مع تكشّف المزيد من المعلومات بخصوص الباحث الصيني الذي عدَّل جينات جنينين -أصبحا الآن رضيعتين حديثتي الولادة- يزداد شعور خبراء آخرين بالقلق تجاه الإجراءات التي استخدمها، والجين الذي استهدفه، والنتائج التي حققها.

خلال حديثٍ استغرق ثلاثين دقيقة في مؤتمر تعديل الجينات، أُقيم يوم الأربعاء الماضي في هونج كونج، أوضح "هي جيانكوي"، الباحث في جامعة جنوب الصين للعلوم والتكنولوجيا في مدينة شنزِن، الخطوات التي اتّبعها لإجراء أول تعديل على الإطلاق في خلايا الخط الجنسي germline البشري التي تُورث عن طريق التكاثر.

ووفقًا لمعايير المجتمع العلمي العالمي، استخدم الباحث تقنية لتعديل الجينات غير مفهومة على نحو كامل، وزرع أجنة توجد أدلة واضحة على أن لها نشاطًا جينيًا غير طبيعي، ولم يحصل على الموافقة اللازمة من العائلات التي يمسّها الأمر، والأخطر من كل ذلك أنه أجرى تعديلات محفوفة بالمخاطر دون فائدة مؤكدة.

تقول جنيفر دودنا، التي أسهمت في تطوير تقنية تعديل الجينات المعروفة باسم CRISPR-Cas9، التي استخدمها هي جيانكوي: "لا تزال التجارب السريرية لتعديل الجينوم في خلايا الخط الجنسي في البشر سابقة لأوانها، نظرًا لعدم معرفتنا التامة بالتكنولوجيا المستخدمة، وآثار هذا النوع من التطبيقات، ونظرًا إلى أن هذه التجارب قد تكون لها على الأرجح تأثيرات طويلة الأمد على حياة الشخص وأطفاله في المستقبل".

وتضيف دودنا، الأستاذة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، أنها تأمل في استخدام تكنولوجيا CRISPR يومًا ما لإزالة الأمراض الخطيرة من الجينوم البشري، لكنها تقول إن "أحد مخاطر هذا النوع من التجارب -التي أرى أنها سابقة لأوانها- أنها تربك الموقف وتشوّه صورة التكنولوجيا المستخدمة في الوقت الذي كان ينبغي أن نحتفي بها، ونتعاون معًا بعناية لضمان استخدامها بأمان".

كان الباحث الصيني قد أعلن أمام جمهور مكوَّن من عدة مئات من العلماء والصحفيين -إضافة إلى ثمانية آلاف مشاهد آخر عبر الإنترنت- أنه أجرى تعديلات على ثلاثين جنينًا باستخدام تكنولوجيا CRISPR/Cas9 لحذف كلتا نسختي الجين CCR5، وهو الجين الذي لا يوجد بصورة طبيعية لدى نسبة 1% من الأوروبيين، مما يجعلهم مُحصَّنين ضد فيروس نقص المناعة المكتسبة HIV.

وقال "هي" إنه زرع بعد ذلك اثنين من هذه الأجنّة في الأم التي وضعت توأمها هذا الخريف، وأكّد الباحث أن جميع اختباراته على الفتاتين الوليدتين أثبتت أنهما طبيعيتان وتتمتعان بصحة جيدة تمامًا.

وقد بدا أن "هي" -الذي حصل على مؤهلاته العلمية في مجال الهندسة البيولوجية (إذ نال درجة الدكتوراه من جامعة رايس في هيوستن، وزمالة ما بعد الدكتوراه من أحد المختبرات المرموقة في جامعة ستانفورد)- قد فوجئ بردود الفعل العاصفة التي تسببت فيها تجاربه. ووصفه العديد من العلماء -ومن بينهم دودنا- بأنه "غرٌ ساذج"، ورفض طلبًا وُجِّه إليه للتعليق على تجربته.

بدا "هي" شاحبًا وقلقًا وهو يقول للحاضرين إنه فخور بتجربة تعديل الجينات، وبوصفه خبيرًا في تطوير اللقاحات، قال إن هدفه تخليص العالم من فيروس نقص المناعة المكتسبة الذي يسبب مرض الإيدز، وقد أشار في مرات عديدة إلى المعاناة الهائلة -لا سيّما في بلدان العالم النامي- الناجمة عن المرض نفسه أو من وصمة العار المصاحبة للإصابة به.

لكنَّ علماء آخرين يقولون إن البيانات تبعث على القلق، وتُشكّك في اختياره للجين CCR5.

عندما ظهرت تقنية تعديل الجينات البشرية CRISPR للمرة الأولى، قرّر المجتمع العلمي العالمي في عام 2015 أن تعديل الجينات ينبغي أن يبدأ بمعالجة الأمراض الوراثية في البداية، مثل فقر الدم المنجلي والتليف الكيسي، إذ يسبب كلا المرضين معاناة هائلة، ويصعب علاجهما بصورة ناجعة، وفي حالات نادرة، يكون من المؤكد نقلهما وراثيًا إلى أطفال بيولوجيين، حسبما يقول جورج دالي، عميد كلية طب هارفارد والعالم المتخصص في الخلايا الجذعية. ويضيف دالي قائلًا إن حذف الجين CCR5 لم يكن ذا أولوية، لأنه توجد وسائل أخرى فعالة للوقاية من فيروس نقص المناعة المكتسبة وعلاجه.

يقول كيران ميوسونورو -الأستاذ المساعد وخبير علم الأحياء التجديدي في جامعة بنسلفانيا- إن والد الفتاتين مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة، لكن الأدوية سيطرت على الفيروس، لذا فإن احتمال انتقال الفيروس لأطفاله منعدم تمامًا.

وعن استهداف الباحث الصيني جين CCR5 يقول ميوسونورو: "أرى أنه اختيار مُحيِّر وغير مُوفَّق". ويضيف ميوسونورو أن عدم وجود الجين CCR5 يجعل الناس أكثر عُرضة لاستجابات خطيرة أو حتى الموت جرّاء الإصابة بفيروسات أخرى، من بينها فيروس الإنفلونزا، الذي هو أكثر شيوعًا بكثير من فيروس نقص المناعة المكتسبة. ويضيف قائلًا: "إذا أخذنا في الاعتبار الاستفادة الضئيلة المتمثلة في الوقاية من فيروس نقص المناعة المكتسبة، في مقابل زيادة احتمالات الوفاة بسبب عدوى شائعة جدًا مثل الإنفلونزا، لا أعتقد أن الفائدة تعادل الضرر".

تعمّد الباحث حذف كلتا نسختي الجين CCR5، لكن إحدى التوأمين لا تزال لديها نسخة واحدة من الجين، ومن ثم فلن يكون لديها أي حماية إضافية ضد فيروس نقص المناعة المكتسبة.

وما يثير القلق أكثر، بحسب قول ميوسونورو، أن الاختبارات التي أُجريت على الفتاتين حديثتي الولادة، وحين كانتا جنينين، توحي بأن كلتيهما قد تصابا بحالة الفسيفسائية mosaicism، وهو ما يعني أن التعديلات نجحت في بعض الخلايا فقط، وفي مثل هذا الوضع غير المسبوق، ليس واضحًا ما إذا كانت الفتاة التي حذفت منها كلتا نسختي الجين ستحظى بأي حماية ضد فيروس نقص المناعة المكتسبة، أو ما إذا كانت الفتاتان كلتاهما ستحظيان بأي فائدة أو ضرر جرّاء تعديل الجين.

ويضيف ميوسونورو قائلًا إن العلماء لا يعرفون ما إذا كانت هناك أي تعديلات غير مقصودة قد حدثت على جينات أخرى، ومثل هذه التأثيرات غير المقصودة نتيجة شائعة لهذا النوع من التعديل الجيني، وتمثل أحد الأسباب التي تدفع الكثير من العلماء للاعتقاد بأن الوقت لا يزال مبكرًا على اختبار هذه التكنولوجيا على الأطفال.

كذلك فإن تعديل الجين CCR5 قد يكون له تأثير على الدماغ أيضًا، فوفقًا لدراسة أجريت في عام 2016 بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس بقيادة ألسينو سيلفا، أشارت التجارب المختبرية على الفئران إلى أن حذف الجين CCR5 يعزز الذاكرة البصرية والمكانية. وقال سيلفا عبر البريد الإلكتروني إن حذف نسختي الجين أظهر فوائد أكبر، غير أنه حتى لو "حُذِفت نسخة واحدة فقط، سيكون ذلك كافيًا لتحقيق تحسينات في جوانب معينة من الذاكرة".

ويجري حاليًا باحثون آخرون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، ومن بينهم إس. توماس كارمايكل، رئيس قسم علم الأعصاب، تجربة سريرية باستخدام عقار "مارافيروك" Maraviroc المستخدم في علاج نقص المناعة المكتسبة لإزالة جين CCR5 من مرضى السكتة الدماغية، على أمل أن يساعد ذلك على تعزيز شفائهم، وإن نجح العقار، فسيكون ذلك إشارة إلى أن المخ البشري قد يستفيد أيضًا من حذف الجين CCR5.

اعترف الباحث الصيني خلال حديثه بأنه اطلع على بيانات حذف الجين CCR5 في تجارب الفئران لكنه تجاهلها. يقول روبين لوفِل-بادج العالم البريطاني المتخصص في الخلايا الجذعية الذي أدار النقاش مع "هي"، وسأله على المنصة عن تجربته، بما في ذلك التأثيرات المحتملة على الدماغ لحذف الجين CCR5: "كان حريًا به أن يتجنب الإجابة عن هذا السؤال"، إلا أن لوفِل-بادج يقول إنه لا يعتقد أن "هي" كان يهدف إلى إجراء تحسين جيني عند تعديل جينات الفتاتين.

ومن جانبه، قال دالي إنه اندهش عندما سمع بأن "هي" كان على علم بالبحث الذي أجري على الدماغ، وأضاف: "لا أستطيع معرفة دوافعه، لكني أعتقد أنه من الغريب أنه كان على علم بالبحث".

وقال "هي" على موقعه الإلكتروني وفي مقطع فيديو منشور على موقع "يوتيوب" إن تعديل الجينات لا يكون أخلاقيًا إلا إذا كان الغرض منه شفاء الأمراض، وتابع أن استخدام تعديل الجينات لاختيار لون الشعر أو العينين أو زيادة معدل الذكاء غير ملائم على الإطلاق، وأضاف في الفيديو الذي نشره أن مثل هذا الاستخدام "ليس من أفعال الآباء المحبين لأبنائهم، ويجب أن يُحظر ذلك".

وليس واضحًا ما الذي ينتظر "هي" الآن، إذ يخضع حاليًا للتحقيق من قِبل السلطات الصينية ومن قبل جامعته التي يعمل بها، إنه في إجازة من عمله بالجامعة منذ شهر فبراير الماضي، وقد أعلنت الكلية في بيان منشور أنها لم تكن على علم بتجربته على البشر وأدانت التجربة. ويقول "هي" إن هناك حاليًا حَملًا آخر في مراحله المبكرة يحتوي على أجنة أجرى تعديلات على جيناتها.

ويلتقي منظّمو مؤتمر هونج كونج، وبينهم دودنا، ولوفِل-بادج، ودالي يوم الخميس، ليُقرروا ما إذا كانوا سيصدرون بيانًا رسميًا بخصوص تجارب "هي" في تعديل الجينات، أم لا.