تصوّر أنك تستيقظ من النوم في منتصف الليل لترى شبحًا تتساقط قطرات الدم من بين أنيابه. فتحاول جاهدًا الصراخ ولكنك لا تستطيع، وتجد نفسك عاجزًا عن تحريك طرف واحد من أطرافك! إذا مررت بهذه التجربة، فربما تكون قد تعرضت لإحدى نوبات شلل النوم (الجاثوم)، وهو شعور بالعجز عن الحركة أو التحدث عند النوم أو الاستيقاظ، يقترن غالبًا برؤية هلاوس. ويتعرض شخص واحد تقريبًا من بين كل خمسة أشخاص لشلل النوم مرةً واحدةً على الأقل. ولكن بالرغم من شيوع هذه الظاهرة، فقد ظلت غامضةً إلى حدٍّ كبير. فعلى مدار قرون، أرجعت الثقافات في مختلِف أنحاء العالم هذه الهلاوس إلى السحر الأسود أو الوحوش الأسطورية أو حتى الظواهر الخارقة للطبيعة. ومع أن العلماء قد رفضوا هذه التفسيرات، لا تزال هذه المعتقدات الثقافية سائدة. وفي واقع الأمر، تشير أبحاثي وأبحاث زملائي -التي أجريناها على مدار ما يقرب من عقد من الزمان في ستة بلدان مختلفة- إلى أن المعتقدات حول شلل النوم يمكن أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا على درجة المعاناة البدنية والنفسية، مما يكشف عن نوع لافت للانتباه من التفاعل بين العقل والجسم.

يحدث شلل النوم بسبب ما يبدو أنه خلل مؤقت في الوظائف الأساسية للدماغ في الفترة بين اليقظة وسكون حركة العين السريعة (REM). وفي أثناء حركة العين السريعة، ترى أحلامًا محاكيةً للواقع إلى حدٍّ بعيد. ولكي تحمي نفسك من الخوض في هذه الأحلام الواقعية (وإيذاء نفسك!)، يجد دماغك حلًّا ذكيًّا؛ فهو يشلُّ جسمك بالكامل مؤقتًا. وفي الحقيقة، يوجد داخل دماغك "زر" (مجموعة من المواد الكيميائية العصبية) تجعلك تنتقل بين حالتي النوم واليقظة. ولكن في بعض الأحيان لا يؤدي هذا "الزر" وظيفته، فيستيقظ دماغك عن غير قصد بينما لا يزال جسدك تحت تأثير "نوبة" شلل حركة العين السريعة، وهو ما يجعلك عالقًا في حالة متناقضة بين واقعين متوازيين: اليقظة وسكون حركة العين السريعة. وفي أثناء شلل النوم، "تتسرب" الأحلام النابضة بالحياة التي تراها في أثناء حركة العين السريعة إلى وعي اليقظة، مثل حلم يصبح حقيقةً أمام عينيك، فترى أشباحًا ذات أنياب، وما شابه ذلك.

توجد تفسيرات مختلفة حول العالم لهذه الهلاوس، التي غالبًا ما تنطوي على رؤية واستشعار أشباح تتسلل إلى غرفة نومك. ففي مصر، يذهب الاعتقاد السائد إلى أن شلل النوم سببه الجن ("الجني")، وهو مخلوق خارق للطبيعة يروّع ضحاياه وأحيانًا يقتلهم. وفي إيطاليا، يفسّر البعض ظاهرة شلل النوم بأنها اعتداء من كيان يُطلق عليه "باندافيكي" Pandafeche، وهو شبح يظهر في صورة ساحرة شريرة أو قطة عملاقة مثيرة للرعب. وفي جنوب إفريقيا، يعتقد السكان الأصليون أن هذه الحالة ترجع إلى "سيجاتي ليلو" segatelelo (السحر الأسود)، الذي يؤدي إلى ظهور مخلوقات مخيفة تشبه الأقزام وتُسمي "توكولوشي" tokoloshe. أما في تركيا، فترجع الظاهرة إلى "كاراباسان" karabasan، وهي مخلوقات غامضة تشبه الأرواح. وفي المقابل، يقدم الدنماركيون تفسيرًا أكثر واقعية: فهم يُرجعون ظاهرة شلل النوم أساسًا إلى عوامل خطر فسيولوجية، كالتوتر.

ويمكن أن تؤثر هذه التفسيرات -العلمية والمروّجة للإثارة- تأثيرًا عميقًا على كيفية تعرُّض الأشخاص لظاهرة شلل النوم. فعند إجراء مقارنة مباشرة بين مصر والدنمارك، نجد أن المصريين يخافون هذه الظاهرة أكثر مما يخافها الدنماركيون بكثير. ففي الواقع، أكثر من 50% من المصريين الذين تعرضوا لهذه الحالة كانوا على قناعة بأن شلل النوم يفضي إلى الموت. ويعتقد المصريون أيضًا أن هذه النوبات تستمر مدةً أطول، ومن المدهش أن حدوث هذه الظاهرة زاد بمعدل ثلاثة أمثال لدى هذه المجموعة. ويبدو أن المعتقدات السائدة بين المصريين حول شلل النوم قد شكّلت إلى حدٍّ بعيد درجة معاناتهم بسببها. فمَن أرجعوا هذه الظاهرة إلى قوى خارقة للطبيعة عانَوا شعورًا أكبر بالخوف وتعرضوا لفترة أطول من الشلل. وهذا نمط كاشف عن نفسه. فقد تحولت ظاهرة شلل النوم، عندما اقترنت بمعتقدات معينة، من مجرد "خلل دماغي مؤقت" إلى ظاهرة خارقة للطبيعة مزمنة ومطوّلة، وربما تفضي إلى الموت.

والسؤال الذي طرح نفسه كان: هل يمكن تكرار هذه النتائج؟ فالإيطاليون كذلك لديهم معتقدات ثقافية لافتة للانتباه حول أصل ظاهرة شلل النوم. ويعتقد أكثر من ثلث سكان منطقة أبروتسو أن شلل النوم ربما يرجع إلى مخلوق يُسمي "باندافيكي". كذلك تعرَّض الإيطاليون، مثل المصريين، لشلل النوم بوتيرة أكثر تكرارًا، وعانوا من شلل مطوّل وخوف مفرط. وأدت المعتقدات السائدة حول هذا الاضطراب لدى المجموعتين إلى زيادة حدة الأعراض، في تفاعل غريب بين العقل والجسم مع تأثيرات الأوهام المرضية، أو ما يُعرف بتأثيرات "نوسيبو". وكان للخيال النشط قدرة مذهلة على التأثير على درجة المعاناة الفسيولوجية.

وبناءً على هذه النتائج، يبدو أنه كلما زاد خوف الناس من شلل النوم، زاد تعرُّضهم له، وزادت حدة تأثيراته. فما كان يُعتقد في السابق أنه اضطراب غير ضار أو حتى من نسج الخيال، حوّلته المعتقدات إلى حالة من الخوف الشرطيّ والهلاوس الكاذبة. فالقلق والتوتر يجعلان الأشخاص أكثر عرضةً لنوبة شلل النوم، لذا، فإن مَن يخشونه غالبًا ما تزداد احتمالات تعرُّضهم له. وفي الواقع، إن معدل انتشار شلل النوم في مصر يبلغ الضعف تقريبًا بالمقارنة مع الدنمارك. ووفقًا لما جرى اكتشافه في إيطاليا، فإن مَن يعتقدون أن هناك سببًا خارقًا للطبيعة وراء إصابتهم بشلل النوم يكونون أيضًا أكثر عرضةً للهلوسة في أثناء النوبة، ويتضمن ذلك "الشعور بوجود كيان" كالشبح. وعند حدوث شلل النوم، يجري تفسيره لاحقًا من منظور الخوف، مما يؤدي إلى زيادة الشعور بالقلق والاستيقاظ غير المرغوب فيه، وبالتالي زيادة تأثير شلل النوم. وتستمر هذه الحلقة المفرغة -التي أطلق عليها "نموذج الذعر-الهلوسة"- في تغذية نفسها حتى يصبح شلل النوم مزمنًا ومطوّلًا، وربما الأسوأ من ذلك، مرضًا نفسيًّا.

وتشير النتائج الحديثة التي توصلنا إليها إلى احتمالٍ مثيرٍ للاهتمام؛ فالتعرض لشلل النوم إذا اقترن بمعتقدات معينة قد لا يخلّف شعورًا بالخوف وحسب، بل قد يتسبب في حدوث صدمة أيضًا، ويمكن أن تستمر تأثيراته مدةً طويلةً بعد انتهاء النوبة. فقد اكتشفنا خلال دراسة أُجريت في مصر أن الأشخاص الذين تعرضوا لهذه الظاهرة ارتفعت لديهم أعراض الصدمة والقلق بالمقارنة مع الأشخاص الذين لم يتعرضوا لها على الإطلاق. فالذين يعانون من هلاوس بصرية -أي رؤية "كائنات شيطانية" مثلًا- هم أكثر عرضةً للخطر. وفي دراسة أخرى أُجريت في أبروتسو الإيطالية، أثبتُّ أنا وزملائي مؤخرًا أن الخوف الذي ينتاب الشخص في أثناء نوبة شلل النوم، والخوف من الموت بسبب هذه النوبة، يرتبط بأعراض الصدمة والاكتئاب. وتشير هذه النتائج إلى أن هذا الاضطراب يمكن أن يؤدي إلى مرض نفسي عندما يُفهم من خلال مرشِّح ثقافي معين.

والنوم ليس هروبًا من الواقع لمَن يعانون من شلل النوم؛ ففي الواقع، ربما يؤدي "النوم" إلى إصابة البعض باضطراب عقلي. فالعقل البشري أكثر غموضًا -وشرًّا أحيانًا- بكثير مما يعتقده المرء.