منذ اثني عشر عامًا بدأ مربو النحل في الإبلاغ عن موت أعداد مخيفة من نحل العسل (Apis mellifera) في ظروف غامضة. ومنذ ذلك الحين اكتشف العلماء أسبابًا عديدة لذلك، غير أن "الأمراض تُعَدُّ -إلى حدٍّ بعيد- هي المسبِّب الأول للمشكلات التي تهدد صحة نحل العسل في الوقت الحالي"، وذلك وفق ليونارد فوستر، أستاذ الكيمياء الحيوية والأحياء الجزيئية بجامعة بريتيش كولومبيا. ويُصاب نحل العسل ببلايا تتراوح بين مرض "فاروا النحل" (الذي يسببه الحَلَم) والمرض البكتيري "تعفُّن الحضنة الأمريكي". وفي الوقت الحالي، تكشف دراسة جديدة عن الكيفية التي يمكن من خلالها استخدام رائحة نحل العسل الميت للمساعدة في تعرُّف المستعمرات الأكثر تمتُّعًا بالصحة وتربيتها.

عرف العلماء منذ وقت طويل أن نحل العسل يتخلص من الأفراد الميتة أو المريضة بين صغاره –ضمن الحضنات– وذلك كي يحدَّ من انتشار المسبِّبات المرضية عبر المستعمرة. وقد أرادت أليسون مكافي -الباحثة بجامعة بريتيش كولومبيا والباحثة الرئيسية بالدراسة، إلى جانب فوستر وزملاء آخرين- الوصول إلى فهم أفضل للسبب وراء الحرص الشديد من قِبَل بعض المستعمرات أكثر من غيرها على عملية التنظيف هذه، ولذا اختاروا مادتين كيميائيتين تُنتَجان طبيعيًّا بواسطة نحل العسل، وهما حمض الأولييك والبيتا أوسيمين، وهما مادتان رأى الباحثون أن رائحتيهما ربما تعملان كإشارات للتنظيف. وتفرز الكثير من الحشرات حمض الأولييك عند الموت، وتطلق يرقات نحل العسل البيتا أوسيمين للإشارة إلى حاجتها إلى الغذاء. ويفرز نحل العسل حديث السن كِلا المركبين عند موته.

وقد أجرى الباحثون سلسلةً من الاختبارات لتحديد ما إذا كانت هذه الروائح متصلةً بسلوك التنظيف الصحي. وفي إحدى التجارب أضافوا حمض الأولييك والبيتا أوسيمين إلى إحدى الحضنات الحية الآخذة في التطور داخل خلايا قرص من الشمع، في محاولة لدفع شغالات النحل إلى ظن أن الحضنة ميتة. وقد أفاد الفريق في عدد شهر أبريل من مجلة "ساينتفك ريبورتس" Scientific Reports بأن شغالات النحل استبعدت عددًا أكبر من أفراد الحضنة من داخل الخلايا المغمورة بخليط من كلتا المادتين الكيميائيتين، مقارنةً بالأفراد التي تعرضت لواحدة فقط من الرائحتين أو لمادة كيميائية مستخدمة في أغراض الضبط المرجعي. ويرى الباحثون أن مركب البيتا أوسيمين عمل على تنبيه الشغالات إلى الاعتناء بالحضنة، وأن حمض الأولييك دفعهنَّ إلى التخلص من "الموتى".

كما وجد الفريق أيضًا رابطًا بين الروائح والتكوين الوراثي الذي يحرك السلوك الصحي لدى نحل العسل. ونظرًا إلى استجابة بعض أفراد النحل –على ما يبدو- بصورة أقوى لروائح "الموت" عبر سلوك التنظيف، فربما تساعد هذه النتائج العلماء على تطوير طريقة أفضل لتربية أفراد من النحل تنتهج سلوكًا صحيًّا بدرجة أكبر. يقول جاي إيفانز، العالِم الباحث بوزارة الزراعة الأمريكية، والذي لم يشارك في الدراسة: "إن حقيقة أن هؤلاء الباحثين لديهم آلية يمكن للنحل من خلالها تعرُّف هذه الروائح –وأنهم في الحقيقة يتوصلون إلى آلية معقولة من خلال البحث في الوراثيات– هي أمرٌ مثيرٌ للاهتمام بحق". ويضيف: "وإذا جرى التحقُّق من هذا الأمر، فمن الممكن أن تكون هناك طريقة لقياس هذه السمة، بحيث يستطيع مربو النحل انتقاء سلالة من النحل تنحو إلى اتخاذ سلوك صحي يستند إلى التكوين الوراثي".