بمقدورك أن تُرشد أحد فئران التجارب إلى الماء المُحَلَّى بالسكر، لكن لا يمكنك إجباره على شربه، خاصةً إذا كان هناك مشروب كحولي بالقرب منه.

قد يتمكَّن بحث جديد نُشر في النصف الثاني من يونيو الماضي في دورية "ساينس" Science من طرح بعض الرؤى المتعمقة حول سبب وصول بعض الأشخاص الذين يشربون الكحول إلى مرحلة الإدمان، في حين أن الغالبية لا تصل إلى هذه المرحلة. يأتي الكحول في المرتبة الثانية بعد الكافيين على قائمة أكثر المواد نفسانية التأثير استهلاكًا على مستوى العالم. بالنسبة لأغلب الناس يتوقف الأمر خلال فترات الخصومات التي تحدث من حينٍ لآخر على الجعة، أو خلال وجبة الفطور المتأخر التي تُسمَّى ’’ماري الدموية‘‘. لكننا جميعًا نعلم أن هناك أشخاصًا آخرين يشربون الكحول على نحو قهري، بصرف النظر عن التبعات أو المآسي التي يجرها عليهم هذا الأمر.

ويؤكد البحث الجديد نتائج دراسات سابقة أوضحت أن هذا الأمر ينطبق على الفئران، لكنه يمضي قدمًا خطوةً أبعد من هذا ويدعم تصميم دراسة يمكنها مساعدة العلماء على فهم بيولوجيا الإدمان بصورة أفضل، مع إمكانية تطوير علاجات أكثر فاعليةً للسلوكيات البشرية المتعلقة بالإدمان. وجد الباحثون الذين عملوا تحت قيادة فريق من جامعة لينشوبنج بالسويد أنه عند منح الفئران حرية الاختيار بين تناول الكحول وتناول بديل سكري أحلى مذاقًا ومرغوب فيه بشكل أكبر من الناحية البيولوجية، فإن مجموعةً فرعيةً من الفئران كانت تفضِّل على الدوام تناول الكحول. وذهب الباحثون إلى أكثر من هذا فحددوا منطقةً دماغيةً بعينها وخللًا جزيئيًّا وظيفيًا معينًا يَرجُحُ -في أغلب الأحيان- أن يكونا مسؤولَين عن هذه النزعات الإدمانية. ويعتقد الباحثون أن نتائجهم –وكذلك تصميم الدراسة– يمكن أن تمثل خطوات على الطريق المؤدي إلى تطوير علاج دوائي فعال لإدمان الكحول، وهو نوع من العلاجات استعصى على الباحثين لسنوات.

إن الولع بالمذاق الحُلو هو شيء مغروس في أدمغة الثدييات من المنظور التطوري؛ ففي البرية يُترجَم السكر إلى سعرات حرارية سريعة واحتمالات أفضل للبقاء. ولأغراض الدراسة الجديدة، دُرِّب 32 فأرًا على احتساء محلول يحتوي على الكحول بنسبة 20 بالمئة لمدة 10 أسابيع، إلى أن صار هذا عادةً لدى هذه الفئران. بعدها جرى تخيير هذه الفئران بشكل يومي بين المزيد من الكحول ومحلول من مُحلِّي السكارين الخالي من السعرات الحرارية. (يمثل هذا المُحلِّي الصناعي وسيلة إغراء ذات مذاق سكَّري من دون ذلك المتغير المحتمل المسبب للإرباك المتمثل في وجود سعرات حرارية فعلية). فضلت غالبية الفئران السكر الزائف على الكحول بشكل كبير.

غير أن الحقيقة المتمثلة في أن أربعة فئران (بنسبة 12.5 بالمئة من العدد الإجمالي للفئران) تمسكت بالكحول كانت ذات مغزى بالنسبة لمؤلف الدراسة الرئيسي ماركوس هايليج، مدير مركز العلوم العصبية الاجتماعية والوجدانية بجامعة لينشوبنج، وذلك في ضوء الحقيقة التي تقول بأن نسبة الإفراط في شرب الكحول لدى البشر تبلغ 15 بالمئة تقريبًا. ومن ثم عمل هايليج على توسيع مجال الدراسة. يقول هايليج: ’’كان لدينا أربعة فئران اختارت الكحول على الرغم من المكافأة الأكثر طبيعية المتمثلة في حلاوة المذاق. بنينا على هذا، وبعد دراسة 600 حيوان آخر وجدنا أن نسبةً ثابتةً للغاية من هذا العدد كانت تختار الكحول‘‘. والأكثر من هذا أن الفئران ’’المدمنة‘‘ دأبت على اختيار الكحول حتى عندما كان هذا يقابله تلقيها لصدمة القدم Foot Shock ذات التأثير الموجع. وللوصول إلى فهم أفضل لما كان يحدث على المستوى الجزيئي، أجرى هايليج وزملاؤه تحليلًا لتحديد الجينات التي جرى التعبير عنها في أدمغة القوراض موضع التجريب. وقد تم التوصُّل إلى أن تعبير جين واحد بشكل خاص –وهو جين يُدعى GAT-3– كان منخفضًا بشدة في أدمغة تلك الفئران التي اختارت الكحول بدلًا من السكارين. يحدد الجين GAT-3 شفرة بروتين يتحكم عادةً في مستويات ناقل عصبي يُدعى جاما-أمينوبيوتيريك (يُطلق عليه اختصارًا GABA)، وهي مادة كيميائية شائعة في أدمغتنا، ومن المعروف عنها أنها مرتبطة بمعاقرة الكحوليات.

وبالتعاون مع دين ميفيلد، المؤلف المشارك والعالِم الباحث بجامعة تكساس في أوستن، توصَّل فريق هايليج إلى أنه في العينات الدماغية المأخوذة من بشر متوفين كانوا يعانون من إدمان الكحول، كانت مستويات الجين GAT-3 منخفضةً على نحوٍ ملحوظ في اللوزة الدماغية، والتي تُعَد بشكل عام مركز الانفعالات في الدماغ. يمكن للمرء افتراض أن أي تعبير جيني متغير مُسهِم في السلوكيات الإدمانية من شأنه أن يتجلَّى بدلًا من ذلك في دوائر المكافأة بالدماغ، وتلك الأخيرة هي شبكة من المراكز المشاركة في استجابات الاستمتاع التي تأتي كرد فعل على إغراءات مثل الطعام والجنس والمقامرة. إلا أن النقص في تعبير الجين GAT-3 لدى كلٍّ من الفئران والبشر كان في أقوى صوره بفارق كبير داخل اللوزة الدماغية. يقول هايليج: ’’لقد كان التوصل إلى دوائر المكافأة قصةَ نجاح رائعة، لكن يُحتمل أن تكون هذه الدوائر ذات صلة محدودة بالإدمان الإكلينيكي؛ فتأثير المكافأة النابع من العقاقير يحدث لدى الجميع. إن القصة مختلفة تمامًا لدى القلة من الأشخاص الذين يواصلون تناول العقاقير رغم عواقبها الوخيمة‘‘. ويعتقد هايليج أن تغيُّر النشاط في اللوزة الدماغية أمرٌ منطقيٌّ تمامًا، بالنظر إلى أن الإدمان –لدى كلٍّ من الفئران والبشر– يجلب معه في الغالب مشاعر سلبية وقلقًا شديدًا.

اعتمد الكثير من الأبحاث السابقة حول الإدمان على نماذج تتعلم من خلالها القوارض إعطاء مواد إدمانية لأنفسها، لكن من دون وجود خيارات أخرى يمكنها أن تتنافس مع تناوُل العقار. وقد كان عالِم الأعصاب الفرنسي سيرج أحمد هو مَن أدرك أن هذا يمثل قيدًا كبيرًا على فهمنا لبيولوجيا الإدمان بالنظر إلى أنه، في الحياة الواقعية، هناك قلة فقط من البشر يتطور لديها إدمان لمادة معينة. وعن طريق تقديم مكافأة بديلة (أي الماء المُحلَّى)، أوضح فريقه أن قلة فقط من الفئران يتطور لديها تفضيلٌ ضارٌّ تجاه تناول العقاقير، وهي النتيجة التي تأكدت الآن مع عدد من العقاقير الأخرى التي تُعَدُّ إساءة استخدامها أمرًا شائعًا.

استند هايليج إلى المفهوم الذي طوره أحمد، وأضاف عنصر الاختيار إلى بحثه. يقول هايليج: ’’لا يمكنك تحديد المكافأة الحقيقية للعقار الإدماني بشكل منعزل؛ فالأمر يعتمد على ما هو متاح من خيارات أخرى. وفي حالتنا، هذا البديل هو المحلول السكري‘‘. ويضيف هايليج أن معظم النماذج التي استُخدمَت لأغراض دراسة الإدمان والبحث عن سبل لعلاجه ربما كانت تتسم بمحدودية كبيرة فيما يتعلق بتصميمها، ويقول: ’’إن إتاحة الاختيار ستكون أمرًا جوهريًّا فيما يتعلق بدراسة الإدمان وتطوير علاجات فعالة له‘‘.

ويتفق مع هذا الرأي بول كيني الذي يشغل منصب أستاذية علم الأعصاب بمدرسة إيكان للطب في ماونت سايناي، ويقول: ’’لتطوير علاجات جديدة للإدمان على الكحوليات، من الضروري أن نفهم، ليس فقط تأثيرات الكحول داخل الدماغ، ولكن أيضًا كيف يمكن لهذه التأثيرات أن تختلف لدى الأفراد سريعي التأثر بالخصائص الإدمانية للعقار ولدى أولئك الذين يتميزون بالقدرة على مقاومتها. إن هذا الجهد الهائل الذي بُذِل لوضع مخطط مثير للإعجاب لآلية خلوية يُرجَّح أنها تسهم في قابلية معاقرة الكحول، سيوفر على الأرجح دلائل جديدة في طريق البحث عن علاجات أكثر فاعلية‘‘. جدير بالذكر أن كيني لم يكن مشاركًا في هذا البحث الجديد.

ويعتقد هايليج وفريقه أنهم حددوا بالفعل علاجًا واعدًا للإدمان استنادًا إلى أحدث أعمالهم البحثية، وقد قاموا بتكوين فريق عمل مع إحدى شركات الأدوية على أمل اختبار المركب على البشر قريبًا. يثبط العقار إطلاق الناقل العصبي GABA، ومن ثم يُمكن له إعادة مستويات هذا الناقل العصبي إلى وضعها الطبيعي لدى الأشخاص الذين يُظهرون ولعًا خطيرًا بالكحوليات.

ومع بعض الحظ، قد يُصبح بالإمكان التحرُّر قليلًا من قبضة واحدة من أقدم خطايا الحضارة.