اجتاز علم صناعة الأطفال عتبة جديدة، على الأقل في القوارض. إذ تمكن فريق من العلماء في الصين من إنتاج عدد صغير من الفئران الوليدة الصحيحة ظاهريًّا من أبوين من الجنس نفسه من الإناث. وكذلك أنتج الباحثون صغارًا من أبوين من الذكور، غير أن هذه الصغار نفقت جميعها بعد الولادة بوقت قصير، ما أكد حقيقة أن التقنية الجديدة ما زالت تواجه عقبات خطيرة.

ويقول مؤلف الدراسة الأول كي زهو، الذي يعمل على الخلايا الجذعية والبيولوجيا الإنجابية بالأكاديمية الصينية للعلوم: إن النهج الذي اتبعه الفريق، الذي يعتمد على علم الخلايا الجذعية وتقنية التحرير الجيني كريسبر-كاس9 (CRISPR–Cas9)، يمثل "طريقة جديدة لإنتاج صغار من ثدييات من نوع الجنس نفسه".

في حال التمكُّن من تطوير الإجراء إلى حد كبير، وفي حال عملت بصورة جيدة في الثدييات الأكبر حجمًا، فإن ذلك قد يمنح في نهاية الأمر أملًا للأزواج من الجنس نفسه من البشر الذين يرغبون في إنجاب أطفال مرتبطين بيولوجيًّا بكلا الأبوين. ومع ذلك فإن هذا السيناريو لا يزال بعيد المنال، وقد لا يصبح قابلًا للتطبيق مطلقًا من الناحية العلمية. ويقول فيودور أورنوف، نائب رئيس معهد ألتيوس لعلوم الطب الحيوي في سياتل، الذي لم يشارك في البحث: "يتطلب الأمر قدرًا هائلًا من العمل لإقناعنا بأن عمل هذا في البشر لن يُحدِث ضررًا، وما زال الطريق أمامنا طويلًا جدًّا". علاوة على ذلك، فإن من شأن الأمر أن يظل مثيًرا للخلاف جدًّا؛ لأن الصغار المولودين لأبوين من الإناث لن يحملوا الكروموسومات Y، وبالتالي لا يمكن أن يكونوا إلا إناثًا.

 ويقول زهو إن باحثين آخرين وَلَّدوا في السابق ذريةً من فأرين من الإناث، غير أن القوارض الصغيرة أصيبت بمشكلات صحية متعددة وكانت العملية أكثر تعقيدًا. كما أنتج علماء في الولايات المتحدة الأمريكية من قبلُ ذريةً من فأرين من الذكور، غير أن ذلك العمل استخدم تقنية مختلفة تمامًا اشتملت على إيجاد "أم" وسيطة، بمعنى أن أحد الأبوين مُنِحَ القدرة على تكوين بويضات. ويقول ريتشارد بيهرينجر، أستاذ علم الوراثة في مركز إم دي أندرسون للسرطان التابع لجامعة تكساس، الذي قاد العمل الأسبق الذي استخدم تقنية الأبوين الذكور: إن تلك العملية ثنائية الأب لن تكون قابلة للتطبيق في البشر (على الأقل باستخدام التقنيات الحالية)؛ لأنها تعتمد على خلل وراثي من شأنه أن يصنع إنسانًا عقيمًا. ويضيف أن البحث الذي أجراه زهو وزملاؤه يُعَد "إنجازًا تقنيًّا استثنائيًّا". ذُكِرَت النتائج التي توصل إليها الفريق في دراسة نُشِرَت يوم الخميس في دورية "سيل ستيم سيل" Cell Stem Cell.

للحصول على فئران مرتبطة بيولوجيًّا بزوج من الأمهات، عرَّض زهو وزملاؤه بويضات غير ناضجة لمواد كيميائية جعلت البويضات تتصرف وكأنها مُلَقَّحة وتبدأ في الانقسام. ومن تلك البويضات، استطاع العلماء بعد ذلك حصد خلايا جذعية مفردة الصبغيات، بمعنى أن كل خلية احتوت فقط على نصف العدد النمطي من الكروموسومات، وليس على المجموعة الكاملة من أبوين.

"أزال" العلماء بعد ذلك التعليمات الباقية بالخلايا الجذعية مفردة الصبغيات لكي تتصرف وكأنها بويضات. وأنجزوا هذا باستخدام تقنية كريسبر CRISPR لحذف ثلاث مناطق مهمة من الدي إن إيه، هي التي تتحكم في أي المفاتيح ينبغي تشغيله أو غلقه على طول الجينوم للتعبير عن جينات محددة لأحد الأبوين (وهي ظاهرة تُسَمَّى التطبع الجيني). وبعد ذلك احتاجوا إلى استدراج تلك الخلايا نفسها للتصرف على نحو أشبه بحيوان منوي، لذا حذفوا أي تسلسلات متبقية أخرى في الدي إن إيه كانت تتحكم في أي الجينات يعمل أو يوقف عمله. وبعد ذلك حقن الباحثون كل خلية منوية صناعية في بويضة أخرى، لينتجوا بذلك بُويْضة مُخصّبة من زوج من الأمهات. وفي النهاية زُرِعَت البُويْضة المُخصّبة في رحم فأرة ثالثة قامت بدور أم بديلة. وبهذه الطريقة انتهى الأمر بالفريق إلى الحصول على 29 فأرًا حيًّا من 210 بُويْضات مُخصّبة؛ أي بنسبة نجاح بلغت 14 بالمئة تقريبًا. كبرت تلك الفئران الوليدة وأنجبت ذريةً خاصة بها من آباء من فئران ذكور.

كانت محاولة إنتاج فئران لأبوين من الذكور أكثر تعقيدًا، وأقل نجاحًا بكثير. كانت الخطوات الأولى مشابهة، بدءًا من الخلايا التناسلية (حيوانات منوية هذه المرة) وتسخير تقنيات مختبرية لإنتاج خلايا جذعية مفردة الصبغيات. بعد ذلك حذف الباحثون سبع مناطق في الدي إن إيه، وهي المناطق التي تتحكم في التطبع الجيني، من كلٍّ من تلك الخلايا. ثم حقن الباحثون كلًّا من تلك الخلايا الجذعية المنوية المعدلة –إلى جانب حيوان منوي من الأب الثاني– داخل بويضة منزوعة النواة (وهي بويضة أُزيلت منها النواة بحيث لا تستطيع إصدار تعليمات بيولوجية من جانبها). ولإنجاح هذا النظام ثنائي الأب كانوا لا يزالون بحاجة إلى مشيمة، وهي التي تغذي الجنين خلال فترة الحمل، لذا كان عليهم بعد ذلك إجراء عملية شاقة للحصول على مادة مُكَوِّنَة للمشيمة من بُويْضة مُخصّبة غير قابلة للحياة منفصلة تمامًا، ثم أدمجوا تلك المنحة الخارجية في البُويْضة المُخصّبة ثنائية الأب. وفي النهاية زرعوا تلك البُويْضة المُخصّبة المـُجَمَّعة داخل أم بديلة. وُلِدَ أقل من 2 بالمئة من الفئران المُنتَجَة بهذه الطريقة أحياءً، ونفقت كلها بعد ولادتها بمدة قليلة.

يشير العالم بويانج هُو -الذي يعمل بالأكاديمية، وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة الجديدة- إلى أن "النفوق السريع للذرية كشف عن أنه لا تزال هناك بعض العراقيل غير المعروفة المتعلقة بالنمو والتناسل التي يلزم اجتيازها في إطار عملية إنتاج فئران ثنائية الأب". ويضيف: "في الطبيعة، التناسل ثنائي الأم -أو التوالد العذري- شائع جدًّا في الفقاريات مثلما هو في البرمائيات، والزواحف والأسماك. إلا أن التناسل الناجح من زوج من الذكور نادر جدًّا، ويمكن أن نجده فقط في أنواع محددة من الأسماك تحت ظروف تجريبية". يعني ذلك أن إنتاج فئران ثنائية الأب "قد يتطلب اجتياز عراقيل أكثر مما هو الحال في الفئران ثنائية الأم".

يقول يي تشانج، أستاذ علم الوراثة بكلية الطب بجامعة هارفارد، الذي لم يشارك في الدراسة: إن الفائدة الأساسية من هذه النتائج الجديدة تتمثل في التصدي لبعض المسائل العلمية الأساسية، وفي الطريقة التي تَخْتَبِر بها الحدود العلمية للتناسل وعلم التَّخَلُّق. ويقول إنه "من منظور علمي، هذا الأمر بالغ الصعوبة حتى في الفئران. وفي حالة الرئيسيات والبشر، سوف يكون أكثر صعوبةً بعشرة أضعاف".