بعد مرور أكثر من 130 عامًا من إطلاق اسم المتصورة Plasmodium على الطفيليات المسببة لمرض الملاريا عام 1890، حصل العالم الآن على أول لقاح معتمد ضد تلك الطفيليات، ومع أن العديد من الباحثين في الملاريا احتفوا بهذا التطور، إلا أن آخرين عبّروا عن مخاوفهم تجاه استخدام لقاح متوسط الفاعلية.

في السادس من أكتوبر، أعطت منظمة الصحة العالميّة (WHO) الضوء الأخضر للقاح المسمى RTS,S، وأوصت باستخدامه على نطاق واسع بين الأطفال دون سن الخامسة في أفريقيا، التي تُعَدُّ موطن أخطر طفيليات ملاريا، المعروفة باسم المُتَصَوِّراتِ المِنْجَلِيَّة Plasmodium falciparum.

ويقول تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالميّة، في مؤتمر صحفيّ للإعلان عن اعتماد اللقاح: "إن لقاح الملاريا RTS,S -الذي استغرق إعداده 30 عامًا- يُغيِّر من مسار تاريخ الصحة العامّة".

لهذا اللقاح فاعلية متوسطة مقارنةً بلقاحات أخرى للأطفال، إذ يمنع حدوث حوالي 30% من حالات الملاريا الخطرة بعد سلسلة مكونة من أربع جرعات.

ومع ذلك، فإن إحدى دراسات الأنماط تشير إلى أن اللقاح قادر على منع 23 ألف وفاة بين الأطفال سنويًّا، إذا أُعطيت سلسلة الجرعات كاملةً لجميع الأطفال في الدول ذات النسب الأعلى من إصابات الملاريا، وهو تغيُّر كبير في حصيلة الوفيات الهائلة بسبب المرض، التي بلغت 411,000 وفاة عام 2018.

يدرس قادة الدول الأفريقية حاليًّا مدى ضرورة إعطاء اللقاح وكيفيّة توزيعه، على سبيل المثال في مالي، يقول ألاساني ديكو، الباحث في الملاريا بجامعة باماكو، لدورية Nature إنه بعد إعلان منظمة الصحة العالمية اعتماد اللقاح مباشرةً، تواصلت معه وزيرة صحة مالي لتسأله عما تحتاج إليه الدولة للحصول على اللقاح، ويضيف: "أخبرتها بأننا نحتاج أن نضغط كدولة وعلى أعلى المستويات في حكومتنا، لإتاحة هذا اللقاح بسعرٍ زهيد في أقرب وقت ممكن".

جهود استمرت لثلاثة عقود

طوَّر الباحثون لقاح RTS,S -المعروف أيضًا باسمه التجاري «موسكيريكس» Mosquirix- واختبروه منذ عام 1987، بتكلفة تتجاوز 750 مليون دولار، وقد تولَّى تمويل هذا المشروع بشكلٍ أساسيّ كلٌّ من مؤسسة بيل وميليندا جيتس، ومقرها مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية، وشركة الأدوية «جلاكسو سميث كلاين» GlaxoSmithKline، ومقرها مدينة لندن بالمملكة المتحدة.

ورغم انتهاء التجارب الإكلينيكية عام 2015، فقد أوصت منظمة الصحة العالميّة حينها بإجراء دراسات استكشافية لتحديد جدوى وأمان اللقاح متعدد الجرعات خارج نطاق التجارب الإكلينيكية.

ساعد التحالف العالميّ للقاحات والتحصين «جافي» Gavi، وهو شراكة صحيّة مقرها مدينة جنيف بسويسرا، في تمويل البرامج الاستكشافية، التي وزعت 2.3 مليون جرعة من اللقاح في غانا وكينيا ومالاوي، ويذكر التحالف أنه وفقًا لهذه الدراسات فقد انخفضت نسبة الحجز بالمستشفيات بسبب الإصابات الشديدة بالملاريا بنسبة حوالي 30%، منحت هذه النتائج منظمة الصحة العالمية الثقة الكافية للتوصية بإعطاء أربع جرعات من اللقاح للأطفال الذين يعيشون في المناطق ذات النسب المتوسطة والمرتفعة من الإصابة بالملاريا.

إلا أن ديكو يقول إن الدول قد تحقق انخفاضات أكبر في نسب الحجز بالمستشفيات والوفيات من خلال التوزيع المخطط، خصوصًا لتلك اللقاحات.

في شهر أغسطس نشر ديكو وزملاؤه نتائج دراسة إكلينيكية توصلت إلى أن لقاح RTS,S قلل من وفيات الملاريا في الأطفال بنسبة 73%، وذلك عندما تلقّى الأطفال ثلاث جرعات قبل موسم الأمطار -وهو موسم ارتفاع الإصابات بالملاريا- كما تلقوا جرعةً رابعة وخامسة قبل موسم الأمطار في السنوات التالية، ومن الملحوظ أن هذا قد تم بالتوازي مع طريقةٍ تُسَمَّى الوقاية الكيميائية الموسمية ضد الملاريا، من خلالها يتلقَّى الأطفال الأصحاء أدويةً مضادةً للملاريا بشكلٍ شهريّ للوقاية من المرض.

لكن بالإضافة إلى مسألة كيفيّة إعطاء اللقاح، ثمّة تساؤل آخر تحتاج الدول إلى الإجابة عنه، وهو تكلفة شراء اللقاح وتوزيعه، وما إذا كانت الأطراف المانحة مستعدةً لتحمُّل التكاليف.

وقد أصدرت الشركة المصنِّعة للقاح «جلاكسو سميث كلاين» بيانًا تتعهد فيه بتوفير 15 مليون جرعة سنويًّا بسعر أعلى قليلًا فقط من تكلفة الإنتاج، إلا أنه سيكون من الضروريّ إنتاج حوالي 100 مليون جرعة سنويًّا في حال الحاجة إلى إعطاء اللقاح لجميع الأطفال في الدول ذات نسب الإصابة المرتفعة.

هل يطغى اللقاح على الإجراءات الوقائية الحالية؟

يخشى بعض الباحثين أن يطغى الحماس المفرط بشأن اللقاح على الإجراءات الحالية لمكافحة الملاريا، التي لا تتلقى تمويلًا كافيًا بالفعل، ومن بينها برامج مكافحة الحشرات، والأنظمة الصحيّة الفعالة.

بتكلفة محتملة تبلغ حوالي 5 دولارات للجرعة، يشير الباحثون إلى أن تكلفة طرح اللقاح وتوزيعه ستبلغ حوالي 325 مليون دولار للتطعيم سنويًّا، وذلك في عشر دول أفريقيّة ذات نسب إصابة مرتفعة بالملاريا، كما يوضحون أنه في بعض هذه الدول تعرضت الإجراءات الأخرى لمكافحة الملاريا للفشل بسبب نقص الدعم.

يقول بادارا سيسّي، الباحث في الملاريا بمعهد البحوث الصحيّة والرقابة والتدريب الوبائيّ بمدينة داكار بالسنغال: "أحترمُ الباحثين المساهمين في هذا المجهود الضخم، إلا أن الواقع هو أنه قد تم توجيه أموال طائلة إلى هذا اللقاح، حتى وإن كانت نتائج الدراسات مُحْبِطة"، ويُضيف: "لا أعتقد أن الأمريكيين قد يقبلون بلقاح نسبة كفاءته 30%".

رغم ذلك، يقول سيسّي هو وجيمس تيبينديرانا، عالِم الوبائيات الأوغندي باتحاد مكافحة الملاريا في لندن: إن لقاح RTS,S قد يكون ذا أثر بارز في بعض المناطق، ويؤكد تيبينديرانا أنه لتحقيق ذلك يتوجَّب إطلاق حملات إعلامية موسَّعة، حتى لا تعوق المعلومات المغلوطة توزيع اللقاح.

يقول تيبينديرانا: "سيتساءل الناس عن سبب التقديم المفاجئ للقاح عمره ثلاثون عامًا ذي كفاءة جزئية، وموجَّه إلى الأفارقة فقط، خلال الجائحة، إن المعلومات المغلوطة التي انتشرت عن لقاح كوفيد-19 تعلِّمنا أننا لا يجب أن نستخفّ بالثقة المجتمعية".

ورغم الطريق الطويل أمام اللقاح، إلا أن تيبينديرانا وباحثين آخرين ممتنون لقرار منظمة الصحة العالمية، إذ يقول: "مع الدمار الذي أحدثه كوفيد-19، ومع تباطؤ التقدم في مكافحة الملاريا، والأخبار عن ظهور مقاومة طفيليات الملاريا ضد الأدوية المضادة لها، فمن المشجِّع أن نرى بعض الأخبار الإيجابيّة".

تمت إعادة إنتاج هذا المقال بعد اتخاذ الموافقات المطلوبة، وتم نشر المقال لأول مرة في 8 أكتوبر 2021.