أدت التطوراتُ الإيجابيةُ المُتلاحقةُ التي شهدناها مؤخرًا فيما يتصلُ بلقاحات مرض "كوفيد-19" إلى ارتياحٍ كبير في عالمٍ أنهكته الجائحةُ، غير أن اللقاحات مهما بلغت درجة فاعليتها فليست كافيةً وحدها لإنهاء هذه الجائحة العالمية، وبالنسبة للعديد من المجتمعات المُعرَّضة للخطر على مستوى العالم، لن تصل اللقاحاتُ بالسرعة الكافية.

لقد تمكَّن العلماءُ من تطوير لقاحَي "مودرنا" و"فايزر" في وقتٍ قياسي، بيْد أن الإعلانَ عنهما يحملُ في طياته عددًا من التحديات الكبيرة؛ فليس من السهل إيصالُ لقاحاتٍ مُكوَّنةٍ من جرعتين مع الوفاء بمتطلباتٍ صارمة تتعلق بسلاسل التبريد إلى قُرابة ثمانية مليارات شخصٍ، يقطن كثيرٌ منهم مجتمعاتٍ تعاني نُظُمُها الصحية من نقص التمويل والإنهاك، وحتى إذا تغلبنا على التحديات اللوجيستية، تظل الحقيقةُ القائمة أن إيصال اللقاحات والعلاجات والفحوص إلى جميع الأشخاص الذين يحتاجون إليها مُهمةٌ تتطلب وقتًا وتمويلًا، وهذا يُعيدُ إلى الأذهان ذكرى مُزعجةً حين استغرق إيصالُ الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية إلى المصابين بفيروس نقص المناعة البشري (الإيدز) في المجتمعات الفقيرة سبعةَ أعوام من طرحها، وإلى أن تحقَّق ذلك، كان الملايينُ من الناس قد لقوا حتفهم، وأُصيب ملايين آخرون بالمرض، وواصلت جائحةُ فيروس نقص المناعة البشري انتشارَها.

تظل التدابيرُ الأساسية لمكافحة هذا الفيروس بالغةَ الأهمية إلى أن يحين الوقت الذي نجتاز فيه تلك العقبات ونضمن الإيصال العادل للقاحات والعلاجات بمجرد توافرها إلى جميع أنحاء الكوكب.

فالعديدُ من البلدان ستستمرُّ وقتًا طويلًا في الاعتماد على وسائلَ ثبتت فاعليتُها في مكافحة الجائحة، والوصفة بسيطة: إجراء الفحوص، وتتبُّع الحالات المخالطة، والعزل، هذه العمليةُ المباشرةُ الفعَّالة ضروريةٌ لإعادة فتح الاقتصاد والمجتمعات بأمان، ويتأتى ذلك من خلال التوسع السريع والعادل في تقنيات التشخيص، الذي ثبت أنه الوسيلةُ الأهم في الحد من انتشار مرض "كوفيد-19"، فإجراءُ الفحوص، وتتبُّع الحالات المخالطة، وعزل الحالات المُصابة -ومستقبلًا إجراء الفحوص وتتبُّع الحالات المخالطة وتقديم العلاج اللازم بمجرد توافره- نهجٌ فعالٌ ومستدامٌ في مكافحة الفيروس، لا سيما إذا قُورن بتدابير الإغلاق الطارئة التي تُعَدُّ الملاذ الأخير، والتي يمكن أن تؤدي إلى انحسار دعم الناس وثقتهم، الضروريَّين لإنجاح العديد من الإجراءات الصحية المفيدة الأخرى، التي تتضمن التطعيم وارتداء الكمامات.

انتُهجت هذه الإستراتيجية بنجاحٍ في أنحاء العالم عقودًا من الزمان بهدف مكافحة أمراضٍ استمرت عصورًا، منها مرض السُّل، وهذه الإستراتيجية تُحدث أيضًا فارقًا ملموسًا في مكافحة مرض "كوفيد-19".

فبدءًا من بلدانٍ ذات دخولٍ مرتفعة، مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية، وصولًا إلى بلدانٍ ذات دخولٍ منخفضة ومتوسطة، مثل السنغال وفيتنام، تمكَّن الزعماء من السيطرة على انتشار مرض "كوفيد-19" بمساعدة نُظُمٍ قوية للصحة العامة وإستراتيجياتٍ فوريةٍ مُوسَّعةٍ للفحص والتتبُّع والعزل، وقد بُني العديدُ من هذه النُّظُم تدريجيًّا عبر استثماراتٍ رُصدت لمكافحة أمراضٍ مُعدية أخرى، منها فيروس نقص المناعة البشري والسل والملاريا، ودعمتها منظماتٌ حكومية ومتعددة الأطراف، منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العالمي لمكافحة السُّل والإيدز والملاريا على مدار عقدين من الزمان، وقال جون نكنجاسونج، رئيس المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها: إن العديد من البلدان الأفريقية تمكَّنت من التكيُّف مع جائحة "كوفيد-19"، ويرجع الفضلُ في ذلك إلى "جهودٍ قاريةٍ مشتركة"، ركزت على التوسُّع في إجراء الفحوص، وتتبُّع الحالات المخالطة، وتوجيه الصحة العامة لرسائل تتعلق بارتداء الكمامات، ويُستدَلُّ من ذلك على أن الاستثمار في هذه التدابير البسيطة في التعامل مع الجائحة أدى إلى عدم لجوء العديد من هذه البلدان إلى الإغلاق إلا لفتراتٍ أقصر مقارنةً ببلدانٍ أخرى.

لكن حتى البلدان التي أبلت بلاءً حسنًا واجهت صعوباتٍ كثيرة، نظرًا لعِظم التحدي الذي نواجهه والذي لم يسبق له مثيل، وكما يحدث في الغالب، تستمر المجتمعاتُ الأشدُّ احتياجًا في تحمُّل العبء الأكبر، على مستوى البلدان وداخلها.

ففي حقيقة الأمر، تستطيعُ البلدانُ مرتفعةُ الدخل بوجهٍ عام إجراء فحوصٍ على نسبةٍ من سكانها تزيد كثيرًا على النسبة التي تتمكن البلدانُ ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة من فحصها؛ فالمملكةُ المتحدة، على سبيل المثال، أجرت أكثر من 42 ألف فحصٍ لكل 100 ألف شخص، ما يغطي قرابة نصف تعدادها السكاني، في حين يُجري بلدٌ مثل النيجر 143 فحصًا فقط لكل 100 ألف شخص، ولحسن الحظ، ثمة دلائل جديدة واعدة على دعم تطوير الفحوص السريعة ونشرها، ومن أمثلة ذلك مساعدةُ منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO) بلدان أمريكا الجنوبية على تطبيق بروتوكولات فحصٍ جديدة وتمكين العاملين بمجال الرعاية الصحية.

لكن بمقدورنا، وينبغي علينا، أن نفعل المزيد.

فقد أوضحت مبادرةُ تسريع إتاحة أدوات مكافحة مرض "كوفيد-19" (ACT) أن فحوصًا موثوقةً قليلة التكلفة وسهلة الاستخدام يُمكن إتاحتها لكل الناس في كل مكان مقابل 77 سنتًا فقط لكل مواطن في العالم، ما سيُسهم في إنقاذ 9 ملايين شخص على الأقل ويقي أكثر من 1.5 مليار شخص من الإصابة بمرض "كوفيد-19" في البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة، إلا أن الفحوص المشتراة والمُوزَّعة لم تتجاوز بعدُ 20 مليون فحص من أصل 500 مليون فحص دعت إليها المبادرة المذكورة، وقد تمكَّنت المبادرةُ من عقد صفقة رائدة تُوفِّر بموجبها 120 مليون فحص سريع، لكن تمويلها لا يكفي حتى الآن إلا لشراء 16 مليون فحص وتوزيعه.

إذًا التمويل مطلوبٌ على وجه السرعة لتوسيع نطاق الإجراءات التشخيصية لتصل إلى مَنْ أهم أشدُّ احتياجًا إليها، وإذا لم يتحقق ذلك، فستزداد الفجوة اتساعًا بين دول العالم وتصبح حياةُ المزيد من ملايين الناس عُرضةً للخطر من جَرَّاء الفقر المُدقع ونقص الغذاء وفقدان الوظائف، خاصةً في البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة.

وقد يؤدي هذا أيضًا إلى عرقلة الخدمات الصحية الأساسية اللازمة لرعاية الحالات الحرجة، مثل فحوص السرطان وعلاج فيروس نقص المناعة البشري والتطعيمات، ومن دون الموارد المناسبة، سوف يواصل مرض "كوفيد-19" انتشاره الجامح، مما سيعوق البلدان عن مواجهة فيروس نقص المناعة البشري والسُّل والملاريا، واستنئاف مسيرتها من جديد نحو أهداف التنمية المستدامة 2030، فإذا لم يتحرك العالم، سيكون مصيره خُسران ما أحرزه من تقدمٍ في مواجهة تحديات كبرى، كالفقر والمساواة بين الجنسين.

إن تزويد الحكومات بالموارد والإمكانيات اللازمة لبناء نُظُمٍ للفحص والتتبُّع والعزل تدور في فلك أهداف موحَّدة للرعاية الصحية سيُخفِّف من درجة اضطرارنا إلى الاعتماد على اللقاحات التي يصعب توزيعها وعلى تدابير الإغلاق في سبيل مكافحة الجائحة، وهو ما من شأنه أن يُساعد في تجنُّب المزيد من الصعاب الاقتصادية، كما أنه سيُسهم في تحقيق عوائد تتجاوز الانتصار على مرض "كوفيد-19" بكثير؛ فتعزيز هذه الجهود سيُثمر مكاسبَ ضخمةً على المدى الطويل، عن طريق تقوية المنظومة الصحية في البلدان الأكثر احتياجًا إلى ذلك، وتحسين الجاهزية لحالات الطوارئ، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة المِحن، وهذا بدوره سيُسهم في دفع جميع البلدان نحو تحقيق التزاماتها بحلول عام 2030.