف النتائج فقط، حينها تكون دقة النظام منخفضة، فهناك احتمالية كبيرة أنه سيفسد المعلومات التي ينقلها. إن نقل الرسالة بدقة أمرٌ شديد الأهمية، سواء أكان الاتصال كميًّا أم لا. وهنا يقع الخلاف بين الفريقين بشأن الدقة؛ إذ يعتقد جوو وزملاؤه أن قياسهم لحالة بيل -الذي تم إجراؤه على مدار 10 حالات- كافٍ لتجربة إثبات مفهوم، غير أن مجموعة زايلينجر وبان ترى أن فريق جوو فشل في قياس عددٍ كافٍ من حالات بيل للإثبات بشكل قاطع أنها تتمتع بدرجة عالية من الدقة.

رغم الانتقادات المتبادلة، فإن التنافس بين المجموعتين لا يزال في إطار ودي نسبيًّا، على الرغم من أن مصدر أول انتقال آني كمي لكيوتريت على المحك. يتفق كلا الفريقين على أن كلًّا منهما قد قام بنقل كيوتريت آنيًّا، وكلاهما لديه خطط لتجاوز مرحلة الكيوتريتات والانتقال إلى الأنظمة رباعية المستوى –الكيوكوارتات- أو حتى أعلى.

غير أن بعض الباحثين غير مقتنعٍ بالقدر نفسه، فيقول أكيرا فوروساوا، عالِم الفيزياء بجامعة طوكيو: إن الأسلوب الذي استخدمه الفريقان غير مناسب للتطبيقات العملية؛ لأنه بطيء وغير فعال. وقد أقر الباحثون بالانتقاد الموجه إليهم، لكنهم يدافعون عن نتائجهم باعتبارها عملًا لا يزال قيد التقدم والتطوير.

فيقول لو: "العلم بطبيعته تدريجي، أولًا تجعل المستحيل ممكنًا، ثم تعمل لتجعله مثاليًّا".