أُوْقفت إجراءات تسجيل مزيد من الأفراد في التجارب التي تُجرى في مختلف أنحاء العالم على أحد اللقاحات المرشحة بقوة لاستخدامها ضد فيروس كورونا، وذلك بعد "الاشتباه في حدوث أعراض سلبية" لدى أحد الأشخاص الذين تلقوا هذا اللقاح في المملكة المتحدة. يقول العلماء إنه من المبكر للغاية الجزم بأثر ذلك على الجهود العالمية التي تهدف إلى إنتاج لقاح، مشددين على أن هذا الخبر يؤكد أهمية انتظار نتائج تجارب كبيرة مصممة بعناية لتقييم سلامة اللقاح، قبل الموافقة على استخدامه على نطاق واسع.

تتولى جامعة أكسفورد، بالتعاون مع شركة "أسترازينيكا" AstraZeneca للمستحضرات الدوائية، تطوير ذلك اللقاح، وهو واحد من تسعة لقاحات لفيروس كورونا، تُجرى عليها تجارب "المرحلة الثالثة" والأخيرة.

ولم تعلِن بعد أي من جامعة أكسفورد، ولا شركة أسترازينيكا عن طبيعة هذه الأعراض السلبية، التي منها درجة خطورتها، وتوقيت حدوثها، غير أن إيقاف التجربة يأتي وسط تصاعد المخاوف من احتمالية أن تواجه هيئات الأدوية الأمريكية ضغطًا سياسيًّا للموافقة على أي لقاح قبل انتهاء التجارب، وذلك قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي من المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر القادم.

وجدير بالذكر أنه تم استئناف التجارب على اللقاح يوم السبت الماضي، بعد أن أعلنت جامعة أكسفورد القائمة عليها أن لجنة مستقلة، لجأت لها شركة أسترازينيكا لمراجعة بيانات السلامة، وجدت أنه لا ضرر من ذلك.

وتعلق ماري-بول كيني -باحثة اللقاحات في معهد "إنسيرم" INSERM، وهو المعهد الوطني الفرنسي لأبحاث الصحة في باريس- على هذا الخبر قائلة: "إن إيقاف التجربة الإكلينيكية يدل على أن هناك موازين وضوابط فعالة، على الرغم من الضغوط السياسية". وتضيف قائلة: "لعل هذا يكون تذكِرة للجميع، بمَن فيهم الرؤساء، بأنّ اعتبارات سلامة اللقاحات عنصر أساسي في عملية تطويره".

وعَلَّق أيضًا فلورين كريمار -عالِم الفيروسات في كلية إيكان للطب في ماونت سايناي بمدينة نيويورك- قائلًا: "أتمنى بشدة ألا يكون هذا الأثر السلبي مرتبطًا باللقاح، إذ يبدو لقاح تجربة أكسفورد واعدًا للغاية حتى الآن". ويرى كريمار أن قرار إيقاف التجربة يُظْهِر فعالية عملية تقييم اللقاحات، ويؤكد أن العلاجات الآمنة والفعّالة فقط هي التي ستنجح في الوصول إلى سوق الأدوية.

وكان الموقع الإلكتروني "ستات" STAT، المعنِيّ بأخبار مجال الصحة، قد أعلن في الثامن من سبتمبر عن إيقاف التجربة الأمريكية التي كانت قد وصلت إلى مرحلتها الثالثة لإنتاج لقاح محتمل لفيروس كورونا. وفي اليوم التالي، أكدت جامعة أكسفورد -في تصريح لها لدورية Nature- أنه من المزمع كذلك إيقاف تسجيل المزيد من الأفراد في تجاربها التي تُجرى في البرازيل، وجنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة.

ومن جانبها، أوضحت شركة "أسترازينيكا" في بيان صادر عنها أنه: "في إطار تجارب أكسفورد التي تُجرى على مستوى العالم لإنتاج لقاح لفيروس كورونا الجديد، تلك التجارب التي تتسم بكونها مُحكمة، وعشوائية، وممتدة، فعّلنا عملية التقييم القياسية، وقررنا -بمحض إرادتنا- إيقاف عمليات التحصين، للسماح بمراجعة بيانات السلامة من قِبَل لجنة مستقلة".

ويضيف البيان أن: "قرار وقف التجربة إجراء روتيني، لا مفر من اتخاذه فور ظهور أيّ علة غير مبرَّرة أثناء سير أيّ من هذه التجارب. ونحن نسعى إلى التعجيل بدراسة الوقائع الفردية، بغرض تحجيم أي آثار محتمَلة لها على الجدول الزمني للتجربة. ونحن مُلزمون بسلامة المشاركين في تجاربنا، وبأعلى معايير الجودة".

تقول كيني: "إذا كانت هذه الواقعة مرتبطة -على نحو قاطع، أو حتى محتمَل- بتلَقِّي اللقاح، فقد يمثل هذا ضربة قاضية لهذا اللقاح بعينه. أما إذا اتضح عدم وجود ارتباط بينهما، فقد يُرفع التعليق في غضون أسابيع".

وبعض العلماء يقولون إنه من غير وجود مزيد من التفاصيل حول هذا الأثر السلبي، بما في ذلك مدى خطورته، وتوقيت حدوثه، سيكون من الصعب تقييم تأثيره على التجارب، وكذلك على الجدول الزمني الخاص بالتصريح بتداول اللقاح.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تتوقف فيها عملية إعطاء اللقاحات للمشاركين في المملكة المتحدة، حسبما يقول اثنان من المشاركين في التجربة، وكذلك حسبما ورد في صفحات المعلومات الموجودة على سجل التجربة الإكلينيكية على شبكة الإنترنت. ففي المرة السابقة، ظهرت على أحد المشاركين في التجربة أعراض مرض "التهاب النخاع المستعرض"، وهو التهاب في الحبل الشوكي، عادةً ما تُحَفِّز ظهوره الإصابة بعدوى فيروسية، حسبما ورد في إحدى صفحات المعلومات الصادرة بتاريخ 12 يوليو، التي وُزعت على المشاركين في التجربة. وقد استؤنفت التجربة بعد مراجعة إجراءات السلامة. وشُخّصت حالة هذا المشارِك بأنها: "علة عصبية غير مرتبطة بالتجربة". 

تجارب في عدة بلدان

بدأت شركة "أسترازينيكا" تجربة لقاحها المحتمَل المعروف بـAZD1222"" في الولايات المتحدة خلال الشهر الماضي، وكانت الخطة هي إدراج 30 ألف بالغ من حوالي 80 مكانًا في جميع أنحاء البلاد. كما تجري حاليًّا تجارب تحديد كفاءة اللقاح في المملكة المتحدة، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، يشارك فيها زهاء 17 ألف شخص. وفي التجربة الأمريكية ثنائية التعمية، كان من المقرر إعطاء جرعتين من اللقاح لـ20 ألف مشارك، بينما يتلقى الـ10 آلاف مشارك الآخرون لقاحًا وهميًّا. ولا بد من إجراء تجارب واسعة النطاق مثل هذه على الأشخاص، قبل أن تشرع الهيئات التنظيمية -مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية- في الموافقة على تداول اللقاح على نطاق واسع.

هذا، وقد أقدمت بلدان كثيرة -منها الولايات المتحدة- على طلب ملايين الجرعات من لقاح أكسفورد مسبقًا، على أمل أنه سيكون ناجحًا. وبنهاية شهر أغسطس الماضي، كانت هناك بلدان قد طلبت بالفعل ما لا يقل عن 2.94 مليار جرعة مسبقًا، وهي أعلى نسبة طلب على أي لقاح من اللقاحات المحتمَلة لمواجهة فيروس كورونا. وأكثر من ثلث هذه الجرعات اشترتها المملكة المتحدة، وبلدان أوروبية أخرى، إضافة إلى اليابان، والولايات المتحدة. كما قَدَّمَت هيئة البحث والتطوير الطبي الحيوي المتقدم لشركة "أسترازينيكا" أكثر من مليار دولار أمريكي، لتطوير لقاح أكسفورد.

تشيع الآثار الجانبية في التجارب الإكلينيكية، ولا ترتبط عادةً بالعلاجات محل الاختبار، حسبما يقول بول جريفين، باحث الأمراض المُعْدية في جامعة كوينزلاند في بريزبن في أستراليا، الذي أجرى تجارب إكلينيكية ضخمة في السابق. فعلى سبيل المثال، يمكن للآثار الجانبية أن تتضمن إدخال أحد المشاركين إلى المستشفى لأي سبب كان، وربما تتسبب -بشكل حتمي- في إيقاف التجربة، حتى لو كان الدخول إلى المستشفى غير مرتبط باللقاح. وحسب قوله، تشتمل الدراسات على بروتوكولات تحدِّد أنواع الآثار الجانبية التي تتسبب في إيقاف التجارب، وبعد ذلك توجد إجراءات مخصصة للبحث فيما إذا كان هذا الأثر مرتبطًا باللقاح، أم لا، حيث لم تُعلَن بروتوكولات دراسة "أسترازينيكا".

إنّ هذا الأمر مألوف، لكن بالنظر إلى ما تنطوي عليه عملية تطوير لقاح آمِن وفعّال من مخاطر، فإنه ينبغي الإعلان عن كافة تفاصيل الدراسة، حسبما يرى بول كوميساروف، الطبيب وعالِم الأخلاقيات البيولوجية بجامعة موناش في ملبورن بأستراليا، مضيفًا: "هذه التجارب تحظى بتأييد العامة. ويمثل المرضُ الخطر الأكبر الذي تواجهه البشرية خلال المئة عام الأخيرة. كما أن إجراءات تطوير اللقاح مُسيسة بشدة، وبالتالي فإن نتاج هذه العملية لن يكون ناجحًا، إلا في حالة الحصول على ثقة العامة، والحفاظ على هذه الثقة".

ما هي الخطوة التالية؟

أغلب الظن أن اللجنة المستقلة التي ستتولى مراجعة بيانات شركة "أسترازينيكا" ستحاول معرفة ما إذا كان المشارك الذي ظهرت عليه الآثار السلبية قد تلقّى اللقاح الفعلي، أم لقاحًا وهميًّا، وذلك حسبما يتصور الباحثون؛ فإذا ما تبين أن هذا الشخص كان قد تلقى اللقاح الفعلي، فسيتعيَّن على الباحثين عندئذ محاولة الوقوف على ما إذا كان هذا هو سبب ظهور الآثار السلبية، أم لا. وفي ذلك يقول جوناثان كيميلمان، عالِم الأخلاقيات البيولوجية، الذي يدرس التجارب الإكلينيكية في جامعة ماكجيل في مونتريال بكندا: "سيكون البحث عن السبب مسألة صعبة".

ويقول جريفين إنه إذا تَبين أن هذا الأثر الجانبي خطير، ومرتبط باللقاح، فإن هذا قد يكون له تأثير كبير على الدراسة. ويضيف قائلًا: "لكنني أعتقد أنه من السابق لأوانه افتراض أن هذا هو ما نحن بصدده." ويردف قائلًا إنه يجب إيلاء الاهتمام الأكبر الآن للتأكد من سلامة المشترِك، وتوفير أفضل رعاية صحية له. ويتابع جريفين بقوله: "أثق كل الثقة في أن هذه اللجنة ستقيّم هذه الآثار الجانبية بسرعة، ثم ستعلن عن نتائج التحقيقات".

هذا، وقد انتاب الباحثين القلق الشديد من احتمال أن تُسَبِّب لقاحات مرض "كوفيد-19" "مرضًا مُضاعَفًا"، لدى تعرُّض الأشخاص الذين تَلَقَّوا اللقاح للفيروس في وقت لاحق، لكنّ الدراسات التي أجريت على الحيوانات، إلى جانب المراحل الأولى من التجارب التي أجريت على البشر لاختبار لقاحات مرض "كوفيد-19"، ومنها اللقاح المحتمَل لأكسفورد و"أسترازينيكا"، لم تُظهِر لنا حتى الآن أي إشارات على حدوث هذه المشكلة.

ولقاح أكسفورد هو لقاح ناقل فيروسي، يعتمد في تصميمه على أحد "الفيروسات الغُدّانية" التي تُسبِّب أدوار البرد، الذي أمكن عزله من الشمبانزي. وقد عَدَّل الباحثون هذا الفيروس، بحيث أصبح غير قادر على التكاثر داخل الخلايا. وهذا الفيروس يُعبِّر عن البروتين الشوكي الذي يستخدمه فيروس كورونا في إصابة الخلايا البشرية. وتقول عشرات المجموعات البحثية إنهم يعكفون على إنتاج لقاحات نواقل فيروسية، لمكافحة فيروس كورونا، ومنها اللقاح المحتمَل الذي تُطَوِّره شركة الأدوية الأمريكية "جونسون آند جونسون" Johnson & Johnson، ولقاح آخر يَجرِي تطويره -على نحو مشترك- بالتعاون بين الجيش الصيني، وشركة "كان سينو بيولوجيكس" CanSino Biologics ، الواقعة في مدينة تيانجين في الصين.