لا تزال حملات التلقيح ضد كوفيد-19 في بلدان أمريكا اللاتينية متأخرة إلى حدٍّ كبير عما يجري في النصف الشمالي من العالم، لكن دولة تشيلي تمثل حالة استثنائية شاذة عن هذه القاعدة؛ فقد تحدَّت البلاد هذا الاتجاه السائد في الإقليم، وتحركت سريعًا بإطلاق حملة أسهمت في توفير جرعات اللقاح الكاملة لنسبة من سكانها تفوق أي بلد آخر في المنطقة، رغم أن تعداد سكان هذه الدولة يزيد على عشرة ملايين نسمة، وبنهاية شهر مارس الماضي، كان سكان تشيلي قد حصلوا على الجرعات الكاملة من لقاح كوفيد-19، بمعدل شخص واحد من بين كل ثلاثة أشخاص على مستوى البلاد.

وبينما احتفلت تشيلي بهذه النجاحات، صارت البلاد في الوقت ذاته مثالًا تحذيريًّا صارخًا بشأن أخطار التهاون الناتج عن تعاطي اللقاح، فقد زادت حالات الإصابة بفيروس كورونا زيادةً كبيرةً في الشهور الماضية، فوصلت إلى رقم قياسي في عدد الإصابات اليومية بلغ 9151 حالة في التاسع من أبريل الماضي، كذلك فإن معظم وحدات الرعاية المركزة صارت تعمل بنسبة تقترب من طاقتها الاستيعابية القصوى على مدار الشهر الماضي، إذ سجلت البلاد ما يقرب من ألف حالة وفاة يوميًّا نتيجةً لكوفيد-19.

لقد تعجلت تشيلي في التراجُع عن قيود الصحة العامة المفروضة في البلاد في عام 2021، بعد أن نجحت في تأمين كميات كبيرة من اللقاح بناءً على صفقات عقدتها البلاد مع كُبريات شركات الأدوية العالمية التي تأتي على رأسها سينوفاك، إلى جانب شركات أخرى من بينها فايزر-بيونتيك، بدأت تشيلي في توفير اللقاح للعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية منذ الرابع والعشرين من ديسمبر 2020، وفي مارس أُعيدَ فتح المدارس وجرى السماح باستئناف الأنشطة عالية المخاطر، مثل ممارسة الرياضة داخل الصالات المغلقة، وعادت الحركة إلى الصالات الرياضية والكازينوهات.

يرى خبراء الصحة العامة أن إعادة فتح البلاد كانت إجراءً سابقًا لأوانه؛ فعلى النقيض من إسرائيل والمملكة المتحدة، اللتَين تنتهجان نهجًا تدريجيًّا يتمثل في سحب القيود المفروضة بالتزامن مع التوسع في توزيع المزيد من اللقاحات، تحتم على تشيلي أن تعود أدراجها إلى الخلف وأن تُضيِّق من جديد على الحريات الشخصية؛ ففي أواخر مارس الماضي، أعادت السلطات فرض حالة من الإغلاق التام على معظم مناطق البلاد، بل وأوقفت التصاريح التي تسمح لمواطني البلاد بشراء مستلزمات البقالة في إطار ما سمَّته السلطات "المحاولة الأخيرة" للحد من أعداد المصابين.

في هذا الصدد يقول خوان كارلوس سعيد، أخصائي الباطنة في مُجمَّع سوتيرو ديل ريو للرعاية الصحية في سانتياجو بتشيلي: "لقد بدأنا في تخفيف حالة الإغلاق وإجراءات التباعُد الاجتماعي قبل تمنيع نسبة كبيرة من السكان بفاعلية ضد كوفيد-19، وها نحن الآن قد وصلنا إلى وضع لا نتمكن فيه من إحكام سيطرتنا على الجائحة، رغم أن عددًا كبيرًا من السكان قد تلقوا التطعيم".

تشير دراسة نُشرت في مجلة «ساينس» في السابع والعشرين من شهر أبريل الماضي إلى أن حالات الإصابة بكوفيد-19 والوفيات الناتجة عنه كانت أكثر في المجتمعات الفقيرة في سانتياجو، ووفقًا لما توصلت إليه تلك الدراسة، فإن سكان المناطق ذات الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المنخفضة لم يلتزموا التزامًا صارمًا بأوامر البقاء في المنازل؛ "ربما لأن قاطني تلك المناطق لا يستطيعون العمل من المنزل، وهو ما يجعل احتمالية إصابتهم بالمرض أكثر"، كذلك فإن أشد المناطق تضرُّرًا كانت تلك التي تقل فيها معدلات الاختبار وتتبُّع المخالطين، يقول سعيد إن حكومة البلاد كان يتعين عليها أن تحدد الأماكن التي ينبغي فيها تركيز التدابير الصحية العامة لخفض حالات العدوى قبل اتخاذ قرارها بتخفيف القيود، لكنها عوضًا عن ذلك أصدرت تصاريح لملايين من الأشخاص بالسفر عبر شتى أنحاء البلاد.

يقول سعيد: "يبدو الأمر أشبه بعلاج مريض في مستشفى، لا يمكنك أن تكتفي بالقول: ’إنني سأُجري له جراحة على أعلى مستوى، لكنني لن أهتم بإعادة تأهيله أو بإعطائه مضادات حيوية‘، إنك بحاجة إلى إجراء عديد من الخطوات بطريقة جيدة، وحسبما أعتقد فإننا وضعنا كل ثقتنا في حلٍّ واحد".

تقول كلاوديا كورتيس، وهي أخصائية الأمراض المعدية بجامعة تشيلي: إن جهود الصحة العامة قد تعرضت كذلك للهدم على يد الساسة الذين تطلعوا إلى ضمان تسجيل مواقف لصالح حملات التلقيح في البلاد بدلًا من تأكيد الحاجة إلى إستراتيجية متعددة الجوانب من شأنها أن تتضمن إجراءات السلامة، تقول كورتيس عن ذلك: "كان الأمر أشبه بالحفل في كل مرة تصل فيها دفعة من اللقاحات، فترى الرئيس ووزير الصحة يحتفلان بها في المطار، كانت تلك المراسم بمنزلة رسالة مُوجَّهة، ربما لا تتضمن كلمات فحسب، ولكنها تنطوي على شعور بفرحة عارمة وتعبير عن النجاح بأننا ’قد حصلنا على أول دفعة من اللقاحات، وأن الأمر قد أصبح تحت السيطرة‘".

في الشهور الأولى من العام الجاري، شرع ملايين المواطنين في تشيلي، بعد أن أضنتهم القيود المفروضة من جرَّاء الجائحة لما يقرب من عام، يقضون عطلاتهم في مختلف أنحاء البلاد، حيث تخلوا عن ارتداء الأقنعة وتجمعوا في حشود كبيرة، أقر وزير الصحة في مارس بأن السلوكيات غير المسؤولة التي مارسها المواطنون في أثناء قضاء عطلاتهم كانت سببًا في زيادة عدد الإصابات، وأنه كان يجب على السلطات أن توضح للناس بشكل صريح أن اللقاحات بمفردها لا تُعد الدواء الشافي.

تأمل كورتيس أن تتبنى الدول الأخرى نبرةً مشوبةً بالحذر، وأن تتبع نهجًا متسقًا في نقل رسالة إلى مواطنيها مفادها أن اللقاحات لا توفر حلًّا فوريًّا، تقول عن ذلك: "ينبغي أن نواصل إخبار المواطنين بأن عليهم الاعتناء بأنفسهم وغسل أيديهم وارتداء أقنعة الوجه وتجنُّب الزحام، لا بد أن تكون الرسالة واضحة جدًّا وصريحةً للغاية".

يرى إدواردو أوندوراجا -خبير الصحة العالمية بالجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي- أن الارتفاع في أعداد المصابين يُبرِز الحاجة إلى التأكد من أن مواطني البلاد يدركون أنهم لن يبلغوا الحماية الكاملة حتى يحصلوا على جرعات اللقاح المُقرَّرة.

توصلت دراسة قدَّمها باحثون في جامعة تشيلي في السادس من أبريل الماضي إلى أن فاعلية لقاح «كورونافاك» -الذي تنتجه شركة «سينوفاك بيوتيك» الصينية- في منع العدوى بلغت 56.5% بعد أسبوعين من تلقِّي الجرعة الثانية من اللقاح، لكنها لم تتجاوز 3% بعد تعاطي الجرعة الأولى فقط.

يقول أوندوراجا إن لقاح «كورونافاك» يُمثِّل نسبة 85% من اللقاحات التي حصل عليها الناس في تشيلي، ويرى أن أغلب السكان لم يدركوا أنهم لن يحصلوا على استجابة مناعية قوية إلا بعد مرور أسبوعين من تلقي الجرعة الثانية، في أوائل عام 2020 لم يكن أغلب سكان تشيلي قد حصلوا على جرعتين من اللقاح بل جرعة واحدة، وربما كانوا حينذاك ينقلون الفيروس إلى غيرهم دون دراية، أو يصابون بالعدوى دون أن ينتبهوا.

يقول أوندوراجا: "يجب أن ننقل رسالة واضحة ومتسقة تُسهم في تجنُّب فكرة الحل السحري تلك؛ لأننا نعي أنه لا يوجد حل سحري للقضاء على هذه الجائحة".

يقول سعيد إنه يُعتقَد أن السلالات المتحورة الجديدة من فيروس كورونا التي تتميز بأنها أكثر قدرةً على الانتشار ومراوغة الأجسام المضادة، مثل سلالة بي-1 ((P.1 التي نشأت في البرازيل، قد تسببت في ارتفاع معدلات الإصابة في تشيلي، ومع انتشار السلالات المتحورة الجديدة وإسهامها في دفع عتبة مناعة القطيع إلى مستويات أعلى في مختلف أنحاء العالم، على الناس أن يتحلوا بالصبر، وعلى الحكومات أن تظل صامدةً وصارمةً في تطبيق القيود مدةً أطول".

يقول سعيد: "إن حكومة تشيلي قد أحسنت صنعًا بشراء اللقاحات، لكنها افتقرت إلى الثقة والجرأة اللازمة لمواصلة تنفيذ تدابير الصحة العامة التي كانت ضروريةً لوقف انتشار الفيروس، ولعل أبرز رسالة في هذا الصدد أنه لا يمكنك تركيز إستراتيجيتك على حل واحد فقط، فثمَّة طريقة واحدة لأداء عملك على أكمل وجه، لكن الفشل له عديد من الأوجه".