هل توجد أي كواكب صالحة للحياة في نطاق أقرب نظام نجمي إلى مجموعتنا الشمسية، «ألفا سنتوري» Alpha Centauri؟ لقد جاهد العلماء، على مدار سنوات، للإجابة عن هذا السؤال، ساعين إلى سبر أغوار الوهج الساطع لنجمين شبيهين بالشمس، ألا وهما: «ألفا سنتوري إيه وبي» Alpha Centauri A and B، في إطار سعيهم غير المُجدي لرصد شواهد دالة على وجود كواكب سيارة في محيطهما (ثمة نجم ثالث في النظام، النجم القزم الأحمر «بروكسيما سنتوري» Proxima Centauri، عُرف بالفعل أن لديه كوكبًا واحدًا على الأقل).

ربما تكون الفوائد العلمية وراء اكتشاف مجموعة الكواكب الخاصة بالنظام النجمي «ألفا سنتوري» هائلة؛ فهذان النجمان قريبان منّا على نحوٍ مُغرٍ؛ فهما على بُعد مسافة تربو على أربع سنين ضوئية، أي على مرمى حجر وفق حسابات المسافات الكونية، أو بعبارة أخرى على أعتاب بوابتنا السماوية، وأي كواكب هناك من شأنها أن تمثل أهدافًا رئيسيةً للدراسات المستفيضة، بيد أن الكواكب الشبيهة بالأرض والتي يُحتمل أن تؤوي حياة على سطحها من شأنها أن تمثل أكبر هدف على الإطلاق، والآن يعتزم فريق من العلماء البحث عن هذه الكواكب على نحوٍ غير مسبوق من قبل، باستخدام تلسكوب ممول من القطاع الخاص لإحداث ثورة على مستوى معرفتنا بنظام «ألفا سنتوري»، وعن هذا يقول أوليفييه جويون من جامعة أريزونا، وهو عضو بفريق إعداد التلسكوب: "لقد سنحت لنا هذه الفرصة الفريدة لاكتشاف ما إذا كان هناك كوكب في النظام "صالح للحياة"، وهذا أمر غير مسبوق".

ففي السادس عشر من شهر نوفمبر الماضي، أعلن الفريق أن هذا التلسكوب منخفض التكلفة نسبيًّا، والذي يُدعى تلسكوب «توليمان»، قد حصل على تمويل بأكثر من 500 ألف دولار أمريكي من جانب الحكومة الأسترالية، وتحت قيادة بيتر توثيل من جامعة سيدني الذي ابتكر مع زملائه فكرة التلسكوب لأول مرة قبل عدة سنوات، تلقَّى مشروع التلسكوب دعمًا سابقًا من جانب كلٍّ من مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، وشركة سابر أسترونوتكس للهندسة الفضائية بأستراليا، ومشروع المبادرات الاختراقية «بريكثرو إنيشياتيفز» بكاليفورنيا، الذي يموله ملياردير التقنية يوري ميلنر، لقد صُمم التلسكوب الصغير الذي في حجم علبة الأحذية بهدف محدد بالأذهان، ألا وهو البحث عن كواكب في نظام «ألفا سنتوري»، تحديدًا في نطاق منطقته الصالحة للحياة، وهي منطقة دافئة مضاءة بالنجوم، يمكن استدامة المياه السائلة على سطح كوكب صخري، وسيؤدي التلسكوب هذه المهمة بطريقة لا يمكن لأي تلسكوب آخر أن يضاهيها، الهدف هو الانتهاء من تصميم التلسكوب وإطلاقه في مدار كوكب الأرض بحلول عام 2023، ليكون على استعداد لبدء رحلته من الفضاء بحثًا عن الكواكب، وعن هذا تقول سارة سيجير من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهي باحثة عن الكواكب الجديدة وغير مشاركة في مشروع التلسكوب: "هذا إعلان رائع؛ فمن الرائع أن نرى المؤسسات الخاصة تسرِّع من وتيرة بحثنا للعثور على كوكب آخر شبيه بالأرض".

لقد بُذلت جهود كثيرة للبحث عن كواكب خاصة بنظام «ألفا سنتوري»، وكللت هذه الجهود بدرجات متفاوتة من النجاح؛ ففي عام 2012، ظن العلماء أنهم عثروا على كوكب يدور حول نجم «ألفا سنتوري بي»، وأُطلق عليه «ألفا سنتوري بي بي» Alpha Centauri Bb، ولكن في عام 2015 يبدو أن باحثين آخرين استبعدوا وجود هذا الكوكب من الأساس، لقد أثبتت الأبحاث التي أُجريت على نجم «بروكسيما سنتوري» أنها مثمرةٌ أكثر، لتكشف عن إمكانية وجود كوكب بحجم الأرض يُدعى «بروكسيما بي» Proxima b، كما أُشيرَ أيضًا إلى وجود كوكب آخر يُدعى «بروكسيما سي» Proxima c، وفي وقت سابق من هذا العام، ربما عُثر على كوكب محتمل بحجم كوكب نبتون يدور حول «ألفا سنتوري إيه».

صُمم تلسكوب «توليمان» -المشتق من الاسم العربي القديم «الظلمان» الذي كان يُطلق على النظام النجمي «ألفا سنتوري» وكلمة Toliman هي اختصار لعبارة Telescope for Orbital Locus Interferometric Monitoring of our Astronomical Neighborhood التي تعني تلسكوب رصد تداخل المواقع المدارية للمناطق الفلكية المجاورة لنا- للبحث عن الكواكب الموجودة حول «ألفا سنتوري إيه وبي»، ويقول توثيل إن أجزاءً من التلسكوب صارت "قيد" الإنشاء بالفعل، وفي حين أُطلق نموذج أولي لاختبار تقنية تُدعى «توليبوي» Toliboy في وقت سابق من هذا العام على متن القمر الصناعي CUAVA-1 بمحطة الفضاء الدولية، ويقول توثيل إن الاختبارات المعملية وتجارب المحاكاة قيد التنفيذ في جامعة سيدني لاختبار تقنيات «توليمان» على يد الفريق الذي يعمل الآن على نموذج أولي بالحجم الطبيعي، وعلى الرغم من أن هناك بعض الجوانب من البعثة لا تزال قيد العمل على حل مشكلاتها، مثل رحلته الصاروخية إلى الفضاء ومحطته في مدار الأرض، فإن التكنولوجيا نفسها جاهزة للانطلاق إلى حدٍّ كبير، ويقول جويون، الذي يشغل أيضًا منصب مدير مشروع «بريكثرو ووتش»/ في إطار المبادرات الاختراقية التي يقوم بها الملياردير يوري ميلنر، ذلك المشروع الذي يهدف إلى البحث عن كواكب حول «ألفا سنتوري» وغيره من النجوم القريبة: "مكونات هذا [التلسكوب] مكتملة تمامًا، ويمكن تصنيعها اليوم".

والميزة الأساسية في هذا التلسكوب هي استغلال الطبيعة الثنائية لنجمي «ألفا سنتوري إيه وبي»، اللذَين تفصل بينهما مسافة تزيد قليلًا على المسافة بين كوكب أورانوس والشمس، وكذلك التحقق من وجود الكواكب في المنطقة الصالحة للحياة الخاصة بأيٍّ من النجمين، ويستعين التلسكوب بتقنية معروفة باسم الفتحة الحيودية المستخدمة في دراسة النجوم، وهو منهج ثوري يوظف "القليل من الخدع البصرية"، على حد قول توثيل؛ فبدلًا من التقاط صور عالية الدقة للنجوم، ينشر التلسكوب الذي يبلغ عرضه 12 سنتيمترًا الضوء الصادر من النجوم إلى الآلاف من وحدات البكسل، مكونًا بذلك صورةً مُتقطعةً دقيقة، في إطارها يمكن رؤية بصمة ضوئية لموضع كل نجم في السماء، واستنادًا إلى هذه البيانات، يأمل العلماء أن يرصدوا تغيراتٍ ضئيلةً في موقع كل نجم بسبب قوة جذب أيٍّ من الكواكب السيارة، ويَسهُل أداء هذه المهمة كثيرًا -المسماة بالقياس "الفلكي"- بوجود نجمين لا نجم واحد، مما يتيح قياس المسافة بين النجمين بمزيد من الدقة، وعن هذا يقول توثيل: "يُعد النظام النجمي «ألفا سنتوري» هدفًا سهلًا بالنسبة لهذه التقنية، يبدو وكأن الكون وضعه في هذا الموضع لهذه المهمة بعينها".

رصد القياسات الفلكية بتلسكوب «توليمان» لمدة عامين كاملين يجب أن يمكِّن الفريق من استنباط وجود -أو غياب- الكواكب التي تدور في إطار مسافة مماثلة للأرض، أي في إطار المنطقة الصالحة للحياة الخاصة بنجمي «ألفا سنتوري إيه» أو «ألفا سنتوري بي»، ويمكن القول إن أعظم ميزة لعلم القياسات الفلكية هي قدرته على توفير قياسات دقيقة لعلماء الفلك عن كتل الكواكب المكتشَفة حديثًا، وذلك من خلال تقدير شدة قوة سحب الجاذبية الخاصة بكل كوكب على النجوم، فمعظم التقنيات الأخرى لاكتشاف الكواكب لا تقدم سوى تقديرات للكتلة، بحيث لا يتباين الفارق الرصدي، مثلًا، بين كوكب غازي «نسخة مصغرة من نبتون» وجرم سماوي صخري شبيه بالأرض، بيد أن هناك أوجه قصور طفيفة؛ فدراسات تلسكوب «توليمان» لن تكشف في البداية أي النجمين تدور حوله مثل تلك الكواكب، إلا أننا سنعرف على نحوٍ شبه يقيني ما إذا كان هناك احتمالٌ لوجود أي كواكب صالحة للحياة لها مثل كتلة كوكب الأرض أم لا، وعن هذا يقول توثيل: "سنكون قادرين على تحديد ما إذا كان هذا كوكبًا يقع في نطاق المنطقة الصالحة للحياة أم أن له كتلة الأرض نفسها؛ فإذا اكتشفنا شيئًا، نأمل أن يفتح هذا المجال أمام سباق محموم للاكتشافات الأخرى، وسيتحمس الأفراد للسعي وراء هذه الاكتشافات بإرسال البعثات الأكثر تقدمًا".

تبشر بعثة «توليمان» بحدوث تطورين مثيرين للاهتمام في مجال علم دراسة الكواكب خارج المجموعة الشمسية، التطور الأول هو الاستعانة بتمويل القطاع الخاص، بدلًا من الدعم الحصري من جانب وكالات الفضاء وغيرها من المؤسسات الحكومية، لإجراء دراسات فضائية على كواكب خارج المجموعة الشمسية، مركزين بذلك على المحاولات المحفوفة بالمخاطر دون وجود أي ضامن للنجاح، وفي هذا الصدد يقول جويون: "يصعب إقناع وكالات التمويل الحكومية بهذه الأنواع من البعثات عالية المخاطر، لأن ثمة احتمالًا لعدم وجود أي كواكب في النظام النجمي «ألفا سنتوري»"، رغم أن المكاسب المحتملة عظيمة، ويستطرد قائلًا: "فإذا كان هناك شيء بالفعل، فمن شأننا أن نعرف أقرب نظام نجمي منّا يحظى بكوكب [يحتمل] أن يكون صالحًا للحياة، وهذا من شأنه أن يغير تمامًا خطط الوكالات"، ويلفت مشروع «توليمان» النظر أيضًا إلى تحول سعى إليه الكثيرون، من البحث عن آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية على مدار العقدين الماضيين إلى دراسة أنظمة نجمية معينة باستفاضة تفصيلية، وعن هذا تقول سيجير: "كان لدينا نزعة نحو البحث عن الكثير من الكواكب، ولكن بعضًا منّا في الوسط العلمي صاروا على استعداد للتركيز على نجوم فردية".

تقول إميلي ريكمان، من معهد مراصد علوم الفضاء في بالتيمور بولاية ميريلاند: إن التقنية القائمة وراء تلسكوب «توليمان» "مثيرة"، في ضوء قرب هذه النجوم منّا، وتعلق قائلة: "إن العثور على أي إشارة تَعِد بوجود حياة فضائية بالجوار السماوي لنا لهو أمر جلل"، حتى ولو لم تكتشف البعثة أي شيء، فإنها ستضع محدداتٍ مفيدةً بالنسبة للنظام النجمي «ألفا سنتوري»، وتستطرد قائلة: "إذا لم نعثر على شيء، فهذا سيخبرنا بأن ثمة شيئًا ضئيلًا للغاية وقريبًا من النجم لدرجة أننا لا نستطيع رصده، أو أنه لا يوجد شيء حول هذه النجوم"، وهذا في حد ذاته نتيجة مثيرة وقيمة، ويقول توثيل إن ثمة أهدافًا ثانويةً يمكن التحقق منها بعد دراسة «ألفا سنتوري»، باستخدام تلسكوب «توليمان» أيضًا، على وجه التحديد أنظمة ثنائية أخرى قريبة منّا، مثل النظام النجمي الثنائي 61 Cygni الذي يبعد عنّا بمسافة 11 سنة ضوئية، ولكن ليس من بين هذه النجوم الأخرى نجمٌ قريبٌ بالدرجة الكافية لضمان الدقة البالغة، وبالتالي لا يمكن الرصد إلا للكواكب الأضخم والأقل قابليةً للحياة على الأرجح، وعن هذا يقول توثيل: "نأمل الوصول إلى كواكب تفوق كوكب الأرض أو نبتون" من حيث الكتلة؛ كي نرصد هذه الكواكب حول النجوم الأخرى.

أما بالنسبة للوقت الحالي، فالنظام النجمي «ألفا سنتوري» هو الهدف الرئيسي، مع إمكانية أن يلوح اكتشاف هائل في الأفق، وفي غضون بضع سنوات فقط، ربما نعرف ما إذا كان هناك كوكب واحد أو أكثر بحجم كوكب الأرض صالح للحياة، ولعلنا في وقت قريب لا نسعى إلى دراستها بالتلسكوبات وحسب، بل زيارتها أيضًا والتواصل معها من خلال المسابير الروبوتية التي يتم إطلاقها عبر الأعماق البين نجمية، وبالفعل توجد مقترحات بخصوص مثل هذه الرحالات، بما فيها مشروع «بريكثرو ستارشوت» المشروع الاستكشافي الأكثر جذبًا للأضواء والاهتمام، الشقيق لمشروع «بريكثرو ووتش» في إطار المبادرات الاختراقية لإرسال مركبة فضائية مصغرة بعشر سرعة الضوء تقريبًا نحو النظام النجمي «ألفا سنتوري»، ومن شأن تلسكوب «توليمان» أن يقدم بيانات مهمة تدعم بعثةً تمتد مدتها إلى عدة عقود، وعن هذا يقول بيت وردن، المدير التنفيذي للمبادرات الاختراقية- «بريكثرو إنيشياتيفز»: "نحن نعرف أنه يوجد على الأقل كوكب واحد في النظام النجمي، ألا وهو «بروكسيما بي»، وإذا تأكدنا في النهاية أن «ألفا سنتوري إيه وبي» ليس حولهما أي كواكب يُحتمل أن تؤوي حياة عليها، فلسوف نركز على كوكب «بروكسيما بي» على الأرجح"، فإذا سار كل شيء وفقًا لما هو مخطط له، فلن نستغرق وقتًا طويلًا في الاكتشاف.