طيور القطرس هي طيور بحرية مهيبة عريضة الأجنحة، تنزلق على سطح المحيط أو تغوص في الماء لاصطياد الأسماك والحبار والقشريات. كما تغتنم الفرصة فتنقضُّ في بعض الأحيان للاستيلاء على الطعوم المعلقة وراء سلسلة سفن الصيد الطويلة. لكن هذه الوجبة التي تبدو سهلة المنال ترافقها مخاطر باهظة الثمن؛ فكثيرًا ما تَعْلق مناقير الطيور وأجسامها، وتسحبها الخطوط إلى الأسفل حتى تغرق.

في كل عام يموت 100 ألف من طيور القطرس بهذه الطريقة. وفي بعض المجموعات، تكون معظم الضحايا من الإناث. ولأن طيور القطرس لا تبدأ التزاوج إلا بعد انقضاء عدة سنوات، في عمر يتأخر حتى عشر سنوات، وتضع بيضةً واحدةً في السنة، فإن فقدان الكثير من الإناث الناضجات يهدد بقاء هذه المجموعات.

ينتج هذا الصيد العرضي عن انجذاب ذكور طيور القطرس وإناثها نحو مناطق مختلفة. ففي المياه القطبية الجنوبية والمياه شبه القطبية، التي تفضلها ذكور القطرس، طبّقت مصايد السمك المسنن الباتاجوني التي تسيطر على المنطقة لوائح للحدّ من المشكلة، تتضمن أمورًا مثل الصيد في الليل فحسب، عندما يكون عدد الطيور المحلقة أقلّ. أما في البحار شبه الاستوائية التي تميل إليها الإناث في عملية البحث عن طعامها، فثمة لوائح أكثر مرونةً للحدّ من الصيد العرضي –وعدد أقل من المراقبين لفرض تطبيق القواعد– وذلك في مصائد أسماك التونة الرئيسية، وفق قول ريتشارد فيليبس، عالِم الطيور البحرية في هيئة المسح البريطاني للقطب الجنوبي. وتعترف المؤسسة الدولية لاستدامة الأطعمة البحرية (وهي شراكة دولية غير ربحية تضم مشاركين في صناعة التونة وعلماء ودعاة للحفاظ على البيئة) بالوضع القائم، مشيرةً إلى أنها تدعو إلى تصحيحه. وقد أدى التغيير الإقليمي الذي دعمته في العام الماضي إلى زيادة عدد المراقبين على سفن الصيد في المحيط الأطلسي، وفقًا لبيان هولي كوهلر، نائبة رئيس المؤسسة للسياسة والتوعية.

لكن طيور القطرس تمثل واحدًا من أنواع عديدة من الحيوانات، بدايةً من كبش الجبال الصخرية، إلى أسود البحر، التي انفصل جنساها، بشكل نتج عنه أن كلًّا منهما يعيش في مساحة مختلفة باستثناء مواسم التزاوج. وقد عرف الخبراء هذه الظاهرة -التي يُطلق عليها اسم الفصل الجنسي- منذ عدة قرون، ويبدو أن تشارلز داروين كان أول مَن وضع فرضيتها بشكل قاطع في عام 1871. "تعمد معظم الفقاريات إلى الفصل الجنسي"، وفق قول كاثرين روكستول، عالِمة البيئة في جامعة كالغاري، ألبرتا. وتقول هي وغيرها من علماء البيئة الذين تخصصوا في هذه الظاهرة إنهم -منذ سنوات- ينبهون المسؤولين عن وضع خطط الحفاظ على الأنواع، بضرورة وضع الفصل الجنسي في اعتبارهم. ولكن حتى الآن، يبدو أن القليل منهم فقط يفعل ذلك. وتقول روكستول: "بشكل عام، هناك تجاهُل لهذه الفكرة".

يُظهر عددٌ متزايدٌ من الدراسات، نُشر العديد منها في الأشهر القليلة الماضية، أنه عندما لا يأخذ مدبّرو الحياة البرية هذه الاختلافات في الاعتبار، فقد يساعدون في الحفاظ على جنس واحد بينما تتراجع أعداد الجنس ​​الآخر، مما يقلل من نجاح النوع كله. "لا تضع العديد من وكالات الإدارة في اعتبارها الجنسين بشكل منفصل"، استنادًا إلى قول تيري بُويَر، الباحث الكبير في مجال العلوم، والأستاذ الفخري لعلوم البيئة في جامعة فيربانكس ألاسكا، وهو يضيف: "يجب أن يحدث ذلك بالفعل. يجب أن يُنظر إلى الجنسين كما لو كانا نوعين منفصلين عند التعامل مع هذه المسألة".

وهناك بالفعل عددٌ من الأسباب التي تجعل العديد من دعاة حماية البيئة لا يضعون في اعتبارهم الفصل الجنسي. فمثلًا، قد لا يدركون أنه موجود أصلًا. هناك عدد قليل من الأبحاث المتاحة حول بعض الأنواع التي تستعصي على الوصف. كان هذا هو حال الطائر المغرّد ذهبي الأجنحة، وهو طائر مُغرّد مهاجر تتراجع أعداده ​​بسرعة. وفي الفترة بين عامي 2000 و 2016، دُمّرت الموائل الشتوية للإناث في أمريكا الوسطى بما يقرب من ضعف معدل تدمير موائل الذكور التي هي قريبة ولكنها منفصلة. ومع ذلك، فقد أكد العلماء أن الذكور والإناث عاشوا في مساحات مختلفة، وذلك حسبما أوضحت نتائج إحدى الدراسات المنشورة عام 2019 في دورية «بيولوجيكل كونزرفيشن» Biological Conservation. وحتى عندما يكون مجال البحث موجودًا، فقد لا يعرف بعض دعاة حماية البيئة طريقة البحث عنه، "إذا نظرت إلى معظم كتب الحياة البرية، فلن تجد مصطلح «الفصل الجنسي»"، وفقًا لقول بوير.

وفي بعض الحالات، توجد صعوبة حقيقيّة في تتبُّع جنس واحد، وهذه الصعوبة تحدّ من مساعي اختصاصيي الحفاظ على البيئة -وخاصةً في المحيط- ما يعوق جهود تحديد المناطق التي يجب وضعها تحت الحماية. فنظرًا إلى كون السلاحف ضخمة الرأس تبحث عن قوتها على مدى مساحة مترامية مثلًا، فقد ركز المحافظون على حماية مناطق التكاثر. ولكن على الرغم من ظهور الإناث على شواطئ محددة بغرض التعشيش حوالي ثلاث مرات في موسم التكاثر، إلا أن ذكور السلاحف ضخمة الرأس تتردد على مثل هذه المناطق للتزاوج في بداية الموسم فقط. وتقول جيل سكوفيلد، عالِمة البيئة المائية بجامعة كوين ماري في لندن: "بالنسبة لمعظم مدة حياتها، لا تحظى ذكور هذا النوع، في حقيقة الأمر، بأي نوع من أنواع الحماية".

يتطلب تحديد مناطق البحث عن الطعام التي يجب حمايتها، وسم وتتبُّع ذكور السلاحف ضخمة الرأس في المحيط، وهو مسعى أكثر مشقَّةً بكثير من وسم إناث السلاحف عند وصولها إلى اليابسة لوضع البيض. إذ يجب على الباحثين اصطياد سلحفاة في الماء، والتحقق من أنها ذكر، ثم نقلها إلى قارب قبل تثبيت واسِم عليها ثم إطلاقها. سكوفيلد واحدة من الباحثين القلائل الذين تمكنوا من تعقُّب ذكور السلاحف ضخمة الرأس. وفي بحث نُشر في فبراير في دورية «إيكولوجي» Ecology، استعملت بيانات جُمعت على مدى 18 عامًا، ووجدت أن الذكور تحصل على غذائها من مناطق أقرب إلى الشاطئ مقارنةً بالإناث. وهذه المناطق هي المكان الذي يرمي فيه العديد من الصيادين خطوط الصيد، وهو على الأرجح السبب في أن معدل البقاء السنوي للذكور أقل من الإناث، وفقًا لقول سكوفيلد. ونظرًا إلى أن هذه المناطق مألوفة لصيد الأسماك، فقد يكون حفظها من أجل السلاحف أمرًا صعبًا.

بالنسبة للعديد من الأنواع، ومن ضمنها معظم الثدييات الكبيرة، فإن وجود حديقة وطنية أو منطقة محميّة كبيرة أخرى، يكفي لتغطية موائل يقصدها الذكور والإناث، كما يقول ديفيد مالون، الرئيس المشارك لمجموعة الأنتيل المتخصصة في لجنة بقاء الأنواع في الطبيعة، التابعة للاتحاد الدولي للحفاظ على التنوع الحيوي. ولكن هذا النهج يعتبر غير كافٍ بالنسبة لبعض علماء البيئة، الذين يريدون حمايةً منفصلةً لكل جنس مصنَّف في الاتفاقيات. وتركّز خطة الحفاظ على الطائر المغرّد ذهبي الأجنحة في الشتاء، التي وضعتها في البداية مجموعة عمل مستقلة في عام 2016، على الحفاظ على المناطق الرئيسية التي تمتد عادةً على مدى آلاف الكيلومترات المربعة. ولكن نظرًا إلى عدم وجود بيانات كافية حول موائل الإناث، فقد وضع مديرو الحياة البرية في اعتبارهم فقط بيانات توزّع الذكور عند تحديد تلك المناطق. إنه نمط شائع، فمن بين 66 نوعًا من الطيور البرية المهاجرة في أمريكا الشمالية المعرّضة لمشكلات في الحفاظ عليها، والمعروفة من حيث نِسَب جنسَيها، فإن ثلثيها ينفصل على أساس الجنس. ومع ذلك، فإن 3% فحسب من النماذج الحاسوبية التي تحدد توزيع الأنواع عبر نطاقاتها تضع الجنس في الاعتبار، وفقًا للدراسة المنشورة في «بيولوجيكل كونزرفيشن» عام 2019.

وحتى عندما تقع مساحات شاسعة من الأرض تحت نطاق الحماية، فهناك حاجة إلى وضع خطط أخرى لحماية أحد جنسَي نوعٍ ما. فعلى سبيل المثال، تحصل ذكور الدببة الرمادية عادةً على أفضل الموائل –أي تلك التي تحتوي على طعام وفير وتكون بعيدةً عن البشر. ولأن الذكور تقتل الأشبال أحيانًا لتحرير الأنثى بغرض التزاوج، تميل الإناث إلى الابتعاد عن مناطق الذكور. وهذا الوضع يعني أن الإناث غالبًا ما ستعيش بالقرب من البشر، حيث يَرجُح احتمال اصطياد الدببة أو إطلاق النار عليها لحماية الماشية. ولكن بدلًا من إنشاء منطقة جديدة للإناث، يعمد المسؤولون إلى تعليم السكان المحليين إحكام إغلاق حاويات القمامة وكهربة حظائر الدجاج، في محاولة لإبعاد الإناث عن إيذاء البشر، وفق قول كريس سيرفين، الباحث في الحفاظ على الحياة البرية في جامعة مونتانا.

وبالإضافة إلى المساحة الممنوحة للحيوانات، ثمة ممارسات أخرى للحفظ يمكنها التأثير أيضًا على أحد جنسي النوع، وقد لا يدرك العلماء ذلك إلا بعد سنوات من تنفيذ هذه الممارسات. ففي عام 1996، عمد المسؤولون -في ألاسكا مثلًا- إلى تعديل موائل ضفاف النهر الموحلة لكي تستفيد الأيائل عن طريق سحق شجيرات تدعى الصفصاف المحبب. وفعل ذلك يتيح للنبات أن يتبرعم، فيُنتج طعامًا أكثر يكفي للتغذية. ويقول بوير إن تسطيح الغطاء النباتي يجعل اختباء الإناث وصغارهن من الحيوانات المفترسة أمرًا أكثر صعوبة. لذا تميل الإناث إلى تجنُّب هذه المناطق المُعدّلة. ولكن لم يدرك أحدٌ حجم المخاطر الواقعة على الإناث والمترتبة على هذه الطريقة، حتى نُشرت دراسة في دورية «ألسز» Alces في عام 2001. يقول بوير: "كان هناك خسارة كبيرة في موائل إناث الحيوانات وصغارها".

وقد دأب خبراء ظاهرة الفصل الجنسي على دعوة مدبّري شؤون الحياة البريّة بشأن الانتباه أكثر لهذه الظاهرة. والبعض يفعل ذلك، على الرغم من تنوّع الاستجابات. فقد بدأت المؤسسة الأمريكية للأسماك والحياة البرية (FWS) نشاطاتها للحفاظ على كبش الجبال الصخرية الذي يعيش في سييرا نيفادا، في كاليفورنيا في عام 2000، بالاشتراك مع مؤسسة كاليفورنيا للأسماك والحياة البرية، من خلال مراقبة بقاء وتحرُّكات واختيار الموائل لكلٍّ من نعاج النوع وكباشه. "إننا نُجري تقييمًا وتقديرًا متأنيًا لهذه المسألة"، وفق قول شاونا ماركارد، مراقبة المساعدة الميدانية في المكتب الميداني للخدمات البيئية في مينيسوتا ويسكونسن، التابع للمؤسسة الأمريكية للأسماك والحياة البرية. مضيفًا: "إذا كانت بيانات الفصل الجنسي متاحة، فإننا نتعامل معها بجدية"، ولكن على الرغم من إدراك المؤسسات في بعض الولايات الأخرى أن الفصل الجنسي يمثل مشكلة، إلا أنها لا تعتمد حلولًا لعلاجها، ولا تُدرجها في خطط التدبير.

ومع إدراج المزيد والمزيد من الحيوانات في قائمة التهديد بالانقراض، فإن التفكير في الفصل الجنسي قد يصبح أكثر أهميةً في جهود الحفاظ عليها. فمثلًا، من المرجح أن تزداد حالة التفاوت الجنسي في السلاحف ضخمة الرأس سوءًا بالتزامن مع تغيُّر المناخ؛ لأن درجات الحرارة الأكثر دفئًا في أثناء فترة حضانة البيت، تؤدي إلى إنتاج مزيد من إناث السلاحف. وبإشراك ذلك مع وفيات الذكور الناتجة عن أنشطة الصيد القريبة من الشاطئ، ربما لا يكون هناك ما يكفي من الذكور لمنع تحوّل النوع إلى أحد الأنواع التي تتكاثر بالتوالد الداخلي، وفق قول سكوفيلد.

عمل بوير مع عدد قليل من مدبّري شؤون الحياة البرية الذين يضعون اعتبارًا لمسألة الفصل الجنسي، ويأمل أن يُقدّر مزيدٌ منهم هذه الظاهرة يومًا ما باعتبارها أحد المظاهر الأساسية لحفظ الأنواع. وقد يساعد العدد المتزايد من الباحثين الدارسين لهذه الظاهرة -وفقًا لروكستول- على اتساع نطاق التعامل معها. يقول بوير: "معظم العلوم التي نمارسها، لا نراها إلا من بعيد، ونحن بحاجة إلى بعض الوقت لكي تؤتي هذه التغييرات ثمارها".