في يوم غائم من أيام أواخر أبريل الماضي في مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي الأمريكية، وبعد ما يزيد على عام من المعاناة من جَرَّاء الجائحة، اصطف ما يقرب من ألفي شخص داخل حرم إحدى الجامعات الحكومية استعدادًا لبدء رحلة التعافي، هناك، في معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا الذي تحول إلى مركز للتطعيم، وداخل إحدى المنشآت المخصصة لرياضة التنس والتي تشبه حظيرة طائرات الهليكوبتر، التقى هؤلاء الأشخاص وجهًا لوجه مع أحد أبرز الإنجازات في مجال الطب الحيوي على مر التاريخ، لقاح آمن وفعال ضد فيروس كوفيد تم تصميمه واختباره في سباق مع الزمن استغرق عشرة أشهر خلال عام 2020، خلال هذه الفترة، وبينما كان العلماء يتسابقون لتطوير ذلك اللقاح، توفي أكثر من ثلاثمئة ألف مواطن أمريكي وما يقرب من مليوني شخص على مستوى العالم بسبب كوفيد.

وكان اللقاح ذو الجرعتين الذي أنتجته شركة «فايزر-بيونتيك» Pfizer-BioNTech الذي تلقاه هؤلاء الأشخاص في نيوارك، قد تم تجهيزه سريعًا لمجابهة فيروس «سارس-كوف-2»SARS-CoV-2 ، مثلما حدث مع لقاح مماثل طورته شركة التكنولوجيا الحيوية «موديرنا» Moderna، وبالرغم من تلك العجلة، فإن اللقاحين يُعدان تتويجًا حذرًا لعقود من البحث في مجال التكنولوجيا المعروفة باسم الحمض النووي الريبوزي المرسال الاصطناعي (mRNA)، وقد قدمت تلك اللقاحات للعالم أول إشارة حقيقية على أن البشرية يمكن أن تتحرر من تداعيات الجائحة.

كانت الأبحاث التي أجرتها معاهد الصحة الوطنية الأمريكية ووزارة الدفاع وعدد من المختبرات الجامعية على اللقاحات المصنوعة من الحمض النووي الريبوزي المرسال قد أسفرت عن طريقة لاستخدام هذا المُركَّب لدفع خلايا الجسم نفسها إلى تصنيع بروتين فيروسي يحفز حدوث استجابة مناعية قوية، بعد ذلك تولى خبراء في اللقاحات وسلامة الدواء بإدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA والمراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، إلى جانب جهات استشارية خارجية تقييم تجربتين سريريتين مختلفتين ضمتا أكثر من سبعين ألف شخص، وقد أظهرت الاختبارات أن اللقاحات صحية وفعَّالة للغاية، مما أسفر عن حصول هذه اللقاحات على الترخيصات اللازمة.

لكن حتى الآن لا يجري توزيع اللقاحات بصورة عادلة، إذ تَحُول العقبات الاجتماعية والمادية دون حصول كثير من الأمريكيين الملونين عليها، من أمثلة هذه العقبات عدم توافر وسائل المواصلات اللازمة لنقل هؤلاء المواطنين إلى أماكن التطعيم، وكذلك عدم توافر أجهزة الكمبيوتر لديهم لتحديد مواعيد التطعيم، وعدم استطاعتهم الحصول على إجازة مدفوعة الأجر لإجراء التطعيم، ولا شك أن مثل هذه العراقيل تعني أن الأشخاص البيض يتلقون حصة من اللقاح أكبر بكثير بالمقارنة بالمواطنين الملونين، وقد أُنشئ المركز المذكور في مدينة نيوارك للتصدي لهذه المشكلة، وهو حصيلة جهد محلّي وفيدرالي مشترك تشرف عليه الوكالة الفيدرالية الأمريكية لإدارة الطوارئ (FEMA) ووزارة الدفاع الأمريكية، يقع المركز بالقرب من محطات القطار ومواقف الحافلات، ويتولى القائمون عليه حجز مواعيد قريبة للأشخاص الذين يحضرون من دون موعد سابق، بل إنهم يعطونهم اللقاح في اليوم نفسه إذا كانت الكميات المتاحة تسمح بذلك، كذلك تتوافر بالمركز الإعلانات والتعليمات الإرشادية بأكثر من خمسين لغة، بينما يتحدث بعض العاملين اللغة البرتغالية والإسبانية وغيرهما بطلاقة، كما يتوافر فيلم مصور موجه إلى الأشخاص الذين يتواصلون باستخدام لغة الإشارة الأمريكية، وبحلول الثلاثين من أبريل، أي بعد شهر من بدء العمل، كان المركز قد نجح في تطعيم 150 ألف شخص.

يتنقل الأشخاص الذين يترددون على المنشأة بين صفوف من الطاولات القابلة للطي، وبعد تسجيل أسمائهم في إحدى نقاط الاستقبال البالغ عددها 36 نقطة، والمزودة بقطاعات من الزجاج تفصل بين المرضى والعاملين الجالسين في مقاعدهم، يسير المرضى في ممر تمت تهيئته باتجاه إحدى نقاط التطعيم الخمسين التي يعمل فيها أفراد من الجيش يرتدون زي المعارك، يحافظ المركز على خصوصية الزوار عن طريق إقامة فواصل عالية مُغطاة بقماش ذي لون أزرق باهت، هناك، يتولى أحد أعضاء الفريق الطبي العسكريين شرح نظام الجرعتين الخاص باللقاح وتوضيح الحماية التي يوفرها اللقاح، ثم يسأل المواطنين الوافدين للتطعيم عما إذا كانت لديهم أي ملحوظات.

لا يمكن لتلك المراكز تصحيح الأخطاء التي حدثت خلال السنة الأولى لانتشار الجائحة، أو إصلاح أوضاع معقدة تتسبب في حرمان الكثيرين من الخدمات الطبية نتيجةً للتمييز الهيكلي والمؤسسي ضد فئات معينة.. كما أن ما تحقق في الولايات المتحدة وهي دولة ثرية لا يزال بعيدًا عن متناول الكثير من الدول في شتى أنحاء العالم، حيث لا تزال مناطق واسعة تعاني أشد المعاناة، لكن هذه الصور التي التُقطت في العشرين من أبريل تسجل مشاعر الناس بعد تلقيهم اللقاحات التي قد تضمن لهم النجاة بعد عام مأسوي، تكشف الصور عن الجانب الإنساني من عملية التقدم الإنساني التي يمكن أن تتحقق عندما تستخدم المجتمعات العلم -والتراحم– للتصدي للمشكلات الكبرى.

Three people wearing face masks and black clothing posing together on the street.
Credit: Grant Delin

عندما أصيبت كارميتا أندرادي (في المنتصف) البالغة من العمر واحدًا وخمسين عامًا بكوفيد في شهر أبريل من العام الماضي، ظنت أنها سوف تلقى حتفها بسبب المرض، عاشت أندرادي تجربةً صادمةً استلزمت بقاءها في المستشفى لمدة أسبوع، وقد حفزت هذه التجربة ابنها كريستوفر وابنتها نيكول للانضمام إلى أمهما في الحصول على التطعيم هذا الربيع، تقول أندرادي: "إنني أُعد من الناجين، وقد كان مصدر قلقي الأكبر هو الذهاب إلى المستشفى لأنك لا تدري هل ستعود إلى بيتك مرةً أخرى أم لا؛ فالكثير ممن لقوا حتفهم من جَرَّاء الإصابة بكوفيد لم يتمكنوا من تبادل كلمات الوداع مع أفراد عائلاتهم، لكني كنت محظوظةً للغاية بالعودة مرةً أخرى إلى عائلتي".

Alex Appiah Frimpong wearing a blue shirt and face mask.
Credit: Grant Delin

يبلغ أليكس أبيا فريمبونج من العمر خمسين عامًا، وكان يعمل مندوبًا لإحدى شركات التأمين على الحياة، أما الآن فهو يدرس للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، قرر فريمبونج تلقِّي التطعيم بعد أن سمع القس في كنيسته الخمسينية ينصح المصلين بتلقِّيه، يقول فريمبونج: "هناك شائعات منتشرة تزعم أن الناس يموتون بسبب اللقاح، لكني في الحقيقة لا أصدق ذلك، عندما تلقيت الجرعة الأولى من اللقاح، لم أشعر بأي شيء، وهذه هي الجرعة الثانية، أنا في أمان الآن، ولذا أشعر بأنني بخير".

Layla Sayed, a young woman, wearing a face mask.
Credit: Grant Delin

ليلى سيد، ذات السبعة عشر عامًا، تعمل في متجر تايلاندي لبيع لفائف الآيس كريم، وتطمح إلى أن تصبح محامية، تقول "سيد" إن أحد أسباب تلقيها التطعيم يعود إلى رغبتها في حماية أمها التي تعيش معها، كذلك فإن تلقِّي اللقاح جعلها تستحضر المخاطر التي يواجهها أفراد عائلتها الذين يعيشون في مصر، تضيف سيد قائلة: "الناس هناك لا يحصلون على الحماية نفسها المتاحة لدينا هنا، حيث يواجهون نقصًا في التطعيمات وقصورًا في إجراء الاختبارات، بل إن بعضهم ليس لديه أقنعة الوجه، أو لا يملك المال اللازم للحصول عليها، لذا، فأنا أقدّر ميزة الحصول على التطعيم هنا".

Mary Breanna Hudon wearing her military uniform and face mask stands inside vaccination site.
Credit: Grant Delin

ماري برينا هودون، البالغة من العمر ثلاثين عامًا، تعمل في الفرق الطبية العسكرية وتحمل رتبة رقيب في سلاح الجو الأمريكي، وتتولى إعطاء اللقاح في المركز، عادةً ما تقوم هودون بحَقن أكثر من مئتي شخص يوميًّا، إذ تعمل على مدار يومين أو ثلاثة أيام متتالية، وأحيانًا تصل نوبة العمل الواحدة إلى إحدى عشرة ساعة متواصلة، تتذكر هودون موقفًا أعطت فيه التطعيم لأحد الناجين من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو رجل في الستينيات من عمره، إذ ذكر لها أن تعرُّضه للمواد السامة داخل موقع مركز التجارة العالمي أدى إلى إصابته بسرطان الكلى، تقول هودون: "لأجل ذلك عبرت عن شكري للرجل؛ لأنه ورفاقه في ذلك الوقت كانوا يشكلون خط الدفاع عنا جميعًا، عبرت عن شكري له وأخبرته بأننا نُقدِّر ما فعل، وأن دورنا جاء لنقدم لهم الدعم والمساندة".

Physician and Air Force colonel Cecilia Sessions wearing military uniform and face mask stands inside vaccination site.
Credit: Grant Delin

تبلغ سيسيليا سيشنز ستةً وأربعين عامًا من العمر، وهي طبيبة تتولى الإدارة الطبية للمركز، وفي الوقت ذاته تحمل رتبة عقيد في القوات الجوية الأمريكية، وقد طلبت سيشنز إيفادها إلى موقع نيوارك، حيث كانت تتوق لتقديم يد المساعدة للآخرين، وقد كان ضمن ما دفعها لذلك أن ولاية نيوجيرسي شهدت أحد أعلى معدلات الوفيات الناجمة عن كوفيد في الولايات الأمريكية، تقول سيشنز: "يُحدِّثنا كثيرٌ من الذين يأتون إلينا هنا عن معاناتهم الشخصية وعن الأحباء الذين فقدوهم خلال الجائحة، لذلك فهناك حاجة مؤكدة إلى ما نفعله، جاء إلينا قبل بضعة أيام شخصٌ مصابٌ بالصمم، فلجأت إلى استخدام هاتفي للاستعانة بمترجم للغة الإشارة حتى أستطيع التعامل معه، وعندما انتهت العملية وحصل الرجل على اللقاح، وجدناه يصيح قائلًا: ’الحمد لله. شكرًا لكم جميعًا‘، ثم غلبته مشاعره ودخل في نوبة من البكاء".

Medical tray with vaccines, syringes and bandaids.
Credit: Grant Delin

يتولى أعضاء الفريق الطبي تجهيز اللقاحات مسبقًا، وغالبًا ما يكونون مستعدين لاستقبال عدد من المرضى في وقت واحد، وتحتوي كل طاولة في المعتاد على منديل واحد مبلل بالكحول، وحقنة مُعبَّأة باللقاح، وضمادة لاصقة، ولكن بعيدًا عن أنظار الجمهور وخلف الكواليس، يتولى فريق من الفنيين الطبيين إذابة الثلج عن الحاويات المملوءة بقوارير اللقاح المُجمَّدة تمهيدًا للبدء في تجهيز حوالي ستة آلاف جرعة لقاح يوميًّا، كل قارورة من اللقاح تكفي ست جرعات، كما يتولى أحد الصيادلة التابعين لهيئة الصحة العامة الأمريكية أو ممرض من إدارة الرعاية الصحية للمحاربين القدامى التحقق من سلامة كل خطوة من خطوات هذه العملية، بما في ذلك إجراء مراجعة نهائية لكل حقنة من الحقن المعبأة باللقاح.

HODAN BULHAN wearing a face mask standing against white background.
Credit: Grant Delin

تبلغ هودان بولهان تسعة وثلاثين عامًا من العمر، وتعمل مساعدة قانونية في أحد مكاتب المحاماة، وقد عانى كثيرٌ من أفراد أسرتها وأصدقائها من إصابات شديدة بفيروس كوفيد، تقول بولهان إنهم قد تعافوا جميعًا، لكن "لو كان هذا ]التطعيم[ متاحًا في ذلك الوقت لكان الوضع أفضل بكثير"، لقد كانت الجائحة بمنزلة تجربة مُروِّعة لبولهان، مما جعلها تقول: "إن أي شيء يمكننا فعله لوقاية أنفسنا من الإصابة بالمرض أو دخول المستشفى له أهمية كبيرة، لذا فإنني أؤمن بالتطعيمات، إنني أنتمي إلى الجيل الذي وُلِد في ثمانينيات القرن الماضي، وقد تلقيت التطعيم وسارت الأمور على ما يرام، لذلك أعتقد أننا سوف ننجح في مواجهة هذا الخطر".

Kajal Negandhi wearing a face mask standing against white background.
Credit: Grant Delin

تقول كاجال نيجاندي، البالغة من العمر تسعة وثلاثين عامًا، والتي تعمل في مجال سلامة المرضى لدى إحدى شركات الأدوية، إنها قد فقدت صديقة عزيزة لها في الهند في أكتوبر الماضي بسبب الجائحة، وبعد حصول نيجاندي على الجرعة الثانية من اللقاح في نيوارك، تذكرت صديقتها وطفلتها ومجتمعها الصغير: "لديّ ابنة صغيرة في الهند، أتمنى أن يتمكن معلموها من الحصول على التطعيم، ما من سبب يجعلنا نُحجم عن التطعيم، أنقِذوا هؤلاء المعلمين، أنقِذوا الأطفال، أنقِذوا الجميع في كل مكان من حولنا".

Youlanda Lee-Clendenen smiling while wearing a face mask standing against white background.
Credit: Grant Delin

تقول يولاندا لي كليندينين، البالغة من العمر ستة وخمسين عامًا، إنها قد تلقت التطعيم لأنها تعلم أن الأشخاص ممن هم في مثل عمرها وكذلك الذين يعانون من أمراض مزمنة مثلها يكونون أكثر تعرضًا للمعاناة من الأعراض الشديدة عند الإصابة بفيروس كوفيد، ترغب كليندينين في قضاء الوقت مع أحفادها الستة وفي السفر، كما أنها شعرت بأن الواجب يُملي عليها الحصول على التطعيم بهدف الحد من انتشار الفيروس، وبمسؤوليتها عن توفير معلومات دقيقة حول اللقاح لأقاربها في سانت فنسنت في منطقة البحر الكاريبي الذين لا يزالون مترددين بشأن تلقي اللقاح، تقول كليندينين: "أعتبرهم جهلاء لرفضهم التطعيم، لكنني أقول لهم: إنها حياتكم، إذا كنتم تريدون تعريض أنفسكم للخطر، فهذا أمر يخصكم، لكنني سأحمي نفسي".