منذ الأيام الأولى لانتشار جائحة كوفيد-19 في مارس من العام الماضي، احتدم الجدل بشدة حول ما إذا كانت المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية تمثل مصدرًا جديًّا من مصادر انتقال كوفيد-19 وما إذا كان يجب أن تظل مغلقة، وطال الجدل كذلك إمكانية، بل ووجوب، مواصلة التعلُّم المباشر وجهًا لوجه مع مراعاة الالتزام ببروتوكولات السلامة، لقد أعرب الخبراء عن قلقهم المتزايد بشأن الجوانب السلبية التي ربما يمثلها التعليم الافتراضي المُطوَّل فيما يخص التطور الأكاديمي والاجتماعي للأطفال -لا سيما الأطفال في المجتمعات المحرومة الذين كانوا يعانون بالفعل قبل وقوع الجائحة، والآن، وبعد مرور أكثر من عام على إغلاق المدارس في جميع أنحاء البلاد لأول مرة، يتفق العديد من الخبراء على أنه يمكن أن تظل المدارس مفتوحةً بأمان إذا التزم القائمون عليها ببعض التدابير الوقائية، مثل ارتداء الأقنعة والتباعد الجسدي وضمان التهوية الجيدة.

وجدت دراسات أُجريت على المناطق التعليمية في ولايات مثل فلوريدا ويوتا وميسوري أن التعليم وجهًا لوجه لم يسفر عن ارتفاع ملحوظ في حالات كوفيد، كذلك أجْرت وكالة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها  (CDC)مؤخرًا تحديثًا لإرشاداتها، ذكرت فيه أن الحفاظ على التباعد لمسافة ثلاثة أقدام (على عكس ما أوصت به سابقًا من التباعد لمسافة ستة أقدام) هو إجراءٌ كافٍ للحد من انتقال العدوى بين أطفال المدارس الابتدائية –وكذلك بين طلاب المدارس المتوسطة والثانوية عندما تكون مستويات انتقال المرض في المجتمع منخفضة- طالما حرص الأشخاص على ارتداء الأقنعة، تؤكد الإرشادات أيضًا أهمية ارتداء الأقنعة على المستوى العام وضرورة التهوية الجيدة، وتنصح بتقسيم الطلاب إلى "مجموعات" يقضي أفرادها اليوم الدراسي معًا ويحرصون على البقاء على مسافة آمنة من المجموعات الأخرى، ووفقًا لما أوردته الوكالة، فإن حوالي 80 بالمئة من المعلمين وموظفي المدارس حاليًّا قد تلقوا جرعةً واحدةً على الأقل من اللقاح، وعلى الرغم من أن اللقاحات ليست متاحةً للأطفال بعد، فإن التجارب الإكلينيكية ذات الصلة بهم تمضي حاليًّا على قدمٍ وساق.

تشير الأدلة إلى أن فوائد ذهاب الأطفال إلى المدارس -مع اتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة- تفوق المخاطر بشدة، ولا سيما الآن بعد أن تلقَّى معظم المعلمين التطعيم، تقول سارة بود، عضو اللجنة التنفيذية لمجلس الصحة المدرسية التابع للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP): "يجب أن يكون هدفنا إعادة الأطفال إلى التعلم المباشر وجهًا لوجه، لقد برزت مجموعة متزايدة من الأدلة على مدار العام الماضي حول مدى قدرة المدارس على تطبيق إستراتيجيات التخفيف من الآثار وتقليل نقل العدوى من طالب إلى زميله، أستطيع أن أقول إننا قادرون على القيام بذلك، بل وبالفاعلية المطلوبة".

يُعد استخدام نهج متعدد المستويات أمرًا لا غنى عنه عندما يتعلق الأمر بخفض خطر انتقال كوفيد في المدارس، وفق قول جريتا ماسيتي، القائد المشارك لأحد فرق العمل التابعة لوكالة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ضمن استجابة الوكالة لمرض كوفيد، بما في ذلك التوجيهات المدرسية، تقول ماسيتي: "أحيانًا ينزع الأطفال الصغار أقنعتهم أو لا يرتدونها بشكل صحيح أو لا يغسلون أيديهم، لذا لا ينبغي أن نعتمد على مستوى واحد بعينه، بل نعتمد ’نهجًا شبيهًا بنموذج الجبن السويسري‘"، استخدم بعض علماء الوبائيات هذه الصورة الاستعارية لوصف مسألة فرض العديد من تدخلات الصحة العامة مرةً واحدة، فكل "شريحة" من الجبن السويسري تنطوي على "ثقوب"، ولكن عندما تتراص الشرائح معًا فإنها تعمل على تحسين الحماية.

ربما يكون التدبير الأكثر أهميةً الذي يمكن للمدارس اتخاذه للحفاظ على سلامة الأطفال والموظفين هو تعميم استخدام أقنعة الوجه في جميع الأوقات فيما عدا وقت تناوُل الطعام أو الشراب، توصي وكالة المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها الطلاب بالحفاظ على التباعد الجسدي لمسافة ستة أقدام على الأقل عند خلع أقنعة الوجه، تقول ماسيتي: "تطبق مدارس عديدة أساليب فائقة الإبداع في أثناء أوقات تناول الوجبات، من بينها وضع أنظمة روتينية بحيث يلتزم الطلاب بارتداء أقنعتهم حتى يصبحوا مستعدين لتناول الطعام، ثم يرتدونها مرةً أخرى عند الانتهاء من تناول الطعام، وكذلك الحرص على ألا يجلس الأطفال بعضهم في مواجهة بعض، ووضع جداول معاكسة لتناول الوجبات، والسماح لنصف عدد الأطفال بالذهاب إلى الكافيتريا لتناول وجباتهم في حين يتناول النصف الآخر طعامهم في الفصل"، لقد أوضحت الدراسات أنه حتى الأطفال الصغار يمكنهم ارتداء الأقنعة بشكل صحيح، وجدت دراسة أُجريت في ولاية ويسكونسن أن أكثر من 92 في المئة من الطلاب أفادوا بأنهم يرتدون الأقنعة باستمرار في أثناء وجودهم في المدرسة، تقول ماسيتي: "في كثير من الأحيان، يكون هؤلاء الأطفال أكثر حرصًا من البالغين"، وتضيف أن المدارس يجب أن تُلزم الجميع بارتداء الأقنعة بكل وضوح؛ لأنه "عندما تُترك المسألة للاختيار، لا يلتزم أحد بارتداء القناع".

تعتبر أقنعة الوجه أيضًا فعالةً للغاية في حماية أعضاء هيئة التدريس والموظفين الإداريين، يقول داني بنجامين، أستاذ طب الأطفال في كلية الطب بجامعة ديوك: "إذا فرضت المدارس ارتداء الأقنعة وتنظيف اليدين، فإن خطر الوفاة الناتجة عن قيادة السيارة إلى العمل (والتعرض لحادث مروري) سوف يكون أعلى بالنسبة للبالغين الذين لم يتلقوا التطعيم من خطر الوفاة الناتجة عن الإصابة بكوفيد في المدرسة"، شارك بنجامين وزملاؤه في تأليف دراسة حول انتقال فيروس كورونا في المدارس في ولاية نورث كارولينا التي عقدت فصولًا دراسيةً مباشرةً وجهًا لوجه في الفترة ما بين منتصف أغسطس ومنتصف أكتوبر من عام 2020، وجدت الدراسة أن انتقال الفيروس داخل المدرسة كان محدودًا للغاية، ولم تُلحظ أي حالات لأطفال ينقلون العدوى إلى البالغين، توصلت دراسات أخرى إلى نتائج مماثلة في ولايتي ميسيسبي وويسكونسن وكذلك في ولايات أخرى، يقول بنجامين: "الأمر جِد بسيط، إذا ظل الجميع يرتدون أقنعتهم طوال الوقت، فإن احتمالات الخطر سوف تكون منخفضة، أما إبقاء المدارس مغلقةً بسبب خطر الإصابة بكوفيد فليس سوى سوء ممارسة للمهنة في رأيي".

لكن بنجامين لا ينكر أن بعض المدارس لم تأخذ التدابير الخاصة بارتداء الأقنعة وغيرها من تدابير الصحة العامة على محمل الجد، يقول عن ذلك: "تُعد البيانات الواردة من (بعض مناطق) ولاية فلوريدا وسيلةً جيدةً لتقدير حجم المخاطر، لديهم حالات إصابة بكوفيد أكبر بكثير مما ينبغي" في المناطق التعليمية التي لم تفرض ارتداء الأقنعة، وكذلك في تلك التي أُعيد فتحها في وقت أقرب، ليس من الواضح عدد الحالات المصابة في فلوريدا من بين الطلاب وموظفي المدارس الذين أصيبوا بالمرض في المدرسة مقابل مَن أصيبوا في المجتمع الأوسع نطاقًا، وحتى لو كانت هناك مستويات مرتفعة من انتقال العدوى بين أفراد المجتمع، فإنه لا يزال بالإمكان أن تظل المدارس مفتوحةً بأمان إذا اتُّخذت تدابير احترازية.

يُعد تحسين التهوية وسيلةً أخرى يمكن استخدامها من جانب المدارس للحد من خطر الإصابة بكوفيد، تقول ماسيتي: "خلاصة القول أن تبدُّل الهواء أمر ضروري"، هناك عديد من الوسائل لمعالجة هذا الأمر، مثل تحديث أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء (HVAC)، وتغيير مُرشِّحات الهواء بشكل متكرر، واستخدام المراوح أو فتح النوافذ، ومع ذلك، فجميع المدارس ليس لديها الموارد الكافية لاتخاذ مثل هذه الإجراءات، من المفيد أيضًا أن يبقى الطلاب في الهواء الطلق قدر الإمكان، لكن قلةً من المدارس هي فقط القادرة على فعل ذلك على مدار العام، تقول بود التي تعمل لصالح الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال: "لا يوجد نهج واحد يناسب الجميع".

إذا أصيب الطالب أو المعلم بكوفيد، فإن إجراء الاختبارات اللازمة وتتبُّع المخالطين لذلك الشخص أمران بالغا الأهمية للمدارس؛ للحيلولة دون أن تتحول حالة إصابة واحدة إلى حالات كثيرة، تقول بود: "إن إجراء اختبارات عامة ومتكررة دون ظهور أعراض ليس بالأمر العملي حقًّا، ولا أعتقد أنه ضروري ولازم في ظل جميع الإستراتيجيات الأخرى لتخفيف الآثار، إن ما تحتاج إليه المدارس حقًّا وسيلة بسيطة وفعالة للتعرُّف بسرعة على الأطفال الذين يعانون من الأعراض، وذلك حتى تتمكن عائلاتهم من إجراء الاختبار بسرعة وبعد ذلك تقرر، إما إعادة الطفل إلى المدرسة في اليوم التالي -إذا اتضح أنه غير مصاب بكوفيد- أو عزله على وجه السرعة إذا اتضحت إصابته، ثم تتبُّع المخالطين له".

إن عدم ذهاب الأطفال إلى المدارس مسألة لها سلبيات متعددة، وفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة هوراس مان للمعلمين في مارس، أفاد أكثر من نصف المعلمين في المدارس الحكومية الأمريكية بحدوث "خسائر بالغة في التعلم" فيما بين الطلاب على مدار العام الماضي، وأفادت نسبة أخرى تبلغ 44 بالمئة أن "الخسارة كانت جزئية"، وخلص التقرير إلى أن الفجوة التعليمية لم تقتصر فحسب على المجال الأكاديمي، ولكنها امتدت أيضًا إلى النواحي الاجتماعية والوجدانية، ووجدت دراسة أجرتها شركة ماكنزي آند كومباني أن الفجوة التي وقعت في مجال التعلم كانت كبيرةً بشكل خاص للطلاب من أصحاب البشرة الملونة، الذين تأخروا بواقع فترة تتراوح بين ثلاثة أشهر وخمسة تقريبًا في بداية العام الدراسي في الخريف الماضي، مقارنةً بفترة تأخير تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر للطلاب من ذوي البشرة البيضاء.

من الواضح أيضًا أن هناك تفاوتات كبيرة بين الأسر من حيث العوامل التي تؤثر على قدرة الأطفال على النجاح في التعلم الافتراضي، تتراوح أوجه التفاوت تلك ما بين توافر اتصال ثابت بالإنترنت ومدى قدرة الآباء على تخصيص وقت لمساعدة أطفالهم في أداء الأعمال والواجبات المدرسية، تقول بود عن ذلك: "نحن نخلق حالةً من التفاوت في النواحي الدراسية؛ لأن بعض الأطفال لا يتمتعون بظروف منزلية مُيسَّرة"، وتضيف بود أن هناك أسبابًا تقف وراء ضرورة ذهاب الأطفال إلى المدارس بأنفسهم، من بينها تبادُل الحديث والأنشطة العملية والتطبيقية، والنمو الاجتماعي والوجداني، والتفاعل مع أقرانهم ومع البالغين من غير آبائهم، تقول بود: "كل هذه الأمور بالغة الأهمية، والأطفال يُحرَمون ذلك كلَّه بمرور الأشهر، في الحقيقة سوف يكون لذلك الوضع آثار طويلة الأمد على هؤلاء الأطفال إذا لم نتمكن من إعادتهم إلى فصولهم المدرسية".

يرى بنجامين أن التعليم الافتراضي عبر الإنترنت قد حقق نجاحًا بشكل خاص لمجموعة فرعية صغيرة من الأطفال، يقول عن ذلك: "الأطفال الذين كانوا سيحققون نجاحًا هائلًا في التعليم المباشر يُبْلُون بلاءً حسنًا"، فقد استعان آباء هؤلاء الأطفال بمعلمين خصوصيين ونظَّموا مجموعات تعليمية خاصة، كما أنهم يقضون وقتًا طويلًا في تعليم أبنائهم بأنفسهم، لكن الأمر يختلف تمام الاختلاف بالنسبة للأطفال الذين كانوا يعانون بالفعل دراسيًّا؛ إذ إن "الهوة تتسع، وفجوة التحصيل الدراسي تزداد سوءًا"، كما يضيف بنجامين، الذي يذكر أنه في بعض الولايات، كانت أعداد الأطفال الذين لقوا حتفهم عن طريق الانتحار في العام الماضي أكثر ممن توفوا نتيجة الإصابة بكوفيد، على الرغم من أن البيانات الوطنية لعام 2020 ليست متاحةً بعد، ويقول عن ذلك: "إذا كنتم تريدون إلحاق الأذى بالأطفال، فلتُبقوا أبواب المدارس مغلقة".

يمكن القول بأن الفترة الحالية ربما تشهد قدرًا من التحسن، فاعتبارًا من أواخر مارس الماضي، فتحت ما يقرب من نصف المدارس الأمريكية أبوابها، واعتبارًا من أوائل أبريل الجاري، أَلزم ما لا يقل عن اثنتي عشرة ولاية المدارسَ بتطبيق التعليم المباشر وجهًا لوجه، سواء بدوام كامل أو جزئي لبعض الصفوف الدراسية، في أواخر العام الماضي، صرَّح الرئيس جو بايدن بأنه يريد فتح غالبية المدارس للتعلم المباشر بدوام كامل بحلول نهاية الأيام المئة الأولى من فترة رئاسته، لقد تلقى معظم المعلمين التطعيمات اللازمة ضد كوفيد-19، فضلًا عن أن العديد من الولايات تتيح الآن لأي شخص يبلغ من العمر 16 عامًا أو أكثر أن يتلقى اللقاح، كذلك قد تصبح التطعيمات متاحةً للمراهقين الأصغر سنًّا على مدار الأسابيع المقبلة، ومن المحتمل أن تبدأ التطعيمات للأطفال قبل سن المراهقة في أوائل العام المقبل.

لدى ماسيتي ثلاثة أبناء في سن المراهقة، وقد بدءوا جميعًا الحضور في مدارسهم بصفة شخصية قبل بضعة أسابيع، تقول عن ذلك: "عند عودتهم إلى المنزل في أول يوم ذهبوا فيه إلى المدرسة، كنت متوترةً بشدة بشأن رد فعلهم، لكنهم كانوا جميعًا يشعرون بسعادة غامرة، لقد شعروا بأنهم في يوم واحد قد تعرفوا على معلميهم من خلال التعلم المباشر بصورة أفضل مما كان عليه الحال خلال فصل دراسي ونصف من التعلم الافتراضي، أعتقد أنهم قد سعدوا جميعًا بالتجربة وأنهم مسرورون بالعودة إلى المدرسة".