لدينا، نحن أهل الأرض، خطط كبيرة لكوكب المريخ. وفي العام المقبل، ستطلق وكالة ناسا المركبة الجوالة «المريخ 2020» -مركبتها الجوالة الأكثر طموحًا حتى الآن- تمهيدًا لعملية مستقبلية تهدف إلى إعادة الروبوتات إلى الأرض بعينات من صخور المريخ؛ بحثًا عن علامات لوجود حياة سابقة أو حالية على سطح الكوكب. وتخطط الوكالة أيضًّا لإرسال رواد فضاء إلى المريخ في وقتٍ ما في ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين، بل ومن الممكن أن تنقل صواريخ الإطلاق ذات الحمل الثقيل الجديدة -التي طورتها شركة سبيس إكس ((SpaceX- البشرَ إلى الكوكب الأحمر في وقت أقرب من ذلك. وفي هذه الأثناء، فإن الزيادة السريعة في استخدام الأقمار الصناعية المكعبة الصغيرة ذات التكلفة المنخفضة العاملة بين الكواكب، والمعروفة باسم الكيوبسات (CubeSats) -حلق أولها فوق كوكب المريخ أواخر العام الماضي- تشير إلى أن عددًا كبيرًا من الرحلات الأكثر تواضعًا إلى المريخ قد يكون وشيكًا في القريب العاجل.  

غير أن كل هذه الخطط مرهونة بما إذا كان في إمكان موفدي الأرض، بشرًا أو روبوتات، زيارة كوكب المريخ أو أي كوكب آخر دون التسبُّب في أضرار من خلال «التلوث الصادر» (إرسال الميكروبات الأرضية إلى الكواكب الأخرى) أو «التلوث الوارد» (جلب عوامل مُمْرضة فضائية مفترضة إلى كوكب الأرض). وإجمالًا، تُعرَف إجراءات الوقاية من كلا السيناريوهين، التي تم تداولها عبر عقود من النقاشات الدولية، بقوانين حماية الكواكب. ووفقًا لتقرير أصدرته وكالة ناسا الأسبوع الماضي، فإن هذه القوانين في حاجة ماسة إلى التحديث.

وفي بيان صدر مؤخرًا، قال توماس زوربوشن، المدير المعاون لإدارة المهمات العلمية التابعة لوكالة ناسا: «المشهد الخاص بحماية الكواكب آخذٌ في التغير بسرعة كبيرة الآن. فمن المثير أن يوجد لأول مرة عددٌ كبير من الأطراف الفاعلة المختلفة القادرة على التفكير في رحلات ذات اهتمامات تجارية وعلمية على حدٍّ سواء إلى أجرام سماوية في مجموعتنا الشمسية. نحن نريد الاستعداد لهذه البيئة الجديدة بسياسات مدروسة وعملية، تتيح الاكتشافات العلمية، وتحافظ على سلامة كوكبنا والأماكن التي نزورها».

قدم التقرير -الذي تم إعداده في ثلاثة أشهر تحت رعاية مجلس المراجعة المستقل لحماية الكواكب PPIRB))، المكون حديثًا من 12 عضوًا برئاسة آلان ستيرن، عالِم الفلك بمعهد أبحاث الجنوب الغربي-  ما يقرب من 80 نتيجةً ومُقترحًا لتوجيه الرحلات المستقبلية إلى الفضاء. كان الأبرز من بينها التوصية باجتماع المجلس كل بضع سنوات؛ لتحديث تقديراته في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة والتطورات التكنولوجية. وعلى الرغم من أن بعض الأطراف ذات الصلة ترى أن مثل هذه الجهود من شأنها أن تزيد عدد الرحلات العامة والخاصة، من خلال السماح لوكالة ناسا بتبنِّي منهج أكثر ذكاءً ومرونةً لحماية الكواكب، فإن البعض الآخر يخشى أن النتيجة الفعَّالة ستتمثل في التغافُل عن التدابير الوقائية القانونية لصالح تحقيق أهداف مرحلية كبيرة، مثل عودة الروبوتات بعينات، وهبوط البشر على كوكب المريخ.

معاملة خاصة

لنتدبر ما قد يكون التوصية الأكثر إثارةً للجدل لمجلس المراجعة المستقل: يقول التقرير إنه ينبغي على وكالة ناسا أن تضع في الاعتبار إنشاء «مناطق للبيولوجيا الفلكية» على كوكب المريخ، وهي «مناطق تُعتبر ذات أولوية علمية متقدمة للتعرف على مظاهر الحياة المنقرضة أو الموجودة»، وكذلك إنشاء فئة منفصلة من «مناطق الرحلات الاستكشافية البشرية»، وهي مناطق على كوكب المريخ قد يُسمَح فيها «بكميات من التلوث البيولوجي، المرتبط لا محالة بالرحلات الاستكشافية البشرية».

حاليًّا، توجه مجموعة مختلفة إلى حدٍّ ما من «قوانين تقسيم المناطق» الرحلات الاستكشافية لكوكب المريخ. فثمة أجزاء معينة من الكوكب تُعتبَر «مناطق خاصة»، وتتطلب معاملة خاصة مماثلة -مثل نُهُج أشد صرامةً لتعقيم المركبات الفضائية- من جانب الروبوتات أو الأشخاص، الذين قد يوجدون هناك، ومن أجلهم. إن اتخاذ مثل هذه التدابير الوقائية يقود عادةً إلى حدوث تأخيرات مكلفة وتجاوزات في الميزانية، مما قد يعرقل مسيرة الاستكشافات الكوكبية ويقوِّض فاعليتها.

وبوجه عام، تصنف لجنة أبحاث الفضاء التابعة للأمم المتحدة، المعروفة بلجنة »كوسبار« (COSPAR)، المنطقة الخاصة على أنها أي مكان قد تتكاثر فيه بسهولة ميكروبات منشؤها كوكب الأرض أو أي مكان يُحتمل أن توجَد فيه حياة أصلية على الكوكب. ونظرًا إلى أن الماء السائل هو حجر أساس لجميع أشكال الحياة المعروفة، فجميع المناطق الخاصة على كوكب المريخ هي أماكن يُعتقَد وجود مياه فيها من وقت إلى آخر على الأقل.

لم يتضح بعدُ كيف ستنجح بالضبط رحلات الفضاء المستقبلية في ضوء الاستعانة بمناطق البيولوجيا الفلكية ومناطق الرحلات الاستكشافية البشرية المقترحة مؤخرًا من جانب مجلس المراجعة المستقل لحماية الكواكب، مقارنةً بالمناطق الخاصة وفقًا لتصنيف لجنة »كوسبار«. وربما من أجل تفادي تلك المشكلة، يوصي تقرير مجلس المراجعة بأنه ينبغي على وكالة ناسا أن تراجع تصنيفات المناطق التي «لا تُعتبر» بوضوح مناطق خاصة، ويقول ستيرن إنه بالرغم من وجود اختلافات بين إطاري العمل، «فإن لهما المقصد نفسه». وفي النهاية، يقول ستيرن إن توصيات المجلس لاتباع منهج أكثر ذكاءً ودقةً لحماية الكواكب «ستتطلب إجراء المزيد من الأبحاث العلمية، وتعزيز فهمنا للمجموعة الشمسية وتطور الحياة عليها بسرعة أكبر».

قانون الأرض

يتجاوز كل هذا كونه محضَ مناقشة أكاديمية؛ لأن المناطق الخاصة وفقًا للجنة »كوسبار« هي مسألة متعلقة بالقانون الدولي، بموجب معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 الصادرة عن الأمم المتحدة. وتعتبر هذه المعاهدات -مثل معاهدة الفضاء الخارجي التي صدقت عليها الولايات المتحدة- بمنزلة «القانون الأسمى للأرض»، وفقًا للمادة السادسة من دستور البلاد، حسبما يقول كريستوفر شيبا، أستاذ الفيزياء الفلكية والشؤون الدولية بجامعة برينستون.

ونظرًا إلى أن معاهدة الفضاء الخارجي هي معاهدة متعددة الأطراف، فمن الضروري وجود اتفاق متعدد الأطراف بين أنصارها -وربما تتقدم وكالة ناسا وغيرها من وكالات الفضاء الأخرى بمقترحات، إلا أن لجنة أبحاث الفضاء (لجنة »كوسبار«) تحدد في النهاية معايير حماية الكواكب التي تؤثر بدورها تأثيرًا وثيقًا على التكاليف الإضافية المرتبطة بالرحلات بين الكواكب. ويقول شيبا: «إن الإجراءات في الولايات المتحدة يمكنها أن تعزِّز وضع الحكومة الأمريكية، بل وتفعل ذلك فعلًا، لتحل محل لجنة أبحاث الفضاء، ولكن لا تستطيع الولايات المتحدة أن تنفرد باتخاذ هذه القرارات، على الأقل دون أن تتوقع اعتراض باقي الدول، هذا ما لم نكن نعتزم إلغاء [معاهدة الفضاء الخارجي]. وستكون هذه الفكرة سيئة للغاية؛ نظرًا إلى أن هذه المعاهدة تحظر استخدام أسلحة الدمار الشامل في الفضاء الخارجي».

وشيبا متضامن مع الرأي القائل بأن بروتوكولات حماية الكواكب ربما تمثل عبئًا بالغًا، إلا أنه يحذر من أن معظم الخبراء في هذه المناقشة يخوضون معركة تعارُض المصالح؛ لأن «المتحمسين لاستكشاف الفضاء لا يسعدون برؤية ارتفاع التكاليف أو تَراجُع مسيرة الاستكشافات الفضائية». ويقول شيبا إنه من أجل تفادي التحيزات الراسخة، لا بد أن ترتكز قرارات حماية الكواكب بصرامة على العلم، لا على اهتمامات برامج بعينها أو جماعات ضغط ذات مصالح خاصة. ويضيف قائلًا: «إذا كان المرء ينوي اتخاذ قرار قائم على اهتمامات برنامج بعينه بغض النظر عن العلوم الحالية، فينبغي عليه الإقرار بذلك».

ليست مناطق خاصة جدًّا؟

قبل إصدار تقرير المجلس، وُزِّعَت داخل وكالة ناسا وثيقةٌ تتناول إمكانية تخفيف صرامة القوانين وكيفية تحقيق ذلك. كانت الوثيقة بعنوان: «هل حان الوقت لتحديث فهمنا للمناطق الخاصة على كوكب المريخ؟»، وقدمها ديف بيتي من إدارة استكشاف كوكب المريخ التابعة لمختبر الدفع النفاث بوكالة ناسا، وقد نوقشت في شهر أغسطس الماضي خلال اجتماع «مجموعة تحليل برامج استكشاف كوكب المريخ». وتقدم المجموعة، التي تستعين بها وكالة ناسا، خدمات علمية وتساعد في ترتيب أولويات الأنشطة الاستكشافية لكوكب المريخ.

وكانت ضمن الملحوظات التي قدمها بيتي ملحوظة تفيد بأن الباحثين المختصين بكوكب المريخ فشلوا حتى الآن في التأكيد بشكل قاطع على وجود أية منطقة خاصة على سطح الكوكب، بالرغم من عمليات البحث المركزة منذ عام 2006. بعبارة أخرى، لا تزال مثل هذه التصنيفات الوقائية قائمةً، حتى الآن، على التخمينات رغم تأثيراتها الكبيرة على التخطيط لرحلات الفضاء.

علاوةً على ذلك، أضاف بيتي أن القرائن المتزايدة تشير إلى أن العديد من خصائص السطح التي كان يُعتقد سابقًا أنها تدل على وجود مناطق خاصة، مثل وجود بقع داكنة على منحدرات تضيئها أشعة الشمس بصفة موسمية، والتي ربما سببتها تدفُّقات المياه المالحة، قد تتشكل بدلًا من ذلك في ظروف مناخية جافة يستحيل حتى على أقوى الميكروبات الأرضية الحياة فيها.

بالإضافة إلى ذلك، لاحظ بيتي أن البعثات البشرية إلى كوكب المريخ من شأنها أن تتعدى حتمًا الحدود الصارمة للتلوُّث البيولوجي المفروضة على المناطق الخاصة. وفي الواقع، سينشئ رواد الفضاء مؤقتًا مناطق خاصة موضعية في مواقع الهبوط وحولها، من أجل الاحتياجات المعيشية لهم. وكتب: «رغم ذلك، هل يوجد سبب لاعتبار هذا أمرًا مرفوضًا؟».

تقر كارول ستوكر -عالِمة الفضاء في مركز أميس للأبحاث التابع لوكالة ناسا- بأنه من الممكن إقامة حجة معارضة لفكرة المصادر المائية للمنحدرات ذات البقع الداكنة على كوكب المريخ؛ لأن البقع المرصودة تتدفق إلى أسفل المنحدر بنفس الطريقة المتوقعة من المواد الجافة.

وتقول ستوكر: «إلا أن هذا لا يعني أن العمليات السائلة لا تؤدي دورًا في تكوينها، وإنما تشير موسمية التدفقات وتكرارها إلى وجود دورٍ ما تؤديه المواد الطيارة. فالبيئة الصالحة للعيش تحتاج إلى طبقات رقيقة من المياه، وليس إلى جدول مياه متدفق، لدعم وجود الميكروبات».

أما بخصوص كيفية المضي قدمًا في البعثات البشرية المستقبلية، فتؤمن ستوكر بأنه لا ينبغي السماح بهبوط البشر إلا بعد أن تبحث المركبات الجوالة الروبوتية بدقة عن علامات وجود حياة في مواقع الهبوط المحتملة. وعلى الرغم من أن فكرة تلوُّث كوكب المريخ بكائنات دقيقة منشؤها كوكب الأرض حاضرة في ذهن أغلب الخبراء، تقول ستوكر إنه لا يمكن التغافل عن فكرة التلوث الوارد من الفضاء الخارجي. وتصرح ستوكر قائلةً: «من الضروري بذل جهد معقول للبحث عن حياة على كوكب المريخ قبل إرسال البشر إلى هناك؛ لأنه لا توجد وسيلة لضمان أن هؤلاء البشر لن يعودوا ومعهم ملوثات محتملة».

الخطوات المقبلة على الطريق

تقول كاثرين كونلي، التي شغلت منصب مسؤول حماية الكواكب بوكالة ناسا منذ عام 2006 وحتى عام 2017: إن الجدل الدائر حول كيفية استكشاف العوالم الأخرى على نحو مسؤول يُختزَل إلى صراع أساسي للغاية، ألا وهو «لدينا مهندسون مقتنعون بأنهم يعرفون كل شيء، وعلماء أحياء يعترفون بأننا ما زلنا لا نعرف الكثير. هذا، بالأساس، هو جوهر النزاع».

وتقول كونلي إنه بدءًا ببرنامج أبولو، سعت وكالة ناسا لطلب النصيحة بخصوص حماية الكواكب من كبار العلماء ووكالات الفضاء حول العالم، وكذلك نصيحة خبراء الهندسة والاتصالات العامة والأخلاقيات والقانون وجهات الاتصال من مختلف الهيئات التنظيمية بالحكومة الأمريكية؛ إقرارًا منها بأن تداعيات التلوث بين الكواكب قد يكون لها آثار عالمية على كوكب الأرض والمجتمع الإنساني. وتضيف كونلي قائلةً: «كان الغرض من طلب النصيحة من مجموعة كبيرة من الخبراء هو ضمان ألا تسفر الخبرة المحدودة لوكالة ناسا في علم الأحياء وعلم الاجتماع ودورها الحكومي الموجه نحو بعثات الفضاء، عن قرارات غير مدروسة تتنافى مع المنطق العلمي أو المنطق التنظيمي».

وعلى الرغم من ذلك، يوضح تقرير مجلس المراجعة المستقل أن الرحلات الفضائية قد تطورت مع دخول كيانات جديدة إلى المجال، كيانات من القطاع الخاص تسعى لإجراء مجموعة كبيرة من الأنشطة الفضائية، وكذلك بلدان جديدة تُجري رحلات فضائية بين الكواكب، مثل الصين والهند. باختصار، الزمن يتغير.

لا يزال غير معروف بعدُ مدى السرعة التي يمكن -بل وينبغي- أن تتغير بها السياسات لتعكس هذا الواقع الجديد. لم تظهر البرتوكولات الحالية والسابقة لحماية الكواكب إلا بعد سنوات عديدة من المناقشة المتأنية بين العديد من الأطراف صاحبة المصلحة. والآن يمر الوقت بينما تُمعن الجهود المتعددة -العامة والخاصة على حدٍّ سواء- النظر في البعثات الفضائية الطموحة إلى سطح كوكب المريخ في المستقبل القريب.

وفي الوقت الراهن، وفقًا لزوربوشن من وكالة ناسا، سيتم تمرير نتائج المجلس وتوصياته إلى الأكاديمية الوطنية للعلوم والهندسة والطب ومجلس ناسا الاستشاري؛ لمساعدة الوكالة على صياغة توصياتها الرسمية وتقديمها إلى لجنة أبحاث الفضاء «لجنة كوسبار».

ويختتم ستيرن قائلًا: «ليست هذه كلمة النهاية على أية حال في هذه العملية الهادفة إلى تحديث تدابير حماية الكواكب، بل هي مجرد خطوة واحدة على الطريق».