لم يعد ثمة شك في أن العالم يزداد دفئًا، ويقع جزءٌ من اللوم في ذلك على عاتق البشر. فإن لم نُحدث تغييرات جدية على المستويين الفردي والمجتمعي في السنوات القادمة، فقد تكون العواقب كارثية. ومع ذلك، فهذه التغييرات بطبيعتها صعبة التنفيذ؛ لأنها تتعارض تعارضًا مباشرًا مع الطبيعة البشرية. فالبشر يميلون بالفطرة إلى اتخاذ قرارات قصيرة الأجل (كركوب الطائرة بدلًا من القطار مثلًا) بدلًا من السعي وراء المصالح الجماعية طويلة الأجل. بعبارة أخرى، غالبًا ما يفضل البشر الفوائد الآنيَّة الملموسة، على تلك التي تحدث في المستقبل الذي يتَّسم بالتجرُّد. ولكن كيف يمكن التغلُّب على هذا الميل الطبيعي لدى البشر؟ كيف يمكن أن تُنافسَ النتائجُ الملموسة، كالمال والوقت والراحة، تهديدًا مجردًا مثل تغيُّر المناخ؟

المشكلة الأساسية هي أن الناس يتعاملون مع المعلومات المجردة بشكل مختلف عن المعلومات الملموسة، فعادةً ما تقود المعلومات المجردة إلى التفكير والتساؤل، ولكن دون فعل. تنحو المعلومات الملموسة إلى مخاطبة الأمور الأكثر إلحاحًا، محفزةً الاعتقاد بالحاجة إلى أن نتخذ إجراءات آنيَّة. كما أنه من الأرجح أن تثير المعلومات الملموسة مشاعر قوية كالفرح أو الإحباط أو التعاطف، فنحن نشعر بسعادة بالمكافأة التي نتلقاها في اليوم التالي أكبر من تلك التي نشعر بها عند الحصول على المكافأة نفسها بعد شهرين. وغالبًا ما تُحدِثُ التجارب الملموسة تغييرات في سلوكنا. فتدفعنا رؤية تسربٍ بسيطٍ للمياه إلى تجديد منزلنا. ورواية أحد الأصدقاء لقصة عن الملاريا، قد تكون كافيةً لنقرر ألا نزور أي بلد استوائي؛ فالأحداث الملموسة وإن كانت صغيرة، يمكن أن يكون لها تأثيرات قوية.

وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة النفسية البشرية تمثل تحديًا في مجابهة القضايا العالمية، فإنها قد تُوَجِّهُ أيضًا نحو حلٍّ ما. على سبيل المثال، ستحفز قصة عن أحد اللاجئين الناسَ على تقديم المساعدة في مقابل تقديم الموضوع في صورة إحصائيات ربما تكون أكثرَ إثارةً للقلق حول أعداد اللاجئين عمومًا. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، الصورة التي التُقطت عام 2015 لطفل سوري غارق جرفته الأمواج إلى أحد الشواطئ التركية. في ذلك الوقت، كانت الإحصائيات المتعلقة باللاجئين السوريين معروفةً تمامًا، إلا أن صورة طفلٍ واحدٍ هي التي أثارت موجةً من القلق العارم، وهو ما يُظهر قوة التعاطف.

كيف يمكننا إذًا معالجة المشكلة المجردة المتعلقة بتغير المناخ؟ يُستَمَد أحد الحلول النفسية من إدراكِ أن بعض النتائج الجماعية، البعيدة كل البعد عن كونها نتائج مجردة، تؤثر فعليًّا في الحاضر الملموس. فقد تكون النتائج الملموسة، التي هي على العكس أكثر تفاهةً بكثير، بمنزلة تذكير قوي بما سيحدث مستقبلًا. وثمة مثال جلي على ذلك، هو دراسة حديثة صاغت الضرر الذي لحق بالطبيعة من زاوية قتل صراصير الليل -أجل، صراصير الليل، كتذكير بسيط ورمزي للطبيعة التي لا نضعها في الحسبان. حاكت الدراسة «تراجيديا المشاع»، وهي أحد أنواع المآسي الكلاسيكية التي تكون فيها الإستراتيجية المُثلى للفرد هي الحصول على أكثر من نصيبه العادل من أحد الموارد المحدودة. وُضِعَ المشاركون في مجموعات مكونة من ستة أفراد، وقيل لهم إنهم سيشاركون في لعبة تتضمن مجموعةً من الموارد المشتركة تحتوي على 3000 «نقطة» قابلة للاسترجاع مقابل مبلغ صغير من المال. في كل جولة من اللعبة، يمكن للمشاركين أخذ ما يصل إلى ثلاثين نقطة لأنفسهم (سِرًّا). ولكن كانت الخدعة أنهم إن أخذوا الكثير من النقاط، سيُستنزف مخزون الموارد وستنتهي اللعبة قبل الأوان، وهو ما يعني مواردَ أقل للجميع. ولكن كان ثمة اختلاف رئيسي واحد عن الأبحاث التقليدية فيما يتعلق بهذه المهمة، والتي تُسمى مهمة معضلة اجتماعية. فبدلًا من تصويرها على أنها معضلة اقتصادية فحسب، قيل لنصف المشاركين إن قراراتهم بشأن استخدام موردهم سيكون لها آثار فورية على حياة الصراصير؛ إذ إن الإفراط في استخدامه ينطوي على إمكانية القضاء على الصراصير تمامًا. وهكذا، بدلاً من مجرد تقديم نموذج لكيفية اتخاذ الأشخاص للقرارات عندما يكون اهتمامهم مُنصبًّا فقط على ما قد يحصلون عليه هم، أو اللاعبون الآخرون، من موردٍ ما، عملنا أيضًا على تضمين تذكير جلي، لكنه رمزي، بالضرر الذي لحق بالمورد نفسه. في هذه النسخة من اللعبة، تلقَّى المشاركون ملحوظات متفرقة تذكرهم بأن المخزون آخذٌ في النضوب. وبينما أُحيط نصفهم علمًا بأن ذلك سيكون له آثار فورية على حياة الصراصير، فإن النصف الآخر لم يكن على دراية بأمر الصراصير، وأُحيطوا علمًا فقط باقتصاديات اللعبة (كما هو الحال عادةً في هذه المهمة).

كانت النتائج واضحة. فالعديد من المشاركين الذين كانوا يعرفون بأمر الصراصير كان احتمال أن يختاروا خيارات مستدامة أرجح، واستمروا في فعل ذلك في مناسبات متكررة. ربما يكون من شأن أمر رؤية الناس لقطع الأشجار، أو لردود الفعل الخائفة لكثير من الثدييات أن يساعدهم على اتخاذ خيارات أكثر استدامة. الرسالة المستقاة من هذا البحث هي أنه في بعض الأحيان، إذا تسنَّى للناس إمكانية معرفة بعض العواقب الملموسة: مثال ذلك، إذا كان قطع الغابات المطيرة يعني القضاء على الحيوانات، وحتى الحشرات، فقد يقل لدى الناس التركيز على تحقيق مكاسب اقتصادية فورية لأنفسهم.

بدلًا من تقديم معلومات مجردة بشأن تغيُّر المناخ، يمكن للحكومات التي تسعى إلى الحد من تغير المناخ أن تأخذ بعين الاعتبار تسليط الضوء على الضرر الذي يلحق بالطبيعة بطرق أكثر واقعية. على سبيل المثال، بدلًا من الإحصائيات حول استنزاف الغابات المطيرة، قد تساعد الأفلام التي تصور الضرر الذي يلحق بحيوانات معينة، بل وحتى بأشجار أو نباتات بعينها. أو قد توضح حملات التوعية الإعلامية العامة عواقب تغيُّر المناخ الملموسة بالقدر نفسه، وإن كانت أقل ذيوعًا، مثل حالات الانتحار المرتبطة بموجات الحرارة.

توجد طريقة أخرى لتغيير السلوك المناخيّ لدى الناس، وهذه الطريقة تتعلق بتغيير طريقة تفكيرهم بشأن المستقبل. قد تكون إحدى طرق تحقيق ذلك هي التركيز على الأشخاص الذين سيتعين عليهم التعامل مع عواقب تأثير سلوكنا السيئ. وحتى الآن لا يوجد الكثير من البحوث حول هذا الموضوع. ولكن في بعض البلدان في الأشهر الماضية، كان الأطفال هم مَن نظموا إضرابات في مدارسهم وتظاهروا احتجاجًا على التغير المناخي. ومن المثير للاهتمام أيضًا، أنه في العديد من الأماكن حول العالم بدأ الأجداد كذلك بالتظاهر ضد تغيُّر المناخ، في محاولة لضمانِ مستقبلٍ مشرقٍ لأحفادهم.

بلا شك، يعتبر الخليط الذي يمزج بين حداثة السن والضعف خليطًا قويًّا على نحو استثنائي في إثارة التعاطف؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لمعاناة جرو صغير أن تزيد التعاطف أحيانًا أكثر من معاناة البشر الآخرين. بل إن هذه الميول إلى التعاطف تكون أقوى إذا كانت تتعلق بالصغار والضعفاء الذين يشاركوننا جيناتنا، ألا وهم أطفالنا. فصِلة الدم هي بالتأكيد الإجابة الأولى التي تفسر السبب في ميل الناس إلى التعاون ومساعدة بعضهم لبعض. فلِمَ لا نُضَمِّن الأطفال في حملات التوعية العامة لزيادة الوعي بتغير المناخ؟ يُجَسِّدُ الأطفال فكرة الضعف وقلة الحيلة، ويثيرون مشاعر الحاجة إلى الرعاية والحماية. فالناس الذين يتلقون تشجيعًا على تبنِّي منظور أن هذا الطفل "ابنهم" أو "ابنتهم"، يكونون على الأرجح أكثر مراعاةً للمستقبل.

على الرغم من أن البشر قد طوروا القدرة على وضع الآثار المترتبة على أفعالهم على المدى الطويل في عين الاعتبار، فإننا نواجه مشكلة أكبر عندما يتعلق الأمر بمشكلة مجردة، أو عندما تبدو العواقب في المستقبل البعيد. يشير بحثنا إلى أننا بحاجة إلى إيجاد طرق لتوسيع نطاق الحرص على المصلحة الشخصية، ليس فقط على النطاق المستقبلي المتعلق بالأجيال القادمة، بل على النطاق الواسع الذي يشمل الأنواع أو الأنظمة البيئية الأخرى.