تعترف شركة «بيوجين» Biogen العملاقة للأدوية الآن بأنها ارتكبت خطأً في شهر مارس عندما أوقفت تجربتين على عقار تجريبي لعلاج «ألزهايمر». يشير تحليل عميق للبيانات، نُشِر يوم الخميس، إلى أن الدواء الذي يُسمى «أدوكانوماب» Aducanumab، أحدث فرقًا بالنسبة للمرضى الذين تناولوا الجرعة الأعلى للمدة الأطول، ولكن في إحدى الدراستين فقط.

شُوِّهت النتائج المبكرة على الدواء بإيقاف كلتا الدراستين، بعد أن أشارت البيانات الأولية إلى أن الدواء قد فشل في تقديم فائدة كبيرة، بالإضافة إلى الاختلافات غير المقصودة بين التجربتين اللتين كان من المفترض أن يكونا متطابقتين. في مؤتمر صحفي عُقِد يوم الخميس، أوضحت نائب رئيس «بيوجين»، سامانثا بُد هايبرلين، أن مزيدًا من المرضى في التجربة الناجحة تناولوا الجرعة الأعلى من الدواء مدةً أطول.

يقبل بعض خبراء ألزهايمر التفسير الذي قدمته «بيوجين»، ويأملون أن توافق إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على الدواء قريبًا. وقالت شارون كوهين، المدير الطبي لبرنامج تورنتو ميموري وأحد الباحثين في تجارب «أدوكانوماب»، في مؤتمر صحفي يوم الخميس -عُقد في اجتماع التجارب الإكلينيكية السنوية على مرض ألزهايمر في سان دييغو- إنها وجدت النتائج "مبهجة".

تقول كوهين: "الباحثون الذين يعرفون هذا المرض جيدًا، يعرفون معنى أن تفقد نفسك جزءًا تلو الآخر. وأي شيء يمكنك التعلّق به يُعَدّ انتصارًا"، مستشهدةً بإحصاء من البيانات الجديدة التي تشير إلى أن درجة تطوُّر المرض لدى المشاركين في التجارب ممن يتناولون الجرعات الأعلى، أصبحت أبطأ بنسبة 40 بالمئة مقارنةً بمَن يتناولون الدواء الوهمي. وتستطرد قائلةً: "عليك التفكير في هذا المرض باعتباره مرضًا طويلًا وبطيئًا. وإن كان بوسعك إبطاؤه أكثر، فأنت الرابح".

لكن بينما يسعد الآخرون برؤية المزيد من البيانات، فإنهم أقل اقتناعًا. "ليس بعلاج شافٍ، وليس بطريقة علاجية ستُحدث فرقًا ملحوظًا في مسار [مرض] شخصٍ ما"، وفق قول روبرت هوارد، أستاذ الأمراض النفسية لكبار السن في يونفرسيتي كوليدج لندن. ويكمل حديثه قائلًا: "إذا كان هذا حقيقيًّا، فهو إثبات مهم للفكرة. ولكنه من الناحية الإكلينيكية، ووفق البيانات، ليس علاجًا مفيدًا بعد".

هناك الكثير مما يعتمد على تجارب «أدوكانوماب»، وقد أدت نتائج معاودة الاستعمال، ومعاودة التوقف إلى قلب عالم الأبحاث. إذا نجح الدواء حقًّا، فسيدعم هذا الاكتشاف ما يسمى بفرضية الأميلويد، التي تجادل بأن العلاج الفعال لمرض ألزهايمر يعتمد على تقليل تراكُم بروتين يدعى بيتا أميلويد –وهو بروتين عند تراكُمه يشكل صفائح الأميلويد، التي تساعد على تطوُّر مرض ألزهايمر- في الدماغ.

لم تتمكن عقاقير أخرى تستهدف بيتا أميلويد من إظهار أي فائدة، وعندما أوقفت «بيوجين» دراسات «أدوكانوماب» في الربيع، اعتبر البعض هذا القرار دليلًا على أن فرضية الأميلويد -التي سيطرت على عالم أبحاث ألزهايمر لعدة عقود- باءت بالفشل. أدى إحياء الشركة لتجربة «أدوكانوماب» إلى بعث حياة جديدة في هذا الاتجاه من البحث.

أعلنت «بيوجين» في شهر أكتوبر أنها تعيد تقييم النتائج التي توصلت إليها في شهر مارس، وأنها ستتقدم لإدارة الأغذية والأدوية الأمريكية بطلب للحصول على موافقة لتسويق «أدوكانوماب» لمرضى المرحلة المبكرة من ألزهايمر. منذ عام 2003، لم يحصل أي دواء على الموافقة لعلاج المرض، وسيكون «أدوكانوماب» أول دواء يستهدف تعديل تقدُّم المرض وليس أعراضه فقط.

 ضم مؤتمر يوم الخميس كوهين والعديد من باحثي وأطباء ألزهايمر رفيعي المستوى، ممن عالجوا المرضى في التجارب. واتفقوا مع تحليل البيانات الذي قدمته «بيوجين»، وقالوا إن مرضاهم قد شهدوا نتائج جيدة مع الدواء وتحمسوا لمعاودة تناوُله من جديد. وتخطط «بيوجين» لإجراء دراسة متابعة، تتيح لأي شخص شارك في تجارب «أدوكانوماب» السابقة الحصول على الدواء.

في تفسير لماذا كانت نتائج إحدى التجربتين، المسماة EMERGE، أكثر إيجابيةً في المؤتمر، قالت بُد هايبرلين إن 29 بالمئة من المرضى في تجربة EMERGE و22 بالمئة من المرضى في التجربة الأخرى، المسماة ENGAGE، قد تلقوا نظامًا علاجيًّا كاملًا يتألف من 14 جرعة مقدار كلٍّ منها 10 ملليجرامات لكل كيلوجرام من الوزن. بدأت كلتا التجربتين في أواخر صيف عام 2015، وجرت متابعة المرضى لمدة 18 شهرًا.

وكي تتخذ «بيوجين» قرارها الذي أعلنته في مارس بوقف الدراستين، جمعت بيانات الدراستين EMERGE وENGAGE والنتائج التي أسفرت عن إنهاء الدراسات اعتبارًا من ديسمبر 2018 -أي أن عددًا أقل من الأشخاص قد أكملوا نظام الجرعة الكاملة من «أدوكانوماب»، وأن النتائج الإيجابية قد تعرّضت للتخفيف، وفق قول بُد هايبرلين.

شهد المرضى الحاملون أو غير الحاملين للجين الذي يُدعى APOE4، والذي يَزيدُ بشكل كبير من إمكانية الإصابة بمرض ألزهايمر، تحسُّنات في بيانات الدراسة EMERGE. وقد أصيب حاملو الجين APOE4 بأعراض جانبية أكثر بسبب الدواء، لكن يمكن التحكم بها، وفق قول بُد هايبرلين ولجنة الخبراء.

يلاحظ إريك ريمان -المدير التنفيذي لمعهد بانر ألزهايمر، وهو مؤسسة بحثية- أنه على الرغم من أن النتائج المستخلصة من التجارب ليست نهائية، يبدو أنها تعكس فائدةً إكلينيكية على نحوٍ معقول. "إذا أمكن التأكّد منها، فستشكل هذه النتائج علامةً فارقةً في مكافحة مرض ألزهايمر"، وفقًا لقول رايمن، أحد قادة مبادرة الوقاية من مرض ألزهايمر، وهي مؤسسة تهدف إلى تسريع عملية تقييم العلاجات الواقية من مرض ألزهايمر والموافقة عليها.

يقول هوارد، الذي شارك مؤخرًا في تأليف ورقة بحثية في دورية «نيتشر ريفيوز نيورولوجي» Nature Reviews Neurology تثير مخاوف بشأن بحث «أدوكانوماب»، إنه غير مقتنع بالتفسير الذي قدمته «بيوجين»، والذي يفيد بأن النتائج المتباينة يمكن تفسيرها بالفارق البسيط في النتائج لدى أولئك الذين تلقوا الجرعة الأعلى. وكان منطقه هو: لماذا يجب أن نصدق التجربة التي أظهرت الفوائد بدلًا من تلك التي لم تُظهر أيًّا منها؟

انزعج هوارد أيضًا من الملحوظة التي تشير إلى أن الذين تلقوا الجرعة الأعلى قد عانوا أكثر من الأعراض الجانبية. من المرجح أن الأشخاص الذين يصابون بأعراض جانبية مميزة يتلقون دواءً فعالًا مقابل الدواء الوهمي، وبوسعهم "إلغاء تعمية" الدراسة. فبمجرد معرفة الأطباء للمرضى الذين يتناولون الدواء الفعال، قد يشوهون النتائج لاشعوريًّا لصالحه، وفق قوله. كما أن مجموعة متلقّي الجرعة الأعلى أظهرت نسبة تسرُّب أعلى، وهذا ما يجعل النتائج تميل نحو أولئك الذين يرون فائدةً من الدواء، وفقًا لقول هوارد؛ لأن المجموعة الأصغر المتبقية من متناولي الجرعة العالية ستتضمنهم على الأرجح.

تجاهُل حقيقة أن إحدى الدراستين لم تُظهر أي فائدة، وإمكانية تحيُّز نتائج الدراسة الأخرى، "لن يقنعني بتقديم هذا العلاج لمرضاي على أساس فوائد ضئيلة، وأعراض جانبية، ومخاطر واضحة، ونفقات، وعدم ملاءمة الحصول على العلاج"، يقول هوارد.

إذا منحت إدارة الأغذية والدواء الأمريكية «أدوكانوماب» موافقة المسار السريع، فمن المحتمل أنها ستراقب الدواء مدةً من الوقت لتأكيد ما إذا كان آمنًا وفعالًا. يقول رايمان إنه في السنوات القليلة المقبلة سيتاح المزيد من البيانات القاطعة عن «أدوكانوماب» والنتائج المستقاة من النُّهُج الأخرى للحد من الضرر.

كما يدرس الباحثون أيضًا أنواعًا أخرى من العلاجات، ومن ضمنها استهداف حالات العدوى والالتهابات، وأي علاج ناجح من المرجّح أن يشمل مقاربةً مشتركةً تعتمد على أدوية متعددة، وفقًا لهيذر سنايدر، نائب رئيس جمعية ألزهايمر، وهي مجموعة بحث ومناصرة.

يقول رايمان إنه متحمس للعلاقات بين تأثيرات «أدوكانوماب» البيولوجية والفائدة الإكلينيكية المقترحة. ويعتقد أنه بمجهود إضافي، هناك فرصة لاستخدام الاختبارات البيولوجية لإيجاد ودعم الموافقة السريعة على علاجات الوقاية الفعّالة. ويقول: "إن نتائج «أدوكانوماب» المشجعة، قد تكون ذات تأثير عميق على الجهود المبذولة للعثور على أدوية أخرى لعلاج هذا المرض المريع والوقاية منه".