عند دائرة عرض 85 درجة شمالًا، تدلَّى الاختصاصي نيكولاي فوكويف من باب طائرتنا المروحية المفتوح، باستخدام حزام مربوط حول خصره، وألقى بشعلة على الجليد المغطى بالثلوج، الذي يطفو على سطح المحيط المتجمد الشمالي أدناه ببضعة أمتار. سقطت الشعلة وبدأ الدخان يتصاعد، مما سوَّد السطح الأبيض النظيف المفتت.

كنا في أقصى الشمال، على بُعد مئات الكيلومترات من أقرب يابسة، وعلى بُعد حوالي 50 كيلومترًا من كاسحة الجليد الروسية «أكاديميك فيدوروف» التي كانت لنا بمنزلة قاعدتنا المحلية. كنا على وشك تجربة إنزال جريئة لطائرة مروحية روسية من طراز Mi-8 على طوف جليدي ربما يكون رقيقًا للغاية لدرجة أنه قد لا يتحمل وزن المروحية. كانت تجربة خطيرة، لكنها كانت ضرورية إذا أردنا اختبار سُمك طبقة الجليد مباشرة.

انحرف الطيارون بالمروحية باتجاه الريح (الذي عُرف عن طريق دخان الشعلة)، وحاموا على ارتفاع سنتيمترات فقط أعلى الجليد، وهبطوا عليه بخفة شديدة، لدرجة أنني كدتُ ألا أشعر بهذا الهبوط. كما تركوا ريشات المروحية تدور لتوفر دفعةً كافيةً إلى أعلى لتقلل من وزننا وتبقينا على أُهْبة الاستعداد للطيران، في حال احتجنا إلى الإقلاع على الفور.

ظل الطوف الجليدي ثابتًا، ثم قفز خبير الجليد البحري الروسي توماس بيتروفسكي من الباب المفتوح. كان وزنه خفيفًا على السطح، وعمل بسرعة على ثقب عدة حفر إلى جوار المروحية لمعرفة مدى سُمك الجليد. وفي كل مرة، كان المثقاب يتحرك ببطء لكنه كان يندفع إلى الأسفل بسرعة بعد النزول لمسافة نصف متر فقط. لقد بلغ الماء الواقع تحت الجليد، بأسرع مما ينبغي. كان بيتروفسكي يبحث عن جليد يبلغ سُمكه مترًا ونصف –يتميز بصلابة كافية لتثبيت سفينة ضخمة– إلا أن جميع الأطواف لم تكن بهذا السُّمك. فعاد إلى المروحية، وانطلقنا نحو كاسحة الجليد حين بدأ الضباب في الاقتراب منا.

البحث عن جليد مناسب

رغم أنه من السهل أن نصور الغطاء الجليدي في القطب الشمالي على أنه شديد الاتساع ويتعذر اختراقه، إلا أنه في الواقع يتكون من مجموعة من الأطواف الصغيرة الرقيقة غير محكمة الترابط تتصادم باستمرار. ويكاد يبدو من الجو كأنه قشر بيض متهشم يقع أعلى الكرة الأرضية. وتلك الأطواف آخذة في التقلص.

أبحرت كاسحتا الجليد –الروسية «أكاديميك فيدوروف»، والألمانية «بولارشتيرن»– من مدينة ترومسو بدولة النرويج، في بعثة لهما نحو وسط منطقة القطب الشمالي. كانت المهمة الأولى تتمثل في العثور على طوف جليدي قوي وسميك، بحيث يتجمد في نهاية المطاف حول «بولارشتيرن»، ليحاصر السفينة بالجليد لمدة عام كامل.

ستسمح هذه المنصة الفريدة للبعثة (المعروفة باسم «مرصد الانجراف متعدد التخصصات لدراسة المناخ في القطب الشمالي») بدراسة المنطقة القطبية الشمالية بتفاصيل غير مسبوقة، ما يوفر معلومات لم يكن لها وجود في السابق غالبًا. لم يسبق للخبراء قَط أن تمكنوا من دراسة مثل هذا الكم الكبير من تفاصيل نظام المناخ، من المحيط إلى السحب، وسط منطقة القطب الشمالي على مدار عام كامل. وستعين هذه النتائج العلماء على الوصول إلى فهم أفضل لكيفية تأثير التغيرات الحادثة في أقصى الشمال على بقية الكوكب.

لم يكن العثور على طوف مناسب بالأمر السهل؛ إذ لم ينجُ من موجات حر القطب الشمالي غير العادية هذا الصيف إلا القليل من الجليد، وذلك في أعقاب التناقص المتواصل في الغطاء الجليدي. قضيتُ أول أسبوعين من البعثة على متن «أكاديميك فيدوروف»، فأبحرتُ في البداية في المياه المفتوحة لبحر بارنتس ثم بحر كارا، تلك المنطقة التي ارتفعت درجة حرارتها من خمس إلى ست درجات مئوية في المتوسط ​​في العقود الأخيرة، أي بمعدل أعلى بكثير من المعايير العالمية. ويقول ميشيل تسامادوس، خبير الجليد البحري في كلية لندن الجامعية، والذي يستقل السفينة الروسية: «نحن الآن في نقطة ذروة تغيُّر المناخ».

في ظل هذه الظروف المناخية، انحسرت الحافة الجليدية لمسافة مئات الكيلومترات شمالًا على مدار العقود القليلة الماضية، ما أجبرنا على مواصلة التقدُّم إلى مسافة أبعد. ومع ذلك، عندما وصلنا أخيرًا إلى الحافة في 25 سبتمبر، وجدنا كميات هائلة من الجليد. وفي كل مرة كنا نصطدم بكتلة كبيرة من الجليد، كانت السفينة تهتز بعنف محركةً الأدراج والأغراض الشخصية، بل وحتى الأثاث المثبت. غير أن هذا لا يقارن بالضوضاء الناتجة؛ فعندما كان بدن السفينة الفولاذي الثقيل يمر عبر الجليد، كان الأمر يبدو كمجرفة مخروطية تكشط رصيفًا صلبًا لكن بصوت أعلى بمئات المرات. وحين كان هذا الصوت يبلغ أعلاه، كان معدل ضربات قلبي يرتفع بقوة، وفي أدنى معدلاته، كان يُبقيني مستيقظًا في منتصف الليل.

وعلى مدار الأيام القليلة التالية، تسللنا بين الأطواف كي نبحر عبر المياه المفتوحة كلما أتيح لنا ذلك. وعلى الرغم من أن «أكاديميك فيدوروف» كانت تستطيع اختراق الجليد البالغ سُمكه 1.5 متر، إلا أن القبطان لم يفعل ذلك إلا عند الضرورة. وهكذا أبحرنا ببطء وعلى نحو ممنهج، الأمر الذي أتاح لي الوقت لأستمتع بالمناظر الطبيعية الجليدية. حين يكون الجليد رقيقًا للغاية كان يبدو كأنه شاطئ ذو رمال سوداء يضم موجات بيضاء متلألئة في الأفق. ومع اقترابنا، تحولت «الأمواج» إلى حديقة منحوتة من الجليد، كانت أحيانًا تعبرها الدببة القطبية، أو تتخللها برك ذائبة نادرة تحتوي على مياه فيروزية خلابة. كانت هذه المنطقة أشبه بأرض عجائب مجمدة سحرتني.

مرت الأيام القليلة التالية سريعًا بينما واصلنا رحلتنا نحو الشرق، متجاوزين المناطق الزمنية الضيقة جدًّا عند خط العرض هذا لدرجة أننا كنا نفقد من نومنا ساعة تقريبًا يوميًّا. لكن في 28 سبتمبر، تباطأت السفينة حتى توقفت عند نقطة تقع عند دائرة عرض 85 درجة شمالًا وخط طول 125 درجة شرقًا. من هنا دفعت الرياح والأمواج السائدة، على مدار عام كامل، الكتلة الإجمالية للأطواف نحو القطب الشمالي ثم باتجاه الجنوب، في اتجاه المياه المفتوحة بين جرينلاند وأرخبيل سفالبارد. ومن هنا أيضًا بدأت بعثة مرصد الانجراف مهمتها، بمجرد أن عثر منسقو المشروع على طوف مناسب.

خلال الأشهر القليلة الماضية، التقط بتروفسكي وآخرون صورًا بالأقمار الصناعية لأطواف جليدية محتملة، إلا أن الطريقة الوحيدة لتقييم حقيقة الطوف هي رؤيته على أرض الواقع. ومن ثم حلقنا بالمروحية في صباح الأول من أكتوبر شمال «أكاديميك فيدوروف» إلى منطقة استطعنا فيها الحفر في خمسة أطواف مختلفة لقياس سُمكها، لكن بلغ سُمكها جميعًا أقل من نصف متر في المتوسط، وهو سُمك رقيق للغاية لا يسمح باستقرار السفينة.

عدنا إلى كاسحة الجليد، حيث خيَّم شعور عام من التجهُّم على متن السفينة بعد أن غلب عليه الإحباط من تجارب البحث السابقة. وفي هذا الصدد قال جاري هابالا، عالِم الجليد البحري في المعهد الفنلندي للأرصاد الجوية، المشارك أيضًا في بعثة مرصد الانجراف: «هذه أيضًا إحدى عواقب تغير المناخ، فالجليد ليس على ما يرام».

من المحاصرة بالجليد إلى الانغمار فيه

لم نكن نعلم أن الحظ قد حالف «بولارشتيرن»، ففي حين كنا في «أكاديميك فيدوروف» نقوم بمسح إحدى المناطق المحلية، كان العلماء على متن السفينة الألمانية القريبة يفحصون طوفًا غريبًا في الجنوب الشرقي من مكاننا. ظهر الطوف في صور الرادار مظلمًا كالمواقع المحتملة الأخرى (إشارة إلى أنه كان رقيقًا لدرجة أن المياه غمرته على الأرجح)، لكنه احتوى أيضًا على منطقة ساطعة غير معتادة. فهبط العلماء ومشوا على الطوف في أحد الأيام، واصطحبوا معهم عربات الثلوج في اليوم التالي، ووجدوا أن الجليد في المنطقة يتراوح سُمكه من أربعة أمتار إلى خمسة.

ولأن التواصل معهم في الغالب كان مقتصرًا على رسائل البريد الإلكتروني القصيرة، لم يعرف مَن هم على متن أكاديميك فيدوروف باكتشاف «بولارشتيرن» إلا في 2 أكتوبر، عندما التقت كاسحتا الجليد وتمكن طاقما المركبتين من مناقشة خياراتهم. كانا قد قيَّما معًا 16 طوفًا، وكان أكثرها مناسَبةً هو الطوف الذي اكتشفته «بولارشتيرن» الذي يضم منطقةً بيضاء سميكة للغاية –يُطلَق عليها الآن اسم «الحصن»– والتي يمكن إرساء كاسحة الجليد الألمانية عندها. بثت الأخبار بعض الارتياح بين جموع الحاضرين. وعلَّق توماس كرومبين، القائد البحري للمركب «أكاديميك فيدوروف» في أثناء الاجتماع: «إنه بمنزلة كنز مخفي. لقد كنا محظوظين للغاية حين اكتشفنا شيئًا كهذا».

وبعد اختيار الطوف، صار أخيرًا بوسع البعثة أن تبدأ عملها جديًّا. ظلت السفينتان مربوطتين معًا لمدة يومين، وجرى تبادُل أسطوانات الغاز، والسيارات الثلجية (مركبات بحجم الشاحنات تسير على جنزير) وحتى الركاب باستخدام رافعة كبيرة. انتقلتُ إلى «بولارشتيرن»، حيث قضيت على متنها الأسبوعين التاليين، عبر «كرسي الرفع»، الذي يشبه قفص طيور كبيرًا رفعني عاليًا في الهواء، وانتقل فوق ممر المياه المفتوحة بين السفينتين ووضعني بعناية بالقرب من سطح المروحية المجاورة. وحين استقر بي المقام في مقصورتي الجديدة، افترقت السفينتان: فشقت «بولارشتيرن» طريقها نحو الطوف الذي وقع عليه الاختيار، وأبحرت «أكاديميك فيدوروف» باتجاه طوف آخر في الأفق. وتوقفت الأخيرة عند عدة نقاط بعيدة أخرى حتى يتمكن الباحثون من إنشاء شبكة من محطات الأدوات المنجرفة التي تحيط بـ«بولارشتيرن» باعتبارها المرصد المركزي.

وصلنا إلى الحصن في وقت مبكر من مساء يوم 4 أكتوبر، لنصطدم بالجليد البالغ سمكه 1.5 متر، لنسمع أصوات قعقعة تصدر من السفينة، حين انهار الجليد تحت الهيكل واندفع إلى الجانبين. وبعد 300 متر من هذه الخطوة، ظل القبطان يتباطأ بنا إلى أن توقف وأوقف المحركات، التي اختفت أصواتها بعد تراجُع السفينة مرةً أخرى بقدر ضئيل للغاية لتستقر في مكانها ولنجد أنفسنا أخيرًا محاصرين بالجليد.

ولأول مرة في رحلتنا، رست السفينة كما لو كنا قد عدنا إلى الميناء، إلا أن البيئة المحيطة بنا كانت غريبةً للغاية؛ إذ كان «الأفق» من حولنا أبيض وأملس نسبيًّا، في وجود سلاسل من التلال الخفيضة، لكن الجليد الموجود بجوار السفينة كان متعرجًا ومرتفعًا، وقد تهدم عندما جرفناه. في الجانب الأيمن، كانت هناك كتلة مذهلة من الجليد فيها شريط فيروزي منحصر بين طبقات بيضاء. وسرعان ما تحولت السفينة إلى قلعة مجمدة، تتدلى فيها زهور الصقيع من السور والحبال. لكن لم يكن هناك مشهد أكثر غرابةً من مشهد قرص الشمس العملاق الذي يعانق الأفق ولا يتحرك إلى أعلى أو إلى أسفل بل كان يتحرك جانبيًّا. وقد اختفى لاحقًا، وسرعان ما خيَّم ظلام الليل القطبي على الطوف.

في ظل هذا التحوُّل بدأ العمل على إقامة المرصد المركزي بينما لا يزال بمقدور العلماء العمل في ضوء الشفق. وقد بدأوا في تعبيد طرق باستخدام عربات الثلوج، ناقلين المعدات إلى عدد من المواقع؛ لتستعين بها الفرق المختلفة في عملها، ولتوصيل خطوط الكهرباء من السفينة إلى تلك المواقع. كان العمل متشعبًا للغاية، حتى إننا تصورنا في معظم الأيام أننا نبني مدينةً في القطب الشمالي. بعدها بفترة وجيزة أصبح هناك سيارة تعمل بالتحكم عن بُعد تسبح في المحيط، وأدوات لمراقبة الجليد البحري، وبرج يقيس جميع جوانب الغلاف الجوي. وفي العام المقبل، سيفد إلينا مئات العلماء ليُجروا الأبحاث. ويُعد هذا الجهد هو أكبر بعثة لأبحاث تغيُّر المناخ شهدتها المنطقة القطبية الشمالية وأكثرها طموحًا، إذ يوفر بيانات سيجري إدخالها في النماذج المناخية في السنوات المقبلة.

غير أن كل هذا يتوقف على استقرار الجليد. في الخامس من أكتوبر، ثقب الطاقم حفرًا في الطوف، وأسقطوا المراسي فيها وثبتوا الحبال، مما تسبَّب في ارتجاف «بولارشتيرن» للمرة الأخيرة قبل أن تستقر قدر الإمكان. تجمدت المياه المفتوحة الصغيرة وراء السفينة، مما أدى إلى تثبيتنا بشكل أكبر في مكاننا. لكن القطب الشمالي متقلب للغاية ولا يمكن التنبؤ به. فبعد ثلاثة أيام، هبت عاصفة بلغت سرعتها حوالي 35 كيلومترًا لتضرب الطوف، وتشق صدعًا داخل الجليد الممتد باتجاه مقدمة السفينة، على طول الجانب الأيسر من «بولارشتيرن» وخلف مؤخرتها. وفي ساعة واحدة، اتسع الصدع بمقدار خمسة أمتار، وهبطت كاسحة الجليد عدة أمتار من الجانب الأيسر، لتشد حبال الجانب الأيمن عن آخرها. وخلَّفت العاصفة حفرةً على شكل سفينة في الطوف المليء بالمياه المفتوحة والجليد المتساقط، بما في ذلك تلك الكتلة الفيروزية الجميلة التي كانت ملتصقةً بالسفينة بقوة فيما سبق.

ومنذ ذلك الحين توقفت الرياح وازداد انخفاض درجة الحرارة، ما تسبب في تجمُّد الصدع الجليدي مرةً أخرى، بل والتئامه، ليدفع سلسلةً من الجبال الصغيرة إلى أعلى. لكن لا يستطيع العلماء تحديد المدة التي سنحظى فيها بالاستقرار؛ فنحن الآن في قبضة القطب الشمالي.