"كُن حاضرًا" هو شعار يتردد بكثرة في أوساط اليقظة الذهنية التي يرى فيها ممارسوها وسيلةً يمكن للإنسان أن يصل من خلالها إلى حالة من الوعي بالذات وتقبُّلها، ومن هذا المنطلق، يقوم أحد تمارين اليقظة الذهنية على فكرة أداء الأنشطة الاعتيادية بشيء من التمعن، فتقول إحدى التوصيات الواردة في مقالة صادرة عن "مايو كلينيك": "حاوِل أن تأخذ الوقت الكافي كي تسمح لنفسك بالتفاعل مع بيئتك بكل حواسك من اللمس والسمع والبصر والشم والتذوق، على سبيل المثال، عندما تتناول أحد أطعمتك المفضلة، خُذ الوقت الكافي لشم الطعام وتذوقه والتلذذ به".

وقد تنطوي اليقظة الذهنية على فوائد نفسية حقيقية؛ إذ كشفت توليفة من التجارب المنضبطة المعشّاة في وقت سابق من هذا العام أن التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية كان لها مردودات صحية إيجابية على حالات، منها الضغط النفسي والقلق والاكتئاب، وذلك بمعدلات كانت إما محدودة أو متوسطة، ومع ذلك، فإن مردودات اليقظة الذهنية كانت لا تزال أكثر ثانويةً وأقل اتساقًا إذا ما قورنت بمردودات أنواع العلاج الأخرى، كما أن بعض تلك المردودات بدا وكأنه يتلاشى بعد مرور أشهر من إجراء هذا التدخل، وبالنظر إليها مجتمعة، فإن هذه النتائج تشير إلى أن التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية قد تكون أفضل من لا شيء من حيث المردود الصحي في بعض الحالات، ولكن النتائج نفسها توحي أيضًا بوجود حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث التي تقارن اليقظة الذهنية بالعلاجات الأخرى.

ولعل العامل المشترك الأوحد بين جميع أنواع التدخلات القائمة على اليقظة الذهنية هو أن جميعها كان يسعى لتنمية قدرة الإنسان على التركيز على اللحظة الحالية من خلال حضور سلسلة من جلسات ممارسة التأمل التي تشجع على ذلك.

ومع ذلك، فعلى الرغم من أن اليقظة الذهنية قد تكون لها مزايا، فقد كشفت الأبحاث النفسية أن بعض الظروف قد يتطلب غياب تلك اليقظة؛ فكلما زاد تمكُّننا من المهارات اللازمة لأداء المهمات المعقدة، بات أداء تلك المهمات أكثر سهولةً وتراجعت حاجتنا إلى التيقظ في أثناء أدائها، وتزخر حياتنا اليومية بأمثلة على تلك المهمات التي تترواح في درجة تعقيدها من ركوب الدراجة إلى تقطيع الخيار وحتى تنظيف الأسنان.

وتُعزى حالة "التلقائية" (كما يُطلق عليها باحثو علم النفْس الإدراكي) التي نؤدي بها تلك المهمات إلى عمليات ذهنية يمكن تنفيذها دون الانتباه إليها، تجري تلك العمليات دون إدراكٍ واعٍ من الإنسان، وكأنها سلسلة من الأحداث الذهنية التي يؤدي كلٌّ منها إلى الآخر، شئنا أم أبينا، وبطبيعة الحال، فإننا لا نؤدي كل المهمات بشكل تلقائي، ولكن الكثير منها يمكن أداؤه بهذه الطريقة بمجرد التدرُّب عليه جيدًا.

وتجدُر الإشارة هنا إلى أن الانتباه يكون مطلوبًا عند تعلُّم مهارة جديدة؛ ففي دراسة أجريناها، وجدنا أن مقاييس القدرة الإدراكية التي استغلت القدرة على تركيز الانتباه كانت مؤشرًا على قدرة عازفي البيانو المبتدئين على تعلُّم أغنية “Happy Birthday to You” وعزفها.

غير أن الأبحاث المعنية بفهم الخبرات وتنميتها كشفت كذلك أن الإفراط في التركيز على ما تفعله يمكن أن يكون له آثار ضارة، لا سيما عندما يحدث ذلك في أثناء تطبيق مهارات تدرَّب الإنسان عليها جيدًا، في الواقع، قد يكون هذا من الأسباب التي تجعل الخبراء في مجالٍ ما يبدون وكأنهم "يختنقون تحت الضغط بحيث ينخفض مستوى أدائهم تحت الضغط الذي تفرضه رغبتهم في الأداء الجيد"؛ فهم يفرطون في التفكير في آليات أداء المهمة الموكلة إليهم.

يتضح ذلك في دراسة رائدة، فيها وجهت سيون بايلوك -خبيرة عِلم النفْس الإدراكي- وزملاؤها الدعوة إلى لاعبي الجولف المهَرَة لمحاولة ضرب الكرة حتى تسقط في الحفرة، وذلك في ظروف تجريبية مختلفة، في أحد السيناريوهات، وجه الباحثون لاعبي الجولف ببساطة بالانتباه إلى حركة المضرب الدورانية في أثناء ضرب الكرة، وقول كلمة "توَقَّف" عند الانتهاء من ضربتهم، وفي سيناريو آخر، تلقَّى اللاعبون تعليمات مختلفة بتجاهل كافة الأصوات والإنصات لصوت معين، ومن ثَمَّ قول كلمة "نبرة" عند سماع ذلك الصوت المُستهدَف.

وعلى عكس ما قد يتوقعه المرء، كان أداء لاعبي الجولف الماهرين عندما ركزوا على ضربتهم أسوأ بكثير من أدائهم عندما وجهوا انتباههم إلى أصوات لا صلة لها بما كان يجري، كان تأثير الانتباه لتوجيه الضربة ضارًّا للغاية، حتى إن أداء لاعبي الجولف وقت الإحماء قبل بدء التجربة كان أفضل فعليًّا من أدائهم في أثنائها.

وفي دراسة أحدث، طلب عالِم النفْس يانيك بالك وزملاؤه من لاعبي الجولف تجربة تدخلات مختلفة صُممت للتخفيف من آثار ضغط الأداء الرياضي، جاء ذلك بعد أن أحدث الباحثون ذلك الضغط عن طريق تصوير المشاركين بالفيديو، مع إبلاغهم بأن كشوف نتائجهم ستُنشَر علنًا في مقر النادي، بالإضافة إلى تحفيز الأداء القوي بتوفير مكافآت تمثلت في كوبونات للشراء من محل مستلزمات رياضة الجولف.

كان أداء لاعبي الجولف من دون تدخل أسوأ كثيرًا تحت الضغط، غير أن المشاركين الذين تم تشجيعهم على التفكير في شيء آخر -أغنية يعرفونها عن ظهر قلب على وجه التحديد- تحسَّن أداؤهم رغم ارتفاع حجم الضغوط، ويجدُر التنبيه إلى ضرورة تكرار تلك الدراسة باستخدام عينات أكبر وعبر سياقات أخرى للتحقق من تلك النتائج.

ومع ذلك، تظل أهم رسالة يمكن استخلاصها من تلك الأبحاث هي أن التركيز الزائد على تنفيذ تسلسلات حركية تم التدرُّب عليها جيدًا يمكن أن يتسبب في أخطاء، بطبيعة الحال، لا ينبغي أن نسكُن إلى خوض الحياة بشكل تلقائي، فنهدر الفرص لإقامة صلات أعمق مع أنفسنا ومع الآخرين ومع بيئتنا، ولكن هناك مواقف ينبغي أن ندعها تسير بتلقائية، في المرة القادمة التي تركب فيها الدراجة، سِر ولا تُفرِط في التفكير.