هل تسوِّغ حالات الطوارئ الطبية واسعة النطاق استخدام طرقٍ أسرع وأقل إحكامًا في بعض الأحيان لتجربة العلاجات وتقييم النتائج؟ ففي ظل جائحة «كوفيد-19» التي تضرب العالم حاليًّا، يحتاج الأطباء والمرضى بصورةٍ ماسة إلى أدويةٍ قادرة على علاج المرض. لكن في تقريرٍ نُشر بدورية «ساينس» Science في الثالث والعشرين من أبريل، أشار متخصصان في مجال أخلاقيات البيولوجيا، وهما جوناثان كيملمان من جامعة ماكجيل، وأليكس جون لندن من جامعة كارنيجي ميلون، إلى أنَّ التجارب والاختبارات المتعجلة قد تضر أكثر مما تنفع. وسلط الباحثان الضوء على عددٍ من تقارير الحالات التي نُشِرَت في عجالة، والتي من الممكن -حسبما يريان- أن تدفع الأطباء إلى اعتقاد أنَّ بعض الأدوية لها فوائد أكبر مما ثبت بالفعل.

وأوضح الباحثان بعضًا من أوجه التشابه بين الجائحة الحالية وتفشِّي مرض الإيبولا من عام 2013 إلى عام 2016، الذي أسفرت المعايير العلمية المتراخية للتجارب الدوائية خلاله عن شُحٍّ في العلاجات الفعَّالة. ويقول كيملمان إنَّ الأطباء ينبغي أن تتوافر لهم القدرة على اختبار الأدوية التجريبية على المرضى من ذوي الحالات الحرجة بدافع الرحمة. بيد أنَّه يرى أنَّ هذه الجهود لا ينبغي أن تحل محل التجارب العلمية الدقيقة. وقد تحدَّث كيملمان عن مخاوفه هذه مع مجلة «ساينتفك أمريكان» Scientific American، وإليكم نسخةً مُحرَّرة من المقابلة:

اذكر لنا بعض الأمثلة على التقارير الطبية عن علاجات «كوفيد-19» التي من الممكن أن تسبب ضررًا في رأيك.

هناك ورقةٌ بحثية نُشِرَت في دورية «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن» New England Journal of Medicine، عن عقار «ريمديسيفير» التجريبي المضاد للفيروسات. لم تكن تلك الورقة تجربةً إكلينيكية، بل سلسلة من تقارير الحالات التي استُخدم فيها العقار بدافع الرحمة. (طلبت مجلة «ساينتفك أمريكان» من الدورية ردًّا على تلك المسألة، لكن رفض متحدثٌ باسمها التعليق).

لكنَّ الدورية ذكرت أنَّه تقريرٌ عن استخدام العقار بدافع الرحمة. أليست هناك فائدة لنشر تقارير الحالات ما دامت الدوريات توضح أنَّها ليست دراساتٍ إكلينيكية عشوائية؟

إن كان بإمكانك افتراض أنَّ قراءك لديهم الخبرة الكافية لفهم التقرير على هذا النحو، إذًا لا أرى مشكلةً في ذلك. لكنَّ الوضع ليس كذلك حاليًّا. فلو كنتَ طبيبًا عاملًا، ستكون منهمكًا في الوقت الراهن، ولن تملك الوقت للجلوس وقراءة التقارير بتمعن. وبينما تحاول معالجة المرضى، ستعثر على تلك الورقة البحثية، وتقول لنفسك: "أوه، هناك ورقة بحثية عن فاعلية ريمديسيفير".

ترى أنَّ تلك التقارير يمكن أن تزيد من صعوبة إجراء الأبحاث في المستقبل، فكيف ذلك؟

إذا كنتَ تريد أن تُجري تجربةً إكلينيكية محكمة، لتحدد ما إذا كان استخدام عقار «ريمديسيفير» يستحق العناء على صعيد المخاطر والنفقات، فستحتاج إلى أن تتضمن تجربتك مجموعة مقارنة. لكن إذا كان معظم الأطباء والمرضى يعتقدون أنَّ العقار قد ثبتت فاعليته بالفعل، فستجد صعوبةً في دعوة المرضى للمشاركة في تجربةٍ قد يحصلون فيها بنسبة 50% على دواءٍ وهمي.

في ظل هذه الجائحة، ألا ينبغي أن يكون لدى الأطباء القدرة على علاج المرضى من ذوي الحالات الحرجة بالأدوية التجريبية التي يعتقدون أنَّها قد تساعدهم؟

ليست لديَّ مشكلة مع استخدام تلك العلاجات بدافع الرحمة، شريطة ألا يتعارض ذلك مع إجراء الأبحاث الإكلينيكية بكفاءة. ما أخشاه هو حين تبدأ تلك الممارسة في صرف المرضى عن المشاركة في التجارب الإكلينيكية التي ربما يكونون مؤهَّلين لها، أو حين تستنزف موارد هائلةً أرى أنَّ علينا توجيهها لدراسة فاعلية هذه العلاجات، بدلًا من اختيار أحدها بعشوائية.

لكن ماذا لو كان هناك عقارٌ يبدو واعدًا في التقارير المبكرة وثبت أمانه؟

يزخر مجال الطب بأمثلةٍ على علاجاتٍ بدت بالفعل واعدةً للغاية في تقارير الحالات، أو في التجارب الإكلينيكية الصغيرة، أو التجارب الأكبر غير محكمة التصميم. لكن عند إخضاعها لتقييمٍ دقيق في تجارب عشوائية موثقة محكمة التصميم وتتضمن مجموعات مقارنة، تبيَّن أنَّها غير فعالة، بل وحتى ضارة، مقارنةً بمعايير الرعاية الطبية. ويعجُّ مجال مرض ألزهايمر بأدويةٍ بدت واعدةً للغاية في المرحلة الثانية من التجارب الإكلينيكية، لكن تبيَّن أنَّها غير فعالة عند إخضاعها للمرحلة الثالثة.

هل يُمكن إجراء تجارب إكلينيكية سريعة ومحكمة علميًّا في آنٍ واحد؟

في رأيي هذا ممكن. لكنَّه يتطلب إجراء التجارب العلمية على نحوٍ مختلفٍ عمَّا نفعل في المعتاد. وهناك تصميماتٌ للتجارب الإكلينيكية تُسمَّى «البروتوكولات الرئيسية» تتيح تقييم عديدٍ من التدخلات الطبية في تجربةٍ إكلينيكية واحدة. وفي هذه البروتوكولات، يمكن إضافة تدخلاتٍ أو مجموعاتٍ من المرضى تحصل على علاجٍ معين إلى الدراسة، أو حذفها منها، بناءً على ما إذا كان هناك علاجٌ جديد يبدو واعدًا حقًّا. ولأنَّ العملية متصلة، يقل فيها الوقت المهدر بين نهاية كل تجربة وبداية الأخرى. ومثالٌ على ذلك تجربة «التضامن» التي تقوم عليها منظمة الصحة العالمية (تختبر أربعة علاجاتٍ لمرض «كوفيد -19»). إلا أنَّ هذا النوع من الدراسات يتطلب كثيرًا من التنسيق.

تقول إنَّ نتائج كثيرٍ من التجارب التي أُجريت خلال تفشي الإيبولا بين عامي 2013 و2016 كانت غير حاسمة. فماذا كان الخطأ في تلك التجارب؟

زعم الكثيرون حينها أمرين: أولهما أنَّه من غير الأخلاقي وضع الناس في مجموعةٍ تتناول دواءً وهميًّا (لأنَّ معدل الوفيات كان مرتفعًا للغاية)، وثانيهما أنَّ علينا ألا نطالب باتباع معايير علمية صارمة عند تقييم هذه العلاجات. وقد أُجريت وقتها ثماني تجارب علاجية تقريبًا، وواحدةٌ منها فقط كانت تجربةً عشوائيةً بالفعل وتتضمن مجموعات المقارنة المناسبة. والنتيجة أنَّنا في النهاية ما زلنا نفتقر إلى تصورٍ واضح عمَّا إذا كان أغلب تلك العلاجات يضر أكثر مما ينفع، وهل يجدر بنا استخدامها أم لا، ويشمل ذلك العلاج بالبلازما المأخوذة من المتعافين، وعقار «فافيبيرافير» المضاد للفيروس.

لكن ألم يحقق مجال الطب إنجازاتٍ كثيرةً دون إجراء تجارب إكلينيكية؟

يُعَدُّ البنسيلين مثالًا جيدًا على ذلك، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى تتعلق بمرض السرطان. لكنَّ تلك الأمثلة هي الاستثناء. إذ يتبين أنَّ أغلب الأدوية لها آثارٌ محدودة، ولا بد من ملاحظة تلك الآثار لدى كثيرٍ من المرضى كي نستطيع رصد إشارةٍ واضحة على فائدتها. وأعتقد أنَّ البعض يظنون أنَّنا سنحقق نجاحًا ساحقًا فيما يتعلق بتطوير عقارٍ جديد للمرض الحالي. لكنَّ النجاحات المشابهة نادرة للغاية في مجال الطب. وينبغي ألا تستهدف إستراتيجيتك تحقيق تلك النجاحات الساحقة طوال الوقت، بل تحقيق نجاحاتٍ بسيطة تدريجية. فهذا أكثر واقعيةً بكثير، وتستطيع بهذه الطريقة أن تحل مشكلاتٍ أكثر.