عادة ما تستحضر كلمة «ديناصورات» إلى الذهن صورة زواحف ضخمة وضارية. لكن في الحقيقة، لم تكن كل «السحالي الهائلة» ضخمةً في حجمها. إذ يستند جزء من نجاحها في السيطرة على العالم القديم، إلى حقيقة أنها كانت متنوعة الأشكال والأحجام. والآن، يكشف علماء الحفريات عما قد يكون أصغر ديناصور على الإطلاق.

وصف عالم الحفريات ليدا زينج، من جامعة الصين للعلوم الجغرافية وزملاؤه، في دراسة نُشرت الأربعاء على دورية Nature، حفرية يبلغ عمرها 99 مليون عام عُثر عليها في ميانمار، وتشكل جزءًا من نوافذ متزايدة على حقبة الحياة الوسطى متضمَّنة داخل قطع من الكهرمان. فقد عثر علماء الحفريات الذين يعملون في جنوب شرق آسيا، في السنوات الأخيرة، على ذيول ديناصورات، وأفراخ طيور، وفصائل حشرات جديدة، وحتى مخلوقات عابرة للبحار، احتُجزت داخل كتل من عصارةٍ لزجة. وبرغم ذلك، فإن الأمر الذي يجعل هذا الاكتشاف الأخير بارزًا هو مدى صغر حجمه بالتحديد.

الديناصور المكتشَف حديثًا، والذي حُفِظ داخل مادة الراتنج المتصلبة خلال منتصف العصر الطباشيري من حقبة الحياة الوسطى، يكشف لنا عن جمجمةٍ فحسب، ولا يزيد طوله عن إنش ونصف، بدءًا من أسنانه الضئيلة إلى العظام الرقيقة التي تحيط بعينيه. وعلى الرغم من أن الحفريات المغلفة بالكهرمان تكون صعبة الدراسة أحيانًا؛ ذلك أنه على الباحثين أن يعتمدوا على تقنيات التصوير لتقسيم طبقات الراتينج إلى شرائح، فمن الواضح أن هذا المخلوق الصغير كان طائرًا يملك أسنانًا، وعاش خلال هيمنة أقربائه من الديناصورات. وقد أطلق زينج والباحثون المشاركون له في الدراسة اسم Oculudentavis khaungraae على الديناصور المكتشَف. ويشتق اسم الجنس من مصطلح ‎«الطائر ذي العين المُسننة» باللاتينية، كما لُقب اسم النوع بهذا الاسم تكريمًا لخوانج را، أحد هواة جمع الحفريات، والذي تبرع بالجسم المكتشَف للدراسة.

تصوير فني تخيلي للهيئة التي كان يبدو عليها Oculudentavis في أثناء افتراسه لحشرةٍ ما.Credit: Han Zhixin 

إن موقع Oculudentavis بدقة على شجرة العائلة الخاصة بالطيور هو مسألة غير واضحة تمامًا، ويبدو أنه ينتمي إلى نوع عتيق نسبيًّا يطلِق عليه علماء الحفريات مصطلح ‎«طائر جذعي»، وهو طائر يقع على موقع قريب من النقطة التي تنفصل عندها الطيور عن أسلافها من الديناصورات ذات الريش. ومرة أخرى، قد تغير التحليلات الإضافية أو الاكتشافات الحفرية أي فرع يوضع فيه الديناصور، داخل شجرة العائلة. وعلى الرغم من أن Oculudentavis يبدو فعلًا على هيئة طائر، فإن دانيال كسيبكا، عالِم الحفريات الذي يعمل في متحف بروس، يقول: "لن أتفاجأ إذا اتضح أنه يقع في منطقة أخرى في جزء الطيور ضمن شجرة عائلة الديناصورات"، (لم يشارك كسيبكا في الورقة البحثية الجديدة). أما ما أثار حماس لارس شميتز، الباحث المشارك في الدراسة، وهو عالم حفريات في كليات كلاريمونت ماك-كينّا، وسكريبز، وبيتزر، فهو عيون الحيوان الصغير، إذ يقول: "يجب أن أقول أن حلقة الصُّلْبَة لـ Oculudentavis مثيرة للتأمل جدًّا"، مشيرًا إلى وجود العظام الرقيقة والدقيقة لكل عين في موضعها، وأن التشويه الذي طالهما بفعل التحجر كان بسيطًا. يمكن لترتيب تلك العظام أن يخبرنا شيئًا عن التوقيت الذي كان Oculudentavis نشطًا فيه. ويضيف شميتز: "تملك العظام الفردية للحلقة شكلًا غريبًا شبيهًا بعيون السحلية، كما أن الحجم المتناسب للفتحة التي كان يوجد بها البؤبؤ رجح أن هذا الكائن كان نشطًا في النهار".

في حياتنا المعاصرة، كان Oculudentavis سيماثل حجم طائر طنّان صغير. وهذه الهيئة تجعله الديناصور الأكثر ضآلةً في الحجم بين ديناصورات حقبة العصور الوسطى المكتشَفة حتى الآن، وهو أصغر بشكل ملحوظ من منافسيه الآخرين على ذلك اللقب، مثل جنس Fruitadens الذي اكتُشف في كولورادو. يجب هنا ذكر أن تحديد الأنواع صغيرة الحجم والتعرُّف عليها له تأثيرٌ كبيرٌ على الطريقة التي يعيد بها علماء الحفريات إعادة تشكيل الماضي.

كانت الديناصورات الكبيرة بعض أوائل الأنواع التي اكتُشفت وحظيت بالشهرة. فلم يقتصر الأمر على أن تلك الأنواع امتلكت عظامًا قوية قادرة على تحمُّل العنف الناجم من عمليات التفتت والحفظ، ولكن (خلال أوائل القرن العشرين تحديدًا) سعى كلٌّ من علماء الحفريات والمتاحف للبحث عمدًا عن حيوانات كبيرة في الحجم ومَهيبة تساعدهم في بناء حياة مهنية، وتستجلب لهم دعوات حضور المعارض. وكان الافتتان العلمي بالديناصورات الأكبر حجمًا كبيرًا إلى الحد الذي جعل اصطياد الهياكل العظمية المهمة والزاخرة بالمعلومات يرتكز أحيانًا على التسابق المحموم للحصول على العينات، وذلك لأن جمع الجماجم المثيرة للإعجاب كان يُنظر له على أنه أكثر أهميةً لبناء المجموعات. أما الأنواع الصغيرة في الحجم فكانت معرضةً للتجاهل من قِبل الباحثين عن الحفريات، مما يعني بلا شك أن هناك أنواعًا صغيرة في الحجم تنتظر أن تُكتَشَف.

وإلى جانب الاكتشافات التي وُجدت في مواقع أخرى -مثل الأسرّة الأحفورية لمقاطعة لياونينج في الصين، والتي استُخرجت منها عشرات العينات الرائعة- فإن Oculudentavis ومعه اكتشافات أخرى وُجدت داخل كهرمان ميانمار، يدفع ناحية نظرة إلى عالم الديناصورات تختلف عما جُمع من البقاع الكلاسيكية في الغرب الأمريكي. يتعلق البحث الجديد بنطاق الأحجام التي اتخذتها الطيور عبر الزمن، يقول كسيبكا: "أدهشني كم كان حجم هذه الحفرية صغيرًا"، وبالتأكيد نحتاج إلى حفريات أفضل للجسم، ولكن Oculudentavis قد يكون أصغر حتى من أصغر الطيور الطنانة الموجودة في وقتنا الحالي. وإذا تبين صحة هذا الاحتمال، حسبما يشير كسيبكا، فذلك يعني انقراض أكبر وأصغر الطيور التي وُجدت عبر كل الأزمنة.

على الأرجح، سيُتبع Oculudentavis بمزيد من الاكتشافات. يوضح شميتز: "نحن الآن لا نلاحظ سوى جزءٍ صغيرٍ من الطرف الأقل للطيف الحجمي، مع صورة غير مكتملة للتنوع الحيوي في عصر الديناصورات"، وحتى في البقاع المألوفة نسبيًّا، والتي تكثر فيها الحفريات، فإن المرشحين الأكثر ترجيحًا لتمثيل أنواع جديدة سيكونون أصغر نسبيًّا في الحجم. ولا تقل أهمية تلك الحيوانات عن العظام الهائلة التي تبدو كالجبال، وتملأ صالات المتاحف. فهي تشكل الخيوط التي ساعدت في تشكيل الأنظمة الإيكولوجية تحت أقدام هؤلاء العمالقة.